بعد أن استمر الحصار والقصف الصاروخي العنيف أكثر من شهرين، وباءت كل المفاوضات وعروض التسوية بالفشل، يتساءل كثيرون عن غياب دور الجارة الأردنية في مأساة أهالي درعا السورية.

بدأ الخناق يضيق ويشتد على أهالي مدينة درعا، بعد أن طوقتها قوات النظام السوري بمساعدة حلفائه، وشنت عليها هجوماً صاروخياً عنيفاً. وفي الأثناء حاولت روسيا الداعمة للنظام التدخل ورعاية المفاوضات لإيجاد حل للأزمة المتصاعدة في درعا البلد منذ 25 يونيو/حزيران الماضي.

إلا أن جولة المفاوضات باءت بالفشل، حيث أصر النظام السوري على دخول أحياء المدينة وتسليم الأهالي جميع الأسلحة الخفيفة، مدعياً في ذلك أن هذه الشروط كانت ضمن بنود اتفاق منتصف عام 2018.

ومع انهيار المفاوضات بتعنت النظام السوري، والوصول إلى طريق مسدود، بدأت في الأثناء عناصر الفرقة الرابعة التابعة لقوات النظام السوري والمليشيات الإيرانية في التقدم إلى درعا من ثلاثة محاور.

وبينما تسود حالة الترقب عما ستؤول إليه الأمور بعد ذلك، ناشد أهالي مدينة درعا ملك الأردن للتدخل لوقف مأساتهم، وفتح الحدود أمام المهجرين.

هل يتدخل الأردن؟

بعد أن عاد الوضع في درعا البلد إلى المربع الأول منذ إبرام اتفاقية التسوية عام 2018 بمعية روسية، دعا سياسيون وناشطون أردنيون الملك للنظر بعين الخشية والاهتمام والتحرك، حتى لا تشكل المليشيات الإيرانية الموجودة على الحدود السورية الأردنية خطراً وتهديداً لأمن المملكة.

وناشد أهالي المدينة المحاصرة بدورهم ملك الأردن عبد الله الثاني، للتدخل لوقف عمليات التهجير والقتل الوحشي، وطلبوا منه فتح الحدود لتأمين وصولهم إلى الأردن.

وبينما لم يصدر موقف رسمي عن المملكة الهاشمية، والتزمت الصمت إلى حدود هذه اللحظة، يتساءل كثيرون عن الدوافع الحقيقية الكامنة وراء موقفها، فيما يرجح محللون أنه ربما يكون ذلك بوادر اتفاق إيراني أردني.

من جانبه أصدر الائتلاف الوطني السوري المعارض بياناً أدان فيه الصمت الدولي تجاه ما يجري في درعا، وحذر من وصول المليشيات الإيرانية إلى الحدود الأردنية. وقال "أصبح الخطر الإيراني الذي حذّرنا منه ومن تداعياته وزحفه السرطاني مراراً وتكراراً؛ واقعاً ماثلاً أمام الجميع، وها هي مليشيات النظام الإيراني اليوم تقف على تخوم دولة عربية جديدة، ونرجو ألا يكون ثمن ذلك باهظاً، وأن تتحرك الدول العربية وتستبين الخطر قبل وقوع المزيد من الخسائر".


وفي هذا السياق، قال عباس شريفة الباحث السوري في مركز جسور للدراسات في تصريح خاص لTRT عربي : "في الحقيقة لا تملك الأردن الإمكانيات لأن تتحرك وتمنع المليشيات الإيرانية من الدخول إلى الجنوب السوري، بخاصة في ظل تخلي القوى العالمية عن حماية الجنوب. "

وأضاف شريفة قائلاً: "إضافة إلى حدود الإمكانيات الأردنية، هناك مجموعة من المصالح الاقتصادية، أدت إلى تحول الموقف الأردني من موقف ممانع إلى موقف ساكت. " على حد تعبيره.

وفي معرض سؤاله عن هذه المصالح، أجاب عباس شريفة قائلاً بأنها تتمثل أساساً في: "فتح الخط التجاري بين العراق والأردن، ولعل أهم مؤشر على ذلك، الزيارة التي أجراها رئيس مجلس النواب الأردني إلى قيس الخزعلي زعيم إحدى المليشيات العراقية التابعة لإيران، وذلك من أجل التفاهم على فتح هذا المعبر التجاري الذي لطالما كانت إيران تعطله.

إضافة إلى أن عمان ترغب في مد خط الغاز المصري عبر الأردن وسوريا وصولاً إلى لبنان للاستفادة من عائدات هذا الخط. ومن أجل الموافقة على مد أنبوب الغاز، اشترط النظام السوري سيطرته على مدينة درعا."

وبغض الطرف عن الموقف الذي ستتخذه الأردن، فإنها في كل الحالات ستتأثر بما تشهده جارتها الشمالية من توترات، تهدد أمنه الحدودي وتقوض مصالحه الاقتصادية. كما أن عمان لا تخفي في الوقت ذاته أن يؤول التصعيد، إلى توافد عدد كبير من اللاجئين.

درعا مهد الثورة السورية

منذ أن خرج أهالي مدينة درعا إلى الشوارع في منتصف مارس/آذار 2011 ضد نظام الحكم الاستبدادي في سوريا، منادين بالحرية والعدالة، في مظاهرات حاشدة قوبلت حينها بالحديد والنار، باتت درعا البلد تلقب بمهد الثورة السورية.

وتكتسب المدينة أهمية كبرى، انطلاقاً من موقعها الجغرافي القريب من حدود الجولان السوري، الذي تحتله إسرائيل، ومشاركتها حدوداً برية مع الأردن، لتكون بذلك بوابة العبور إلى الخليج.

وبالتالي فإنه نظراً لرمزيتها وأهميتها الجغرافية، يشدد اليوم النظام السوري وحلفاؤه الخناق على المدينة، حتى بات أكثر من 50 ألف مدني مهدداً بإبادة جماعية، كما يصف ذلك الأهالي، وسط صمت دولي، وغياب لموقف حقيقي يوقف النزيف البشري وآلة الدمار الوحشية.

ويسيطر النظام السوري على أغلب أجزاء مدينة درعا، وبخاصة درعا المحطة والقطاع الأوسط وأجزاء من الريف الغربي، وتسيطر المليشيات الإيرانية على مناطق شمال وشرقي درعا. أما فصائل التسوية التابعة للفيلق الخامس المرتبط بروسيا، فتسيطر على أجزاء من مناطق شرقي درعا. في حين يسيطر مقاتلو المعارضة السورية على مناطق متفرقة من المدينة، أهمها درعا البلد في المدينة ومدينتي طفس وجاسم في الريف الشمالي الغربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً