لهذه الأسباب قد تتحوّل عطلتك إلى جحيم (shutterstock)

يتوقّع كل شخص أن يحصل على قسطٍ من المتعة بنفس القدر أو أكثر مما يبذله خلال عمله، فالاعتقاد السائد يخلص إلى أن "الترفيه هو الجائزة" التي نحصل عليها جرّاء العمل لساعات طويلة، فيما يؤمن أغلب البشر أنه كلما زاد وقت الفراغ فستكون الحياة أفضل.

وتظهر أبحاث أجراها متخصصو علم النفس أن امتلاك وقت الفراغ وتحديد كيفية قضائه يمكن أن يصبح في حد ذاته أمراً مرهقاً للغاية.

معضلة الاختيار

يشير باحثون إلى أن البعض يشعر بضغط هائل عند زيادة وقت التوقّف عن العمل، ويأتي ذلك نتيجة أن يجد الإنسان نفسه "مُخيّراً" في أمور تخص "التوقّع" و"عملية البحث" عن المزيد من المتعة والترفيه، وإنفاق المزيد من الأموال، وتحديد وجهة وبرنامج للعطلة.

وتثبت البيانات المرفقة بالبحث أن هذا الضغط لتحقيق أقصى قدر من المتعة قد يعوق استمتاعنا بالترفيه نفسه.

بالإضافة إلى ذلك يعاني بعض الناس معتقد أن "وقت الفراغ لا يستحق أي عناء على الإطلاق"، ويذهب الباحثون إلى أنّ هؤلاء غالباً ما يعملون في وظائف عالية التوتر وذات رواتب عالية، فيعطون الأولوية للإنتاجية إلى الحد الذي لا يمكنهم معه الاستمتاع بالإجازة، وغالباً ما يكون ذلك على حساب صحتهم العقلية.

وعلى الرغم من اختلاف مشكلاتهم مع أوقات الفراغ، فإن كلتا المجموعتين تكافحان للاستمتاع بالإجازة للسبب نفسه، وهو أن الطريقة التي نُدرِك بها مفهوم "العطلة" قد تغيرت على نحوٍ إشكالي.

المفهوم المتغيّر للترفيه

يقول براد إيون الأستاذ المساعد في كلية العلوم الإدارية بجامعة "كيبيك" الكندية: "لقد تطوّر الترفيه بشكل كبير على مر القرون وعبر الثقافات (..)، ومع ذلك فإن الشيء الوحيد الذي لم يتغيّر بشأن الترفيه هو أنّه كان دائماً مضاداً للعمل".

وقبل ألفي عام كان الترفيه حالة ذهنية نشطة، فالترفيه الجيّد يعني ممارسة الرياضة، وتعلّم الموسيقى، ومناقشة الأقران المؤهّلين، وممارسة الفلسفة. ولم يكن الترفيه حينئذ سهلاً، لكنّه كان ممتعاً.

ويعتقد أيون أن تحولاً ما حدث عندما بدأ الرومان في النظر إلى أوقات الفراغ "وسيلةً للتعافي استعداداً لمزيد من العمل"، وهو انتقال تسارع بشكل كبير خلال الثورة الصناعية التي بدأت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر.

وبحلول القرن التاسع عشر تغيّر نوع الترفيه الذي يدلّ على المكانة، عاش الأثرياء الرأسماليون حياة عاطلة عن العمل، وأحد الأمثلة الشائعة هو وصف الفيلسوف والتر بنيامين للموضة نحو عام 1893، قائلاً إنّها "السير عبر الأروقة برفقة سلحفاة".

أمّا اليوم، ساد معتقد يعتبره خبراء غيرَ صحي، ومفاده "أنّ قلة وقت الفراغ بات رمزاً قوياً معبّراً عن مكانة الفرد الاجتماعية".

وأجرت عنات كينان أستاذة التسويق في كلية "كويستروم" للأعمال بجامعة بوسطن بحثاً مكثّفاً حول القيمة الرمزية للوقت، وتوصّلت إلى أنّ المشاهير كثيراً ما يتحدثون عن عدم توفّر الوقت لديهم، وعن حاجتهم الماسّة إلى قضاء عطلة، ولا يزال الكثيرون ينظرون إلى ثقافة العمل لساعات طويلة باعتبارها "وسام شرف".

وللمفارقة يرجّح أيون أنّ أولئك الذين لديهم أكبر قدر من المال لإنفاقه على أوقات الفراغ وقضاء العُطل، هم من يقضون ساعات أطول في العمل أيضاً. وتابع الأستاذ المساعد في كلية العلوم الإدارية بجامعة "كيبيك" بأنّه "غالباً ما يذهب الأشخاص ذوو التعليم العالي مثل الجراحين والمحامين والمديرين التنفيذيين إلى الوظائف ذات الأجر المرتفع، التي تتطلب مرشحين منتجين للغاية ومستعدين للعمل لساعات طويلة".

وحسب ما خلص إليه أيون فإنّ "هذا يعني أن أولئك الذين يشتكون على نحو أكثر من عدم توافر وقت فراغ كافٍ هم من طبقة الأثرياء والمتعلمين"، ويغذّي ذلك بين الأوساط المذكورة فكرة أنّه يجب علينا زيادة "منفعة المتعة أو قيمتها" في أوقات الفراغ، فعندما نحصل بالفعل على بعض الإجازة تصبح لا إرادياً كل ساعة مهمة، على نحوٍ مثير للتوتر والضغط، ما ينتج عنه في نهاية المطاف "إفساد لعطلتنا".

تناقص المنفعة الحديّة.. أن تصبح عطلتك بعاثةً على الإحباط

توصّلت دراسة نُشِرت في جمعية علم النفس الأمريكية إلى أنّه مع زيادة وقت فراغ فرد ما يزداد إحساسه بالرفاهية، و"لكن إلى حد معين فقط". فقد يكون الكثير من وقت الفراغ أمراً سيئاً أيضاً، وذلك يمكن تبسيطه من خلال أحد المبادئ الشهيرة في علم الاقتصاد، وهو "قانون تناقص المنفعة الحديّة".

عند استهلاك وحدات متتالية من سلعة معيّنة فإنّ مقدار الإشباع الذي يحصل عليه المستهلك يأخذ بالتناقص بعد استهلاك وحدات إضافية من السلعة نفسها. وبعبارة أخرى فإن كان شخص ما ظمآناً وشرب كوباً من الماء ثم أتبعه بعدة أكواب يتناقص قدر الإشباع (المنفعة) مع كل وحدة إضافية يستهلكها.

وحسب ماريسا شريف، أستاذة مساعدة للتسويق في مدرسة "وارتون" بجامعة بنسلفانيا والمؤلّف الرئيسي للورقة البحثيّة، فإنّه "غالباً ما يشتكي الناس من كونهم مشغولين جداً، ويعبّرون عن رغبتهم في مزيد من الوقت"، وتتساءل شريف: "ولكن هل يرتبط المزيد من الوقت فعليّاً بالحصول على قدر أكبر من السعادة؟".

وتابعت الأستاذة المساعدة للتسويق في جامعة بنسلفانيا: "لقد وجدنا أن انخفاض الساعات الترفيهية في يوم واحد يؤدّي إلى زيادة التوتر وانخفاض الرفاهية الذاتية (..)، وفي حين أن ضيق الوقت يُعدّ أمراً سيئاً، فإنّ قضاء المزيد من أوقات الفراغ ليس دائماً أفضل".

وحلل الباحثون بيانات ما يقارب 22 ألف أمريكي شاركوا في استطلاع عن كيفية استغلال الوقت، ووجدوا أنّ المعدّل اليومي للشعور بالرفاهية يستقرّ عند نحو ساعتين، ويبدأ في الانخفاض بعد خمس ساعات من الترفيه، ثم يصبح بعد ذلك سبباً للتوتر والشعور السيئ.

وعلى صعيد آخر يوضّح الاقتصادي الأمريكي دانييل هاميرمش في كتابه "قضاء الوقت: المورد الأكثر قيمة" أنّ "قدرتنا على شراء السلع والخدمات والاستمتاع بها ارتفعت بسرعة أكبر بكثير من مقدار الوقت المتاح لنا للاستمتاع بها".

وخلص هاميرمش إلى أنّ عوامل متعددة قد تتسببّ في أن يتحوّل وقت الفراغ من نعمة إلى نقمة، ولتجنّب ذلك ينبغي على المرء إدراك كيفيّة التعامل الصحيح مع مفاهيم الرفاهية والاستمتاع بأوقات الفراغ، وفهم مبدأ تناقص المنفعة الحديّة، والتخطيط لقضاء العطلة من دون توقعّات عالية.

TRT عربي