في ظلّ أوضاع اقتصادية متردية شهدها السودان انتقل نقش الحناء في السنوات الأخيرة من كونه إحدى الأدوات الجمالية الأصيلة في الثقافة المحلية إلى نشاط اقتصادي مربح، تتسع سوقه باطراد.

"لا أتخيل العرس أو العيد دون حناء.. هذا مستحيل!"بهذه الكلمات عبرت آيات محمود عن المكانة التي يحتلها نقش الحناء في وجدان السودانيات، باعتباره طلباً للزينة والجمال المرتبط بالمناسبات المبهجة.

وتضيف آيات في إفادتها لـTRT عربي: "في يوم وقفة العيد قد أضطرّ أحياناً إلى الانتظار طوال اليوم في صالون الكوافيرة حتى يحين دوري وأكون سعيدة بذلك.. إنها الحناء!".

في حين تضيف تقوى، حنّانة (ترسم نقوش الحناء) وصاحبة صالون في الخرطوم، أن نقش الحناء علامةٌ على كل المناسبات السعيدة وليس الزواج والعيد فقط، "فعلى سبيل المثال الاحتفال بتخرّج طالبة في الجامعة يستدعي التزين بالحناء، وكذلك النفساء في حفل تسمية المولود ثم في الاحتفال بطهوره، وبالطبع لا يقتصر ذلك على الداعية إلى الاحتفال بل كذلك تتزين المدعوات".

وتكمل تقوى في إفادتها لـTRT عربي أن هذا التنوع في المناسبات المسعِدة يمنح عمل الحنّانة صفة الاستمرارية، قبل أن تضيف مستدركة: "لكن بالطبع ككل المهن لنقش الحناء مواسم متعددة في السنة يبلغ فيها النشاط ذروته"، وأهم هذه المواسم وفقاً لها هي عيدا الفطر والأضحى ولا سيما الأخير لتوافقه في هذه الأعوام مع إغلاق المدارس والجامعات حيث تحتفل العائلات بتخرج بناتها كذلك.

"أكثر النساء ترغب في أن تنقش الحناء يوم الوقفة أو اليوم الذي قبلها حتى تظل النقشة محافظة على نضارتها"، تقول هناء ضرار لـTRT عربي، مضيفة: "تزدحم الصالة بالراغبات في التزين بالحناء في هذين اليومين، ولربما يستغرق الانتظار من الصباح إلى المساء، ومن المألوف في وقفة عيد رمضان أن تأخذ النسوة وجبة الإفطار معهنّ تحسباً للتأخر المتوقع".

من زينة إلى "بيزنس"

وبينما كان التزين بالحناء يتسم بالبساطة سابقاً حيث تجتمع النسوة في بيت إحداهنّ أو في بيت الحنانة وتزين الموهوبة بينهن أو الحنانة الحاضرات، فقد تحول هذا النشاط إلى "بيزنس" متكامل اليوم تُخصّص من أجله أقسامٌ منفردة في صالونات الكوافيرات.

كان التزين بالحناء يتسم بالبساطة سابقاً حيث تجتمع النسوة في بيت إحداهنّ أو في بيت الحنانة وتزين الموهوبة بينهن أو الحنانة الحاضرات
كان التزين بالحناء يتسم بالبساطة سابقاً حيث تجتمع النسوة في بيت إحداهنّ أو في بيت الحنانة وتزين الموهوبة بينهن أو الحنانة الحاضرات (Getty Images)

وفي بلد يبلغ متوسط الراتب الشهري فيه 3800 جنيه، فإنّ المقابل المادي للحناء للسيدة الواحدة يتفاوت بين 250 و500 جنيه، هذا في الأحياء الضعيفة مادياً وفقاً لتقوى، أمّا في نظيرتها من أحياء العاصمة المرفهة، فالأسعار تتراوح بين 500 و1000 جنيه، بحسب حجم العمل المطلوب. أمّا تزيين العروس فسعره مختلف ويتراوح في الأحياء الأولى بين 1500 و3000 في حين يبلغ في الجهة الثانية بين 5000 و10000 جنيه سوداني.

هذا الارتفاع في الأسعار قياساً على الدخول حوّل التزين بالحناء في أوساط الطبقات المخملية إلى وسيلة جديدة للتباهي والظهور الاجتماعي، حيث تتعمد النساء من تلك الطبقة إظهار التزيُّن عند الكوافيرة أو الحنانة المشهورة بأجورها المرتفعة طلباً للظهور بين قريناتها.

كما أدت هذه التغييرات إلى وجود نجمات في هذا المجال يتميزن بالمهارة والحس الفني العالي، ومثل هؤلاء يتم الاتفاق معهن بمقابل مادي كبير، وكذلك عمدت بعض الحنانات إلى الدعاية لأنفسهن على وسائل التواصل الاجتماعي أو الإعلانات في الشوارع، فهذه المهنة أصبحت محل جذب لكثيرات نسبةً لأرباحِها الكبيرة.

توضّح تقوى ذلك قائلة: "ليست العاطلة عن العمل هي من تفكر في خوض مضمار هذا العمل بل حتى الموظفات والخريجات الجامعيات، ففي حين أن راتب الموظفة قد يتراوح شهرياً بين 3000 و5000 فإن ما تجنيه الحنّانة في مناسبة واحدة قد يبلغ 15000 إلى 20000 جنيه"، ولذا فمن الطبيعي أن يتصاعد الإقبال على تعلم هذا الفنّ حتى افتتحت الدورات المتخصصة لتعليمه في المراكز والمعاهد.

مراكز لتعليم النقش

تؤكد إسراء معلمة النقش بالحناء ذلك قائلة: "كنت أدرّس كل يوم مجموعتين من الطالبات، كل مجموعة تتكون من 10 تلميذات"، وفي دلالة على الانتشار تقول إسراء لـTRT عربي إن الأكاديمية العالمية للمرأة الطموحة التي كانت تعمل بها، على سبيل المثال، كان لديها 3 فروع في الخرطوم تدرِّس فيها مجموعة من المعلمات 6 أيام في الأسبوع.

الارتفاع في أسعار النقش حوّل التزين بالحناء في أوساط الطبقات المخملية إلى وسيلة جديدة للتباهي والظهور الاجتماعي
الارتفاع في أسعار النقش حوّل التزين بالحناء في أوساط الطبقات المخملية إلى وسيلة جديدة للتباهي والظهور الاجتماعي (Getty Images)

وبسؤالها عن بدء انتشار هذا النوع من الدورات، تؤكد المتحدّثةُ نفسها أنها لا تدري ذلك على وجه الدقة لكن يبدو أنه حديث العهد نسبياً فقد تخرجت في نفس الأكاديمية عام 2014 وكانت من خريجات الدفعة الـ35، مضيفة: "رغم أن هذه الدورات ليست مجانية فقد كان عدد الطالبات كبيراً، ولم يكن من الخرطوم فقط، بل كان ثمة طالبات يأتين من أقاليم السودان المختلفة، يتعلّمن ثم يعُدن إلى مُدُنهنّ".

وتتابع إسراء: "بل إن بعض الطالبات كنّ يأتين من خارج السودان من دول الخليج العربي وغيرها، لندرة وجود الحنانات هناك، أو لغلاء أسعارهنّ، فمنهن من ترغب في تعلمها لأغراض شخصية وأخريات يطمحن إلى التكسب من خلالها".

وتوضّح إسراء أن أعمار الطالبات كانت متفاوتة. "مِن هؤلاء الطالبات مَن أتت رغبة في إشباع هوايتها لكنّ أغلب الطالبات كن معلمات وخريجات وأمهات يجدن في هذا الفن فرصة للعمل أو لزيادة الدخل".

ووفقاً لبيانات البنك الدولي فإن البطالة أكثرُ تفشياً بين النساء منها بين الرجال في السودان، فمعدّل مشاركة الذكور في القوى العاملة في السودان عام 2018 بلغ (69.8%) وهو ما يزيد بثلاث مرات عن الإناث (23.5%)، فضلاً عن ذلك قُدِّر إجمالي معدل البطالة 13.4% في نفس العام وسجّل معدل بطالة الإناث 19.3% مقارنة بـ11.3% للرجال. وبلغ معدل البطالة في صفوف فئة الشباب 22.1% في العام المذكور، مع تركّز العبء الأكبر على الشابات، حيث سجل معدل بطالة الشابّات (31.6%) مقارنة بـ(18.5%) للشباب.

وكان السودان قد تعرض لصدمة اقتصادية كبرى مع انفصال جنوب السودان في 2011 آخذاً معه ثلاثة أرباع إنتاج البلاد من النفط ونصف إيراداتها العامة، ويبدو أن التأثيرات السلبية لهذه التغييرات الهيكلية تجلت في معدلات البطالة المرتفعة المذكورة، وهو ما دفع السودانيات إلى زيادة الطلب على مهنٍ كانت تٌعتَبر هامشية قياساً بالوظائف المكتبية، ممّا أدى إلى تطوير أدواتها كمّاً ونوعاً وانتقالها إلى عالم البيزنس النسائي.

المصدر: TRT عربي