نتساءل جميعاً عن الأسباب التي جعلت معظم الناس في العالم يسعَون إلى اقتناء كمياتٍ كبيرة من المواد الغذائية وتخزينها في البيت، بعد الانتشار المهول لفيروس كورونا المستجدّ. تعرّف على أسباب هذا الهلع.

الكثير من نشرات الأخبار والصورة المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي أرتنا رفوفاً ومحلاتٍ خالية من كلّ شيء. بعض محلات "سوبر ماركت" بيعت بشكلٍ كاملٍ في أمريكا وكندا وبعض دول أوروبا. وما هو غريبٌ في الموضوع، أنّ الأرفف الفارغة ليست فقط في المناطق التي انتشر فيها المرض بسرعة، ولكنْ في أماكن كثيرة لم تكن قد تأثرت به بعد.

وبعيدًا عن الميمات والنكات المتناقلة في صفحات تويتر وحسابات إنستغرام حول حالة التسوق الهلعة هذه، يجب علينا أنْ نفهم بوعيٍ هذه السلوكيات والأسباب التي تختبئ وراءها حتى نستطيع الخروج من الأزمة الحالية بأقلّ الخسائر الممكنة.

التهافت على ورق الحمّام.. الخوف من المجهول

ربّما نتساءل جميعنا عن السبب الذي يدفع هؤلاء الأشخاص للسعي وراء ورق المرحاض في حين أنّه لا يُعتبر عنصراً أساسياً في مواجهة الفيروس وأعراضه وخطورته بأيّ شكلٍ من الأشكال، مقارنةً بغيره من الأشياء مثل الطعام اللازم للحجر الصحي أو مخفّضات الحرارة أو الصابون على سبيل المثال.

الناس يميلون إلى التطرّف والإفراط ليس في حالات الخطر وحسب، بل في حال اللا يقين وتضارب المعلومات من حولهم
الناس يميلون إلى التطرّف والإفراط ليس في حالات الخطر وحسب، بل في حال اللا يقين وتضارب المعلومات من حولهم (Reuters)

توجد عدة أسباب قد يمكنها تفسير ذلك. ربّما أولها أنّ الناس يميلون إلى التطرّف والإفراط ليس في حالات الخطر وحسب، بل في حال اللا يقين وتضارب المعلومات من حولهم. أكثر ما هو مخيفٌ فيما يتعلّق بفيروس كورونا هو أنّه لا يزال جديداً وتوجد الكثير من الحقائق غير المعروفة أو المتضاربة عنه. وعندما يسمع بعض الأشخاص رسائل متضاربة حول الخطر الذي يهدّدهم وحول مدى جدية الاستعداد له، فإنّهم قد يميلون إلى اللجوء إلى سلوكٍ متطرّف غير عقلاني وغير منطقيّ البتة، مثل شراء ورق المرحاض.

وبكلماتٍ أخرى، يمكننا القول إنّ الخوف من المجهول واللا يقين المنتشرَين أوقات الأزمات يجعلان الناس يعتقدون أنّ الاستجابة يجب أنْ تعادل جسامة الحدث وخطورته، أي أنّهم يبدأون بالتفكير في شراء كميات تفوق احتياجاتهم من أيّ سلعةٍ قد يجدونها أمامهم.

ما يعني أنّ الغموض الذي يكتنف آثار تفشّي فيروس كورونا يدفع الناس للإفراط في الإنفاق والاستهلاك محاولين عن طريق ذلك بذل كلّ ما في وسعهم لتهدئة مخاوفهم والتخفيف من قلقهم، حتى لو كان ذلك الانتظار في طوابير لساعاتٍ عديدة أو الدخول في شجارٍ بالأيدي أو الكلمات مع مستهلكٍ آخر، كما أرتنا الفيديوهات المنتشرة على وسائل التواصل.

إنفاق المال.. أملٌ كاذب لاستعادة السيطرة

وفي حين أنّ رد الفعل الأمثل وكما تصرّ العديد من الحكومات والجهات الطبية، هو البقاء في المنزل قدر الإمكان وتجنّب التجمّعات وغسل اليدين والحفاظ على النظافة قبل كلّ شيء. فمن جهةٍ ثانية، لا تتناسب هذه الخطوات مع حجم الظرف بالنسبة إلى الكثيرين من الناس، إذ يعتقدون أنّ غسل اليدين هو إجراء بسيط وعاديّ لا يليق بمدى الخطر ولا جسامة الكارثة الحاصلة. ولهذا يفضّلون إنفاق المال على شراء سلع يأملون أنْ تحميهم من المرض.

ورق المرحاض يحمل معانيَ رمزية حمّلته إياها المجتمعات الحديثة، مثل النظافة والراحة اللتين توفّرهما هذه السلعة لنا في حال وجودها في البيت
ورق المرحاض يحمل معانيَ رمزية حمّلته إياها المجتمعات الحديثة، مثل النظافة والراحة اللتين توفّرهما هذه السلعة لنا في حال وجودها في البيت (Reuters)

في حديثها مع TRT عربي، تقول الباحثة في مجال الأنثروبيولوجيا خولة تيسير بأنّ ورق المرحاض يحمل معانيَ رمزية حمّلته إياها المجتمعات الحديثة، مثل النظافة والراحة اللتين توفّرهما هذه السلعة لنا في حال وجودها في البيت وإمكانية الحصول عليها في أيّ وقتٍ. بالإضافة إلى ذلك، تُشير الباحثة إلى أنّ التسوّق المذعور بخاصة ورق المرحاض قد يمدّ الناس بنوعٍ من الأمان السياسي والنفسي اللذين يبحثان عنهما وسط هذه الظروف الحرجة.

وتضيف أنّ هذا التسوّق يهدف أيضاً إلى إضفاء شعورٍ بما يمكن أنْ نسمّيه "استعادة السيطرة" على عالمٍ يشعر أفرادُه أنّه خرج عن سيطرتهم وسيطرة حكوماتهم. وبالتالي، تصبح السلع وسيلتهم لتحقيق قدرٍ من الاستقلالية وشعورٍ بالسيطرة على صحتهم وحياتهم.

من ناحيةٍ ثانية، يوجد سبب آخر مهم لا ينبغي إغفاله، وهو العدوى الاجتماعية التي تنتشر أسرع من الفيروس نفسه. ففي كثير من الأحيان ومن منظور علم النفس الاجتماعي والتطورّي، فحين لا يعرف الأفراد كيف يتفاعلون مع شيءٍ ما أو كيف يتصرّفون في موقفٍ معيّن، فإنّهم غالباً ما يتطلّعون إلى الآخرين من أجل الحصول على التوجيه والإرشاد.

أي أنّ عقلية القطيع تلعب دوراً في دفع الناس للشراء والتوجّه إلى مراكز التسوّق عندما يرون غيرهم، سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو في نشرات الأخبار أو في أحيائهم ومناطق سكنهم، يتهافتون على المتاجر والمحلّات، لا سيّما مع انتشار الشائعات والأخبار التي تبالغ في الحديث عن ندرة السلع والتي تدفع الناس للتنافس على شرائها مهما كانت حاجتهم الفعلية إليها.

عامل آخر قد يدفعنا للتهافت على الشراء وهو الخوف من تضييع الفرص، فقد يعترينا القلق ويتلبّسنا الخوف إذا اعتقدنا أنّنا ضيّعنا فرصة شراء سلعةٍ أو منتجٍ ما
عامل آخر قد يدفعنا للتهافت على الشراء وهو الخوف من تضييع الفرص، فقد يعترينا القلق ويتلبّسنا الخوف إذا اعتقدنا أنّنا ضيّعنا فرصة شراء سلعةٍ أو منتجٍ ما (Reuters)

الخوف من تضييع الفرص

كما يُمكننا الإشارة إلى عاملٍ آخر قد يدفعنا للتهافت على الشراء وهو الخوف من تضييع الفرص، فقد يعترينا القلق ويتلبّسنا الخوف إذا اعتقدنا أنّنا ضيّعنا فرصة شراء سلعةٍ أو منتجٍ ما. تخبرنا "نظرية الندرة" أو "The scarcity effect" أننا إذا اعتقدنا وجود ما هو نادرٌ أمامنا أو متاحٌ لفترة قصيرة من الزمن فقط، فإنّ عقلنا سيعطيه وزناً وحجماً أكبر وتقديراً أعظم ممّا يملكه في الواقع، لذا قد نعتقد أنّ علينا استغلال وجوده قبل اختفائه من السوق.

لكنّ التسوّق المصحوب بالهلع والخوف قد يجلب عواقب عديدة، منها زيادة الأسعار ونقص السلع التي يمكن للآخرين أنْ يحتاجوها، مثل الكمامات التي يحتاجها عمال الرعاية الصحية. والقاعدة بسيطة وواضحة للغاية: يؤدّي تخزين السلع إلى مضاعفة وارتفاع حاد في أسعارها. وحين تتضاعف أسعارها يبدأ المستهلكون بالشعور الزائف أنها ستنقص وتنفد، وهذا بدوره يزيد من مشاعر القلق والخوف ويؤجّج حدّتها وخطورتها.

فعلى سبيل المثال، تصدّر هاشتاغ #15TL على تويتر بعدما أعلنت الحكومة التركية عن أول حالة إصابة بالفيروس في الدولة، مشيراً إلى الزيادة الهائلة في أسعار الكثير من المنتجات والسلع، منها المعكرونة التي كان سعرها في بعض المحلّات يبلغ 3 ليراتٍ تركية وأصبح فجأة 15 ليرة، بالإضافة إلى غيرها من المنتجات مثل الكولونيا والكمّامات وغيرها من المنتجات.

لذلك، كلّ ما نحتاج إليه في هذه المرحلة هو التريّث والتفكير العقلاني من دون أنْ نقع ضحايا للذعر والهلع اللذين يحدّان من قدراتنا المعرفية والإدراكية في التفكير واتخاذ القرارات اللازمة للتعامل مع الحدث بشكلٍ منطقيّ يحمينا من خطورته من دون أنْ يزيد مخاوفنا ويؤجّج قلقنا ويُعوق عملنا بشكلٍ جماعيّ في مواجهته والخروج منه بأقلّ الخسائر الممكنة ولو بعد أشهر.

المصدر: TRT عربي