تفوّق الإناث على الذكور في المدرسة لم يأتِ من فراغ. بل تفسّره مجموعةٌ من العوامل، وهي بالأساس عوامل اجتماعية وثقافية وتربوية.

في نهايةِ كلّ سنةٍ دراسية بالكثير من البلدان العربية، يتفاجأ الجميع بنسب النّجاح عند الإناث والتي تفوق نظيرتها في صفوف الذكور، وأيضاً من المعدّلات العالية التي تحصدها البنات من سنّ الحضانة وحتى الجامعة، مقارنةً بالأولاد.

هذه الفكرة ليست مجرّد تعميم، بل نِتاج إحصائياتٍ وأرقام صادرة عن جهاتٍ رسمية بالبلدان العربية، وأيضاً دراساتٍ تبيّن أن تفوّق الإناث على الذكور حقيقة لها أسبابُها.

ففي المغرب، قالت وزارة التربية الوطنية إنّ العدد الإجمالي للناجحات في امتحانات الباكالوريا (الثانوية العامة) لهذا العام 2019 بلغ 121 ألفاً و673 مترشّحة، وهو ما يمثّل نسبة 57% من مجموع الناجحات والناجحين.

وفي تونس، استطاعت البنات أن يحصدن نسبة نجاح بلغت 63.48%، فيما بلغت بالنسبة للذكور 36.52% فقط، حسب أرقام وزارة التربية.

في الأردن، تتفوّق الفتيات على أقرانهنّ من الذكور في المدارس في كلّ المواد تقريباً، بخاصّةً العلوم والرياضيات والقراءة، وفي كلّ المراحل العمرية، كما يؤكّد ذلك موقع "سياساتٌ جيدة لحياةٍ أفضل" الأردني، بل إنّ الإناث حصلن على المراتب الأولى في سبع فروع من أصل تسعة في الثانوية العامّة سنة 2016، حسب الموقع نفسه.

كشفت دراسةٌ قامت بها جمعية علم النفس الأمريكية عام 2014 أنّ الإناث يتفوقن على الذكور منذ سنّ الحضانة وحتى الجامعة
كشفت دراسةٌ قامت بها جمعية علم النفس الأمريكية عام 2014 أنّ الإناث يتفوقن على الذكور منذ سنّ الحضانة وحتى الجامعة (AA)

في الجزائر أيضاً، أفادت وزارة التربية أنّ نسبة النجاح بالنسبة للفتيات في امتحان الباكالوريا بلغت 65%، فيما بلغت بالنسبة للذكور 35%.

وكشفت دراسةٌ قامت بها جمعية علم النفس الأمريكية عام 2014 أنّ الإناث يتفوّقن على الذكور منذ سنّ الحضانة وحتى الجامعة. شملت الدراسة حوالي مليون طالبة وطالب، من بلدان عربية مختلفة، من بينها السعودية والأردن.

تأثير المنظومة التربوية

تفوّق الإناث على الذكور في المدرسة لم يأتِ من فراغ. بل تفسّره مجموعةٌ من العوامل، وهي بالأساس عوامل اجتماعية وثقافية وتربوية.

يوضّح المتخصّصون في علم الاجتماع أنّ طبيعة التربية التي تتلقّاها الإناث، المختلفة جذرياً عن نظيرتها التي يتلقّاها الذكور، تجعل الفتيات يتعوّدن على نوعٍ من الانضباط في السلوك، ما يجعلهنّ بالتالي أكثر انضباطاً من الذكور في المدرسة.

تشرحُ سناء العاجي، متخصّصة في علم الاجتماع، في حديثها لـTRT عربي أنّ "التربية والتكوين اللذين تتلقّاهما الفتاة يجعلانِها، في أغلب الحالات، تقوم بمجهودٍ أكبر حتى تُبرز نجاحها، ولو أنّ التميّز والتفوّق نِتاج لمجهودٍ شخصي ولا يتعلّقان بقُدراتٍ خارقة لأحد الجنسين".

ويرجعُ الانضباط عند الفتيات إلى كونِهنّ يحظين بتتبّعٍ دائم من طرف أسرهنّ بالمقارنة مع الذكور، ليس في المدرسة فحسب، بل في مختلف مناحي الحياة.

في هذا السياق، تشير دراسة جمعية علم النفس الأمريكية إلى أنّ "نتائج التربية التي تتلقّاها الفتاة منذ طفولتها تجعلها أكثر قابليةً للانتباه والتنظيم وإتمام الواجبات وحسن الإصغاء واتباع التعليمات بدقّة".

نتائج التربية التي تتلقّاها الفتاة منذ طفولتها تجعلها أكثر قابليةً للانتباه والتنظيم وإتمام الواجبات وحسن الإصغاء
نتائج التربية التي تتلقّاها الفتاة منذ طفولتها تجعلها أكثر قابليةً للانتباه والتنظيم وإتمام الواجبات وحسن الإصغاء (Reuters)

إثبات الذات في مجتمع ذكوري

تربّي المجتمعات الذكورية الإناث على أن يكنّ أكثر إصراراً ومثابرةً وصبراً خلال فتراتٍ طويلة، وذلك في مختلف مناحي الحياة.

في حديثها لـTRT عربي، تفسّر سناء العاجي تفوق الإناث على الذكور في الدراسة بكون الفتيات مطالَباتٍ دائماً بالقيام بمجهود مضاعف من أجل إبراز نجاحهنّ وكسب مكانتهنّ باستحقاق.

وتضيف أن "هذا يعوّد الفتاة على بذل مجهودٍ كبير، بالمقابل، يشعر الشابّ بالتفوق والتميّز لمجرّد أنّه ذكر، الأمرُ الذي لا يدفعه لبذل مجهودٍ كبير. الفتاةُ مثلاً مُطالبةٌ بتعلّم أشغال البيت، والاهتمام بمظهرها، واحترام ضوابط الأسر في ما يتعلّق بساعات الخروج والدخول، والمحافظة على سُمعتها، وبذل مجهود في الدراسة".

لا ترتبط نتائج الامتحانات في المدارس بذكاء التلاميذ فقط، بل أيضاً بالمنظومة التربوية عامّةً، سواءٌ داخل الأسرة أو في الشارع أو في المدرسة، والتي تعامل الإناث والذكور من منطلقاتٍ مختلفة.

"ترتبط نتائج الاختبارات المدرسية بما نلقّنه من قيمٍ للأطفال، ومن تصوراتٍ حول دورهم ومكانتهم في المجتمع، وكذلك قيم العمل والمجهود والاستحقاق المبني على المجهود الشخصي، وليس فقط على الانتماء الجنسي الطبيعي"، تُردف العاجي.

مقاومةٌ للاضطهاد

تفوّق الإناث على الذكور في الدراسة في الكثير من البلدان العربية له أيضاً، بالإضافة إلى التفسيرات السوسيوثقافية، تفسيراتٌ أخرى نفسية.

حسن الزهراوي، مدرّسٌ في التعليم الثانوي، يشيدُ بقدرات تلميذاته على الانضباط والالتزام بالتعليمات والقواعد، مقارنةً بتلاميذه من الذكور. حتى خلال تصحيح أوراق الامتحانات، يلاحظ الزهراوي دائماً ذلك الفرق الشاسع بين أوراق الإناث والذكور.

تربّي المجتمعات الذكورية الإناث على أن يكنّ أكثر إصراراً ومثابرةً وصبراً خلال فتراتٍ طويلة
تربّي المجتمعات الذكورية الإناث على أن يكنّ أكثر إصراراً ومثابرةً وصبراً خلال فتراتٍ طويلة (AP)

"ألاحظ دائماً كيف أنّ التلميذات يحرصن على التنظيم، على جمالية الخطّ وترتيب الأفكار، وأناقة الورقة، عكس الذكور"، يقول الزهراوي في حديثه لـTRT عربي.

يُفسّر الزهراوي هذا بسعي الفتيات إلى فرض أنفسهنّ كقوى فاعلة ومواطنة مسؤولة، وكدحهنّ المُلِحّ ليقُلن للمجتمع الذي يهدر كرامتهنّ وحقوقهنّ "أيها المجتمع، أنا هنا، أنا موجودة وقادرة على إثبات ذاتي وكينونتي".

حسب المتخصّصين في علم الاجتماع الذين اهتمّوا بوضعية النساء في أبحاثهم، فإنّ هذا راجعٌ إلى كون المرأة كائناً مقهوراً اجتماعياً، يتعرّض للعَسفِ والاضطهاد بشتى تلاوينه، والعنف بكلّ تشكّلاته وتمظهراته.

في هذا الإطار، تضطرّ الكثيرات من الفتيات في المجتمعات العربية، في الكثير من الأحيان، إلى خوض معارك مع عائلاتهنّ وآبائهنّ من أجل انتزاع حقّهن في التمدرس، بخاصّةً في المناطق القروية أو شبه الحضرية. ما يجعل الدراسة، حسب الزهراوي، "إحدى أهمّ السّبل التي تسعى من خلالِها على البرهنة على كينونتها وإثبات ذاتها، فتتحوّل بذلك إلى تحدٍّ دائم".

الإناث أذكى من الذكور؟

بناءً على الإحصائيات التي تثبت أنّ الإناث يتفوّقن على الذكور، بخاصّةً في الدراسة، يتبادر إلى الأذهان سؤال مهمّ: هل تعني كلّ هذه المعطيات أنّ الإناث أكثر ذكاءً من الذكور؟

تجيب حنان كنون، مدرّسة اللغة الفرنسية في التعليم الثانوي، بالنّفي. فتجربتُها كمدرّسة جعلتها تُعايش حالاتٍ من التلاميذ الذكور الأذكياء، بل من يتفوّقون على البنات في مستوى الذكاء. ومع ذلك، ظلّت التلميذات محتكراتٍ للمراتب الأولى.

"تتفوّق الإناث على الذكور، نظراً إلى جهدهنّ وعملهنّ، فهنّ يجتهدن أكثر من الأولاد، ويخضعن للتعليمات، ونادراً ما يدخلن في مواجهاتٍ مع المدرّسين أو الإدارة، عكس الذكور الذين يميلون أكثر إلى التمرّد على القواعد"، تقول حنان لـTRT عربي.

عايشت حنان، خلال تجربتها كمدرّسة، حالاتِ فتياتٍ متفوّقات ومُجدّات وذكيات، على الرغم من العقبات والمسؤوليات الأسرية الكثيرة المُلقاة على عاتقهنّ. فهنّ يساعدن أمّهاتهنّ في البيت ويهتممن بإخوتهنّ الصغار، لكنّهنّ يتحدّين هذا الوضع بالنّجاح والتفوق.

"درّستُ فتياتٍ متفوّقات في العلوم والآداب والرياضيات، لكنْ، حين يقتربن منّي، تتناهى إلى أنفي رائحة مساحيق الغسيل"، تقول كنون، مضيفةً "هذا يدلّ على أنّهن يتحمّلن مسؤولياتٍ أخرى ويقمن بمجهوداتٍ مضاعفة، وهذه العقبات تولّد لديهنّ رغبةً عميقةً في النجاح والتفوق، وربّما هي رغبةٌ لا واعية في الخروج من المأزق الذي يجدن فيه أنفسهنّ منذ نعومة الأظفار".

المصدر: TRT عربي