لحظة إشعارها بالطلاق من طرف زوجها تنتقل المرأة الموريتانية من بيته إلى بيت أهلها برفقة أبنائها وبناتها، فتستقبلها أمها وأخواتها بالزغاريد وتضرب لها الدفوف وتقرع لها الطبول. هكذا تحتفل المرأة الموريتانية بالطلاق.

نواكشوط ـــ خلافاً للمرأة في دول العالم، تحتفل المرأة الموريتانية بطلاقها وتقام لها الاحتفالات والولائم وتُرفع الزغاريد وتُقرع الطبول، إيذاناً بعودتها إلى بيت أهلها الذي ترى فيه قصر كرامتها المنيف، وحيزها الجغرافي الذي تلجأ إليه كلما غادرها الزوج، وتبدأ مرحلة جديدة لا يعتريها فيها نقص ولا وجل ولا أثر تجربة فاشلة، ولا يحاسبها المجتمع على ذلك، وتتساوى حينها مع النساء اللواتي لم يتزوجن.

حفلات المطلقات

لحظة إشعارها بالطلاق من طرف زوجها تنتقل المرأة الموريتانية من بيته إلى بيت أهلها برفقة أبنائها وبناتها، فتستقبلها أمها وأخواتها بالزغاريد وتضرب لها الدفوف وتقرع لها الطبول، فرحاً بعودتها وخلاصاً لها من الارتباط الأسري بذلك الزوج الذي يتحول إلى مائدة دسمة للنقد والسب أحياناً، على الرغم من أنه كان بالأمس القريب محط احترام وتقدير وإشادة بحسن إكرامه لها والإحسان إليها.

وتنظّم صديقات المطلقة حفلاً على أنغام الموسيقى، يحضره بعض الشعراء ويتغنوا بمحاسنها وجمالها، وتُتناقل أشعارهم لتصل إلى أكبر عدد من المرشحين المحتملين للزواج بها.

تنظّم صديقات المطلقة حفلاً على أنغام الموسيقى، يحضره بعض الشعراء ويتغنوا بمحاسنها وجمالها
تنظّم صديقات المطلقة حفلاً على أنغام الموسيقى، يحضره بعض الشعراء ويتغنوا بمحاسنها وجمالها (Getty Images)

وفي بعض المناطق الموريتانية يتوجب على أحد العزاب الرجال تنظيم حفل الطلاق لها، وهو ما يسمى لهجياً بـ"التحريش"، لإغاظة طليقها علّ الغيرة تدفعه للرجوع عن قراره، ويتعهد العازب الذي ينظم الحفل بالتظاهر بحبها والتغزل بجمالها وأخلاقها ووصف زوجها بالغباء وانعدام الحظ، فكيف له أن يُزيّن بيته بهذه الزهرة الندية ثم يطلقها.

المرأة الموريتانية في ذهن الرجل

لفهم صورة المرأة المطلقة في المجتمع الموريتاني، لا بد من التوقف عند صورة المرأة بغض النظر عن كونها مطلقة أو عزباء، فالرجل الموريتاني ينظر إليها نظرة موحدة، وغالباً ما تثير المرأة المطلقة قريحة الشعراء، فينشدون فيها الأشعار الفصيحة الجزلة والأشعار الشعبية، ولا يشكل ذلك إلا جزءاً من صورة المرأة الموريتانية في ذهن الرجل، ولعل أبرز تعبير عن تلك الصورة الكاملة للمرأة الموريتانية في ذهن الرجل ما يختصره الشاعر الموريتاني محمد الطالب في قصيدة شعرية له:

غالباً ما تثير المرأة المطلقة قريحة الشعراء، فينشدون فيها الأشعار الفصيحة الجزلة والأشعار الشعبية
غالباً ما تثير المرأة المطلقة قريحة الشعراء، فينشدون فيها الأشعار الفصيحة الجزلة والأشعار الشعبية (Getty Images)

أقم صلوات الوجد بين المعازفِ

على ولهٍ مِن لابساتِ الملاحفِ

عشيةَ راق الجو وانداح أفقُهُ

وماس بأرواح الشتا والمصائف

تَمَشَّينَ في رملٍ أثيلٍ مُمهَّدٍ

يطأنَ على أطرافها والشراشف

وجاذبن هبَّاتِ النسيم معاطفاً

وأدلين من أبرادها بمعاطف

كيف بدأت القصة؟

يقول الباحث في التراث الموريتاني أحمد ولد حارود لـTRT عربي، إن من بين أبرز المرويات الشفهية حول هذه العادة المجتمعية التقليدية، يمكنه اعتبار أن الأمر ولد داخل نظام القبيلة الواحدة، حيث كان المجتمع مجموعة قبائل تقطن مناطق متفرقة، ولم يكن الزواج بين القبائل أمراً رائجاً لعدة اعتبارات تتعلق بالنسب والفئة والشريحة، وكانت المرأة مرغمة على الزواج بابن عمها، وقد أوجدت القبائل الموريتانية هذه العادة تكريماً للمرأة لأن خياراتها محدودة بعد الطلاق، ولكي لا تبقى حياتها معلقة بماضيها.

أوجدت القبائل الموريتانية عادة الاحتفال بالطلاق تكريماً للمرأة لأن خياراتها محدودة بعد الطلاق، ولكي لا تبقى حياتها معلقة بماضيها
أوجدت القبائل الموريتانية عادة الاحتفال بالطلاق تكريماً للمرأة لأن خياراتها محدودة بعد الطلاق، ولكي لا تبقى حياتها معلقة بماضيها (Getty Images)

ويضيف ولد حارود أن هذه الظاهرة انتشرت وتطورت في مراحل أخرى من عمر المجتمع الموريتاني مختلِف الأعراق ومختلط العادات.

ويتفق أحمد مع أغلب الباحثين في التراث الموريتاني أن عادة احتفال المرأة بالطلاق هي نوع من الإشهار والترويج للمطلقة والتعاطف معها.

عدد الزواج دليل على الجمال

نعم، لا تتفاجأ في موريتانيا حين تسمع سيدة تفتخر بعدد زيجاتها، وتعتبر ذلك دليلاً على جمالها وتميزها وجاذبيتها.

وتقول مريم بنت أحمد سالم، سيدة موريتانية خمسينية سبق لها أن تزوجت تسع مرات، لـTRT عربي، إنها الآن مطلقة ولم تعد ترغب في الزواج ولديها أبناء من آباء مختلفين، وتضيف وهي تبتسم، أن تجربتها مصدر فخر لها، وأن ذلك دليل كافٍ على جمالها وتميزها بين قريناتها، وتعتبر أن تجربتها كانت موفقة ومليئة بالسعادة على الرغم من عدم الاستقرار، وتؤكد أن طول مدة الزواج تؤدي إلى الملل، وهو ما يُعبر عنه في اللهجة الحسانية الموريتانية بـ"سعاد"، ولسعاد هذه قصة معروفة في المرويات التاريخية.

تحذيرات وأرقام

تزداد نسب الطلاق في موريتانيا بشكل مخيف، حسب منظمات المجتمع المدني المهتمة بشؤون الأسرة، وقد أعلن عدد من هذه المنظمات أن نسب الطلاق في ارتفاع مضطرد، مع دعوات إلى التوعية بخطورته على استقرار الأسر وتربية الأطفال.

وفي تقرير رسمي صادر عن الحكومة الموريتانية عام 2018، بلغت نسبة الطلاق ثلث حالات الزواج في عموم البلاد.

تزداد نسب الطلاق في موريتانيا بشكل مخيف، حسب منظمات المجتمع المدني المهتمة بشؤون الأسرة
تزداد نسب الطلاق في موريتانيا بشكل مخيف، حسب منظمات المجتمع المدني المهتمة بشؤون الأسرة (TRT Arabi)

وأكد التقرير أن نسبة الطلاق بلغت 31% يجري الانفصال في 60% منها في السنوات الخمس الأولى بعد الزواج، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن طلاق المرأة لا يحدّ من فرصها في الزواج مرات أخرى.

وأفاد التقرير بأن نسبة 74% من النساء المطلقات تزوجن من جديد، وأن نسبة 25% من النساء تزوجن مرتين على الأقل، و7% تزوجن ثلاث مرات فأكثر، ووضع التقرير العوامل الاجتماعية والاقتصادية على رأس أسباب الطلاق.

الطلاق والنضج

في مفارقة عجيبة، يعتقد كثير من رجال المجتمع الموريتاني أن المرأة المطلقة أكثر نضجاً وتجربة وتفهماً لإكراهات الحياة وتحدياتها، كما يعتقد كثير من الرجال أيضاً أن المرأة التي لم تتزوج تنظر إلى نفسها بالكثير من المبالغة في قيمتها، وتضع أو يضع أهلها الكثير من الشروط المادية والعقبات في وجه الزواج بها.

وعلى عكس المرأة المطلقة، يواجه الرجل المطلق كثيراً من الصعوبات في الزواج من أخرى إذا لم يكن ميسور الحال.

وتفضل المرأة الموريتانية الرجل الذي لم يتزوج سابقاً، لأن تعدد تجاربه الزوجية الفاشلة دليل على عدم تحمله المسؤولية والصبر عليها والنضال من أجلها كمشروع اجتماعي يتطلب كثيراً من الصبر والمسؤولية، في ظل متغيرات اقتصادية واجتماعية وجملة من التقاليد المجتمعية المفروضة على كل زوجين.

المصدر: TRT عربي