على الرغم من مرور 34 عاماً على وفاته لا يزال ناجي العلي حاضراً في أذهان الفلسطينيين وذاكرتهم برسوماته الكاريكاتورية التي جندت الفن لقيادة وعي سياسي.

"اللي بدو يكتب لفلسطين واللي بدو يرسم لفلسطين بدو يعرف حالو: ميت"، هكذا كان يردد ناجي العلي، إذ إن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي أصبحت صوراً وأشكالاً مختلفة تتعدى المفهوم العسكري التقليدي إلى خوض حروب اللغة والمفردات والأفكار وحرب الصورة وحرب الفن.. ومن هنا كانت رسوم الفنان الراحل ناجي العلي شاهدة على فظاعة الاحتلال وحافظة للتاريخ وملهمة للمقاومة المستمرة إلى اليوم.

وشأنه شأن الثائرين والمقاومين الذين تترصدهم أيادي الظلم والاستبداد قُتل ناجي العلي في ظروف غامضة لم تتمكن التحقيقات الجنائية إلى اليوم حل اللغز وكشف أسرار الجريمة والجهات المتورطة فيها. إلا أن اليد التي اغتالته لم تتمكن من محو رسومه من الذاكرة، حتى بات بعضها رمزاً للمقاومة كرسمة حنظلة الشهيرة التي ابتدعها ناجي العلي، وهي عبارة عن رسمة لطفل صغير توقف سنه عند العاشرة ولم يكبر بعدها أبداً، مديراً ظهره، وأطلق عليها تسمية حنظلة نسبة إلى النبات المر، مشيراً بذلك إلى حالة الضعف والانهزام التي تشهدها البلدان العربية.

وقد ورد في أحد تصريحاته أنه: "اسمي حنظلة، وُلدت في 5 يونيو/حزيران 1967، اسم أبي مش مهم. أمي اسمها نكبة، وأختي اسمها فاطمة، نمرة رجلي ما بعرف لأني دايماً حافي، أنا مش فلسطيني ولا أردني، مش كويتي ولا لبناني ولا مصري، أنا عربي".

ناجي العلي.. أيقونة للنضال الفلسطيني

عاش الرسام الكاريكاتوري في مخيم عين الحلوة جنوب لبنان بعد أن هاجر مع أهله من قريته بين مدينتَي الناصرة وطبريا الفلسطينية عام 1948. وبسبب نشاطاته المناهضة للاحتلال الإسرائيلي اعتُقل صبياً أكثر من مرة على يد الجيش اللبناني وقوات الاحتلال الإسرائيلي، فتحدى السجان واستمر برسم رسومه المقاومة للاحتلال على جدران الزنازين.

ولم يعرف الفنان الفلسطيني الاستقرار في حياته، إذ هُجِّر من مكان إلى آخر وانتقل من منطقة إلى أخرى، فأسس أسرة في لبنان ثم انتقل سنة 1963 إلى الكويت حيث عمل محرراً ورساماً ومخرجاً صحفياً. بعد أن اكتشف موهبته الروائي والصحفي الراحل غسان كنفاني حين زار مخيم عين الحلوة سنة 1961 وأعجب برسوم العلي ونشر له أولى لوحاته وكانت عبارة عن خيمة تعلو قمتها يد تلوّح.

فاشتهر العلي بانتقاده اللاذع الذي لم يستثنِ الواقع الفلسطيني وفصائل فلسطينية، وتحريضه المستمر وتشجيعه على قيادة تغيير سياسي حقيقي عبر بثه الوعي بأذهان الكثيرين برسومه التي جاوز عددها 40 ألف رسم كاريكاتوري.

وابتدع الفنان الفلسطيني العديد من الشخصيات الكاريكاتورية التي حملت في طياتها رمزية وانتقدت أحداثاً بالمنطقة لعل أهم هذه الشخصيات التي أصبحت توقيع العلي على رسوماته وأيقونة للثورة والصمود إلى اليوم شخصية حنظلة الطفل الصغير الذي أدار ظهره للجميع وبقي مكتفاً يده إلى الخلف، وعن سبب ذلك قال ناجي العلي: "كتفته بعد حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة بحلول التسوية الأمريكية في المنطقة، فهو ثائر لا مطبع".

إلى جانب حنظلة مثلت فاطمة المرأة القوية والغاضبة صاحبة المواقف الواضحة من القضية الفلسطينية رمزاً للمقاومة الفلسطينية. وتتعدد على هذا النحو الشخصيات والرموز التي طوعها ناجي العلي لإحياء القضية الفلسطينية بنفوس أبنائها وأبناء المنطقة العربية.

اغتيال ناجي العلي.. ظروف غامضة

لا شك أن رسوم الفنان الفلسطيني أقضت مضاجع الكثيرين، ما جعله في مرمى الاستهداف والتهديد بالتصفية. ولم يثنه ذلك عن الاستمرار في الرسم والنقد.

ومع انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الأولى أصابت رصاصة مجهولة المصدر ناجي العلي أثناء توجهه إلى مقر عمله بجريدة القبس الكويتية غرب لندن يوم 22 يوليو/تموز سنة 1987. نقل على إثرها إلى المستشفى وبقي في غيبوبة حتى توفي بعد شهر.

ولم تتمكن الشرطة البريطانية إلى اليوم من الكشف عن ملابسات القضية والأطراف المتورطة فيها على الرغم من فتح التحقيق بشكل متجدد.

ومع استمرار حالة الغموض الذي يكتنف القضية راج العديد من السيناريوهات والاحتمالات عن الأطراف التي يمكن أن تكون وراء عملية الاغتيال. بين من يتهم قوات الاحتلال الإسرائيلي ومن يرجح ضلوع منظمة التحرير الفلسطينية في الجريمة التي نفتها لاحقاً عن نفسها.

وتبقى كلها احتمالات لم تؤكد التحقيقات صحتها حتى بعد مرور 34 عاماً من مقتل صاحب حنظلة، الذي بقيت يداه مكتفتين إلى الخلف حتى اليوم، مع حركة التطبيع الأخيرة التي انخرطت فيها البلدان العربية.

TRT عربي