وقَّع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مرسوما رئاسيا بحظر بيع واستئجار العقارات والسيارات بأي عملة أخرى غير الليرة التركية، بعد أن فقدت العملة أكثر من 37% من قيمتها مقابل الدولار الأميركي منذ بداية عام 2018.

البناءات والمشاريع الضخمة  ضاعفت من الاستثمار بالعملة الأجنبية في تركيا
البناءات والمشاريع الضخمة  ضاعفت من الاستثمار بالعملة الأجنبية في تركيا (Reuters Archive)

إذا قمت بنزهة في البازار الكبير الشهير في إسطنبول أو أي من مراكز التسوق متعددة الطوابق التي بُنيت في المدينة في العقد الماضي، ثمة احتمال كبير أن يصادفك تاجر ساخط.

كان تراجع قيمة الليرة التركية أمراً مؤلماً بالنسبة للتجار؛ إذ فقدت العملة أكثر من 37% من قيمتها مقابل الدولار الأميركي منذ بداية عام 2018.

يدفع عدد كبير من التجار إيجارات متاجرهم على أساس قيمة الدولار الأميركي، وفي كل مرة ترتفع فيها قيمة الدولار على حساب الليرة، يتحوَّط أصحاب الاعمال التجارية من تبعات ذلك إما باللجوء إلى شراء عملة أجنبية من تاجر عملة أو بدفع المزيد من الأموال بالليرة التركية لمالكي المتاجر في بداية الشهر.

لكنّ الحكومة التركية تدخلت في 13 سبتمبر/أيلول الجاري لإثناء التجار عن فعل ذلك.

وقَّع الرئيس رجب طيب أردوغان مرسوماً رئاسياً بحظر بيع واستئجار العقارات والسيارات بأي عملة أخرى غير الليرة التركية.

ومُنحت الشركات مهلة مدتها شهر لإعادة التفاوض على العقود القائمة المُوقعة بالعملات الأجنبية وتحويلها إلى الليرة التركية.

وقال آدم ديشلي، البائع الذي يبلغ من العمر 44 عاماً في متجر للبصريات في مركز كارفور للتسوق، لشبكة TRT : "إنَّها خطوة جيدة".

وأضاف: "منذ سنوات ونحن نطالب باتخاذ هذه الخطوة؛ إذ لم يكن تجار التجزئة سعداء بدفع إيجارات مقترنة بالدولار واليورو".

وأضاف: "لكننا بحاجة لمعرفة كيف سيجري تطبيق ذلك".

جاء القرار قبل ساعات من إعلان البنك المركزي التركي عن تحديد سعر الفائدة الرئيسي الخاص به بنسبة 24%، ما يعني زيادةً تصل إلى 6.25%.

لم يُحدِّد مرسوم أردوغان، الذي جاء كتعديل لقانون يُسمى (القانون 32)، سعر الصرف الذي سيُستخدم لإعادة التفاوض على الصفقات الحالية.

أحد البازارات الشعبية في اسطنبول 
أحد البازارات الشعبية في اسطنبول  (Others)

وقال وزير الخزانة والمالية التركي، براءت ألبيرق، في شهر أغسطس/آب الماضي إنَّ تلك الخطوة كانت ضرورية "لتجاوز مشكلة الدولرة".

ومن جانبه، يقول الخبير المالي إمري ألكين إنَّ دفع الإيجارات وتحديد الأسعار بالدولار في المعاملات التجارية المحلية أصبح منتشراً على نطاق واسع في السنوات الأخيرة.

وأضاف: "هذا منطقي إذا كانت تكاليف مدخلاتك مُقومة بالعملة الأجنبية. لكن ما نراه الآن هو أنَّ الناس يُؤجِّرون شققهم بالدولار على الرغم من أنَّهم لم يتكبدوا أي تكاليف بالدولار أو اليورو".

كيف بدأ كل ذلك؟

عزَّزت الطفرة الاقتصادية التي شهدتها تركيا بعد عام 2001 قيمة الليرة.

وكانت أسعار الفائدة على الدين بالعملة الأجنبية أقل مقارنةً بما عرضته البنوك التركية.

وقال إلكين: "سعر الصرف كان مستقراً. وعلى الرغم من أنَّنا شهدنا تخفيضات فعلية في قيمة العملة من وقتٍ لآخر، مثلما حدث عندما انخفضت الليرة من 1.5 ليرة مقابل الدولار الواحد إلى 3 ليرات مقابل الدولار، كان من السهل على الشركات تعديل إيراداتها وكانت هوامش ربحها عالية مع استمرار تحقيق أرباح".

تغير ذلك بانخفاض حاد في قيمة الليرة هذا العام. ووفقاً لألكين، بدأت الشركات ومالكي العقارات يواجهون صعوبة في زيادة أسعار الإيجارات والسلع والخدمات المقدَّمة بما يتناسب مع نسبة انخفاض الليرة.

اقترض قطاع الشركات التركي بكثافة بالعملة الأجنبية، مما جعل نسبة دين القطاع الخاص إلى الناتج المحلي الإجمالي واحدة من أعلى النسب بين الأسواق الناشئة.

ووفقاً لبيانات البنك المركزي، يبلغ إجمالي الديون الأجنبية للشركات التركية 337 مليار دولار.

يقول ألكين إنَّ الشركات التي لا "تكسب سنتاً واحداً بالعملة الأجنبية" قد راكمت ديوناً تبلغ قيمتها على الأقل 180 مليار دولار. وتلك الشركات لا تملك أرباحاً من التصدير ولا عائدات بالعملة الأجنبية ومع ذلك قررت الاقتراض بالدولار او اليورو".

وأضاف: "يجب عليها الآن دفع الثمن".

البازار الكبير في مدينة إسطنبول 
البازار الكبير في مدينة إسطنبول  (Others)

ويوضح ألكين أنَّ المشكلة مستشرية بشكل خاص في قطاعي صناعة الإنشاءات والضيافة، حيث تعمل الشركات المُثقلة بالديون المُقومة بالعملة الأجنبية على زيادة الضغوط المالية على العملاء.

اتَّخذ البنك المركزي خطوات للحد من المخاطر المالية للشركات التركية أثناء سعيها إلى الحصول على قروض من البنوك الأجنبية في مايو/ أيَّار من العام الجاري، أو للحصول على قروض مرتبطة بالعملات الأجنبية.

انقسام وجهات النظر

غير أنَّ بعض الشركات أثارت مخاوف بشأن هذا الإجراء.

وقال خلوصي بيلجو، رئيس جمعية مستثمري مراكز التسوق التركية، في بيان إنَّ أعضاء الجمعية يرجئون ديناً بقيمة 15 مليار دولار وأن 70% من عقود الإيجار تُسعَّر بالعملة الأجنبية.

لم يذكر البيان مقدار المبلغ المُقوم بالدولار الأمريكي أو باليورو من إجمالي الدين.

إنَّ أعضاء الجمعية يرجئون ديناً بقيمة 15 مليار دولار وأن 70% من عقود الإيجار تُسعَّر بالعملة الأجنبية

خلوصي بيلجو رئيس جمعية مستثمري مراكز التسوق التركية

وقال بيلجو إنَّ هذا الإجراء سيؤدي إلى فجوة مالية، ويتوقع الاتحاد أن تنشئ الحكومة صندوقاً خاصاً يمكن أن يساعد مالكي مراكز التسوق على تجاوز الخسائر.

من ناحية أخرى، خرجت رابطة سلاسل البيع بالتجزئة الكبيرة في تركيا مثل Media Market بدعم لقرار الحكومة.

ويقول ألب أوندر، الرئيس التنفيذي لشركة Koctas ونائب رئيس رابطة مستثمري سلاسل المتاجر، إنَّه ما من شك في أهمية التخلص من "دولرة" الاقتصاد في تركيا.

وأوضح في رد عبر البريد الإلكتروني إلى شبكة TRT  إنَّ نسبة كبيرة من أعضاء الرابطة يدفعون الإيجار بالعملة الأجنبية.

وأكد أنَّ المشكلة الأكبر هي أنَّ انخفاض قيمة الليرة، العملة التي يستخدمها التجار لبيع منتجاتهم، كان أسرع من المعدل الذي يمكن أن تزيد به المتاجر أسعار سلعها.

وقال: "ارتفع سعر الصرف بنسبة 50 % منذ بداية العام. حتى العلامات التجارية الأعلى أداءاً في الأسواق لم تتمكن من زيادة إيراداتها سوى بنسبة 10 إلى 30% فقط ".

وأضاف: "يبين النظر إلى هذه الأرقام وحدها أنَّ مثل هذه الزيادة الكبيرة في الإيجار لا يمكن أن يتحملها تجار التجزئة".

عمارات وبناءات عملاقة في مدينة اسطنبول 
عمارات وبناءات عملاقة في مدينة اسطنبول  (Reuters Archive)

وقد أعطى القرار الحكومي للمالكين والمستأجرين مهلة مدتها شهر للتفاوض حول العقود القائمة ومراجعتها لتصبح بالليرة التركية.

وأشار أوندر إلى إنَّه من المهم أن تدرك الأطراف المعنية أنَّ سعر الصرف الحالي مرتفع للغاية.

وأضاف: "يجب ألا يأخذ المستأجر في الاعتبار سعر الصرف الحالي الاستثنائي، بل على الأقل السعر الذي كان سائداً في الربع الأول من العام الجاري. هذا لضمان الوصول إلى صفقة عادلة وقابلة للاستمرار".

وستجد الشركات المعرضة لمخاطر الدين بالعملة الأجنبية صعوبة في سداد أقساط ديونها بمجرد تحويل العقود إلى الليرة التركية.

وفي هذ الصدد، يقول إمري ألكين إنَّه لا توجد طريقة أخرى للحد من الاستخدام المفرط للعملة الأجنبية في المعاملات اليومية.

وأضاف: "نعم، سوف تنخفض أرباح بعض الشركات. لكن هل ثمة طريقة أخرى لحل هذه المشكلة؟ نحن بحاجة إلى عملية جراحية والعمليات الجراحية مؤلمة. لا يمكننا فقط تنقيح المشكلة".

المصدر: TRT عربي