أتراك اليونان.. انتهاكات مستمرة وحرمان من الحقوق الأساسية (AA)

بعد انتصار الأتراك في حرب التحرير والاستقلال التركية ضد قوى الاستعمار الغربي بين عامَي 1919 و1923، وما تبعها من تأسيس للجمهورية التركية الحديثة وفق معاهدة لوزان في 29 أكتوبر/تشرين الأول 1923، انسحبت اليونان على أثرها من إقليم تراقيا التركي بعد خسارتها الحرب أمام قوى المقاومة التركية في سقاريا ثم إزمير، ووُقّعت اتفاقية التبادل السكاني بين تركيا واليونان في 30 يناير/كانون الثاني 1923، التي استُثني منها أبناء الأقلية التركية في تراقيا الغربية شمال شرقي اليونان.

وحسب الإحصائيات، يسكن قرابة 150 ألف شخص من الأقلية التركية المسلمة المناطق الممتدة بين نهر مرج إيفروس الذي يفصل بين حدود البلدين، حتى مدينة قوله ونهر قره صو في إقليم تراقيا اليوناني، بالإضافة إلى نحو 6 آلاف آخرين يعيشون في جزيرتَي رودس وكوس، يجادلون جميعاً من أجل الحصول على حقوقهم الاجتماعية والحقوقية أسوةً باليونانيين.

ومنذ توقيع اتفاقية التبادل السكاني قبل أكثر من 97 عاماً، ما زالت الأقلية التركية المسلمة التي تسكن إقليم تراقيا الغربي تعاني مشكلات متنوعة وانتهاكات مستمرة وحرماناً من أقل الحقوق الإنسانية، بدءاً من استثنائهم من اتفاقية التبادل السكاني، مروراً بالانتهاكات الشديدة للحقوق الأساسية إبان فترة حكم العسكر لليونان ابتداءً من عام 1967 حتى سقوطهم في أعقاب "عملية السلام" التركية في جزيرة قبرص عام 1974، وصولاً إلى الأزمة الحالية المتمثلة برفض الحكومة اليونانية الاعتراف بهويتهم العرقية، فضلاً عن التدخل في شؤونهم الدينية والتعليمية.

أزمة الهوية التركية

تُعَدّ مشكلة إنكار الهوية العرقية للأقلية التركية التي تقطن إقليم تراقيا الغربي إحدى أهمّ المشكلات التي يواجهها المسلمون الأتراك في اليونان، فعلى مدار العقود المنصرمة أصرّت الحكومات اليونانية المتعاقبة، على رفض وصف الأقلية حسب العرق كـ"أقلية تركية"، واكتفت بوصفهم حسب التصنيف الديني فقط كـ"أقلية مسلمة".

يُذكر أن حدة الانتهاكات للهوية العرقية التركية المستمرة حتى يومنا الحالي، ترجع أصولها إلى مجيء المجلس العسكري (الطغمة العسكرية اليونانية) إلى سدة الحكم في اليونان عام 1967، إذ بدأ يُشار إلى الأقلية في تراقيا الغربية كـ"أقلية مسلمة"، على عكس الإشارة إليها من قبل كـ"أقلية تركية" في خمسينيات القرن الماضي عندما كانت العلاقات التركية-اليونانية في أحسن حالاتها.

ومنذ ثمانينيات القرن الماضي تحظر اليونان جميع الجمعيات التركية التي تضم في أسمائها كلمة "تركية"، وترفض الامتثال لقرارات محكمة حقوق الإنسان الأوروبية التي صدرت ضد اليونان في هذا الخصوص عام 2008. وفي هذا الصدد قال أحمد مته، مفتي مدينة اسكتجه (كسانثي) اليونانية بمقاطعة مقدونيا الشرقية وتراقيا، في حديث للأناضول: "تسعى اليونان لإنكار وجود هُويتنا القومية والدينية من أجل يَوْنَنة المنطقة. هُويتنا التركية الإسلامية غير معترَف بها، وجمعياتنا مُغلَقة بقرار من المحكمة لأن أسماءها تتضمن كلمات تركية".

وفي رسالة أصدرتها وزارة الخارجية التركية بمناسبة "يوم المقاومة الوطنية والتضامن" في تراقيا الغربية الموافق 29 يناير/كانون الثاني من كل عام، أشارت إلى أن أتراك تراقيا الغربية في اليونان يناضلون منذ أكثر من 30 عاماً للاعتراف بهويتهم التركية، وأضافت: "سنقف على الدوام إلى جانب أبناء جلدتنا في نضالهم العادل". وفي منتصف أبريل/نيسان الماضي خلال مؤتمر صحفي عاصف مع نظيره اليوناني، قال وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو: "أنتم لا تسمحون للأقلية التركية بأن تطلق على نفسها تسمية تركية، أنتم تسمّونهم مسلمين، إذا كانوا يعتبرون أنفسهم أتراكاً فهم أتراك، عليكم أن تعترفوا بذلك".

أزمة المفتين

ضمنت معاهدة أثينا الموقَّعة بين اليونان والإمبراطورية العثمانية عام 1913، والتي أدخلتها اليونان حيز التنفيذ منذ عام 1920، عدم التدخُّل في الشؤون الدينية للأقلية الترقية، بالإضافة إلى ضمان حرية اختيار الجالية المسلمة (ذات الأغلبية التركية) في اليونان للمفتين، إلا أنه منذ عام 1991 ألغت اليونان العمل بالاتفاقية بشكل ينتهك القانون الدولي، وبدأت بنفسها بشكل غير قانوني تعيّن المفتين.

وردّاً على المحاولات اليونانية لإثارة المشكلات داخل دار الإفتاء التركية في إقليم تراقيا الغربي وإفراغها من محتواها ومضمونها، رفض غالبية الأتراك المسلمين الاعتراف بالمفتين الذين عيّنتهم اليونان، وبدؤوا انتخاب مفتيهم الخاصين، الأمر الذي لم تقابله اليونان بالرفض فقط، بل تجاوزته إلى حد محاكمة المفتين المنتخَبين وتعريضهم لمجموعة من العقوبات التعسفية.

وفي منصف يونيو/حزيران الماضي، أصدرت محكمة يونانية حكماً بالسجن لمدة 15 شهراً بحقّ أحمد مته، مفتي مدينة إسكتشا في منطقة تراقيا الغربية شمال شرقي البلاد، بسبب خطاب ألقاه في مؤتمر لحزب "الصداقة والمساواة والسلام" عام 2016. وفي أثناء حديثه لوكالة الأناضول عن التدخلات اليونانية بالشؤون الدينية للأقلية المسلمة، قال مته: "حرمت الدولة اليونانية دار الإفتاء من حقها في ترميم وتجديد المساجد، كما عمدت إلى إجبار الأئمة على رفع الأذان بصوت منخفض، وفرض بعض الشخصيات غير المنتخَبة على المؤسسات التابعة لدار الإفتاء".

وانتهاكاً للمواثيق والمعاهدات التي اتفق عليها البلدان، ورغم أن المادة 40 من معاهدة لوزان تنصّ على أنه ينبغي أن تنتخب المفتين الأقلية المسلمة، وفي الوقت الذي تتمتع فيه الأقلية اليونانية في تركيا بكامل الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقيات بين البلدين، فإن اليونان تُصِرّ على سلخ الهوية الدينية والعرقية عن الأقلية التركية التي تعيش فوق أراضيها، ولا تكفّ عن سياساتها التعسفية بحقهم.

أزمات أخرى

تُعَدّ أزمة التعليم من أبرز الأزمات التي تعاني منها الأقلية التركية في اليونان، فعلى الرغم من توقيع اتفاقية للتعليم بين تركيا واليونان عام 1951، فإن الأتراك في تراقيا الغربية وبعض الجزر الرئيسية يواجهون مشكلات مفتعَلة من الحكومة اليونانية، تجعل محاولاتهم لترميم المدارس الحالية وفتح مدارس وحضانات أطفال تدرّس باللغتين التركية واليونانية أمراً صعباً للغاية، فضلاً عن إغلاق الحكومة اليونانية عديداً من المدارس التركية في السنوات الأخيرة بحجة انخفاض معدل التسجيل.

وإلى جانب التعليم، تواجه الأقلية التركية أزمة خطيرة أخرى، تتمثل في سلب الحكومة اليونانية حق التمثيل الديمقراطي للأتراك اليونانيين، فمن أجل منع انتخاب نواب مستقلين من الأقلية التركية، حددت اليونان عام 1993 العتبة الانتخابية لدخول البرلمان اليوناني بنسبة 3%، سواء للأحزاب السياسية أو المرشحين المستقلين، وذلك لإجبار المرشحين الأتراك على دخول الأحزاب السياسية اليونانية الرئيسية الأخرى.

وعلاوة على ذلك، وبشكل سافر ينتهك الحقوق الإنسانية، حُرم نحو 60 ألفاً من أتراك تراقيا الغربية وبعض أتراك الجزر اليونانية من جنسيتهم اليونانية، بموجب المادة 19 من قانون المواطنة اليونانية الذي سُنّ عام 1955، فضلاً عن عدم السماح ببناء مساجد في المدن اليونانية الرئيسة، رغم عيش مئات الآلاف من المسلمين فيهما، ورغم مطالبتهم المتكررة بوجود مساجد للمسلمين هناك.

TRT عربي
الأكثر تداولاً