منذ انبثاق النظام العالمي الجديد، وهو أمر يثار الجدل دوما حول بدايته، أصبح ما يشبه القاعدة أن يتحدد شكل النظام وفق طبيعة الصراع الذي يطبع الدول العظمى.

فحرب الاثنتي عشرة سنة بين الإمبراطورية البريطانية والإمبراطورية الإسبانية أفرزت لنا عالماً جديداً تسيطر فيه دولة عظمى واحدة على أعالي البحار عزّزَت التجارة الدولية، وجعلت لندن عاصمة عالمية، كما أن هزيمة نابليون لاحقاً، واضمحلال الجمهورية الفرنسية، شكّلت ولادة لنظام متعدد الأقطاب، تتنافس فيه خمس دول عظمى هي بريطانيا العظمى، والإمبراطورية النمساوية-المجرية، وروسيا القيصرية، وألمانيا، وفرنسا رغم هزيمتها. والأمر ذاته ينسحب على الحرب العالمية الثانية التي تمخضت عن نظام عالمي ثنائي القطبية تتنافس فيه الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي على المكانة العالمية، ومع انتهاء الحرب الباردة بينهما أخذ النظام شكله الحالي أحادي القطب الذي تتمتع فيه الولايات المتحدة بمكانة الدولة العظمى الوحيدة.

لم تكن المنافسة على المكانة الدولية بين الدول العظمى منفصلة عن سياقها الزماني، فكل منافسة أخذت تشقّ طريقها عبر خصائص الزمن الذي وُجدت فيه، واستقت منه كل دولة أدواتها لفرض هيمنتها، ودحر خصومها، وإخضاع منافسيها. ففي حرب الاثنتي عشر سنة بين التاج البريطاني والتاج الإسباني وُظف واحد من أبرز التكتيكات في ذلك الوقت، ألا وهي القراصنة، وللدقة فقد كان التوظيف بدايةً من قبل بريطانيا التي كانت تعاني حالة شبه إفلاس، الأمر الذي دعاها لإصدار مراسيم ملكية تطالب القراصنة الإنجليز بشن هجمات على السفن الإسبانية باسم الملك، وأطلق عليهم لقب "القراصنة المفوضين" Privateers.

لعب القراصنة المفوضين دوراً بارزاً في حسم الحرب بين بريطانيا وإسبانيا في القرن الثامن عشر. الصورة من مسلسل وثائقي تعرضه شبكة نتفلكس على شاشتها حول قراصنة الكاريبي (Others)

لم يكُن القراصنة السلاح الوحيد أو الحاسم في كسب الحرب، ولكنهم كانوا سلاحاً ألمعيّاً فعّالاً قلب موازين القوى حينما استطاعوا أن يجرّدوا الإمبراطورية الإسبانية من عصب قوتها الحيوي، ألا وهو الذهب والفضة اللذين كانت تأتي بهما عبر قوافل من أمريكا إلى أوروبا لتمويل حملاتها العسكرية. لاحقا،ً وبعد ذلك بقرنين، كانت للتكنولوجيا النووية الكلمة الفصل في حسم الحرب العالمية الثانية، ووضع حدّ لدول المحور بزعامة ألمانيا والإمبراطورية اليابانية.

مع دخول العالم حقبة الحرب الباردة، بدا واضحاً أن حسم المعركة سيأخذ شكلاً أكثر تعقيداً من السابق، وذلك للتطور التكنولوجي الكبير، واتخاذ المنافسة العالمية الكوكب بأكمله كساحة صراع وتنافس بين الدول العظمى. ألقت القنبلة النووية التي أُسقطَت منها اثنتان على اليابان، بظلالها على العقل الاستراتيجي لصناع القرار في الكرملين والبيت الأبيض،ولذلك كان التنافس محموماً على امتلاك أكبر القنابل وأكثرها فتكاً، وأضخم الصواريخ وأبعدها وصولاً. بكلمة أخرى، كان التنافس على اكتساب القدرات العسكرية هو المحدد الأول والرئيس في رسم استراتيجيات التنافس العالمية بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة.

ومن هنا، فقد جُنّ جنون الولايات المتحدة عندما قام الاتحاد السوفييتي بتفجير أولى قنابله النووية الساعة السابعة من صباح التاسع والعشرين من أغسطس/آب من العام 1949 في صحراء كازاخستان التي كانت إحدى مقاطعات الاتحاد السوفييتي قبل الاستقلال عنه عام 1991. وقد سُمّيت القنبلة بالوهج الأول، وهي قنبلة بلوتونيوم عُرفت باسم RDS-1، واعتُبر مصنعوها في ذلك الوقت "منقذي الأمة".

حالة الذعر الأمريكية لم تتوقف هنا، فبعد ذلك كشف الاتحاد السوفييتي عن قدراته في مجال الصواريخ بعيدة المدى عندما استطاع عبر برنامجه الفضائي سبوتنيك أن يضع أول صاروخ في مدار الكرة الأرضية، الأمر الذي قُرئ في أوساط النخبة الاستراتيجية الأمريكية بأن الاتحاد السوفييتي ربما أصبح الآن قادراً على إرساله قنابل نووية إلى الأراضي الأمريكية عبر صواريخ طويلة المدى. فحتى ذلك الوقت لم تعُد الصعوبة في صنع القنبلة النووية، بل بالتعقيدات اللوجستية التي تتطلب إنزالها على الهدف. وهنا، ومع القدرات الصاروخية بعيدة المدى للاتحاد السوفييتي، أصبح بمقدور السوفييت التخلص من هذه الأعباء اللوجستية.

أدرك الأمريكيون على أثرها أن المعركة مع الاتحاد السوفييتي لا يمكن الظفر بها عبر ضربات حاسمة، وإنما عبر مشروع طويل الأمد يرتكز بالأساس على التفوق التكنولوجي. فالقدرات العسكرية التقليدية لم تعُد تسعف الدول العظمى في تنفيذ مشاريع الهيمنة التي تطمح إليها. ولذلك انطلقت الولايات المتحدة في دعم هائل للأبحاث العلمية لأغراض عسكرية هدفها الحفاظ على التفوق الأمريكي في هذا المضمار. كان من أبرز المشاريع العملية التي تم إنشاؤها وتمويلها من الحكومة الفيدرالية الأمريكية مؤسسة العلوم الوطنية (1950)، والإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء المعروفة اختصاراً باسم ناسا (1957)، ووكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة، التي سوف تشهد ولادة أول شبكة إنترنت على مستوى العالم سُميت بشبكة ARPA Net. ومع حلول عام 1964 كان البحث والتطوير في الولايات المتحدة يمثّل تقريباً 17 بالمئة من إجمالي الإنفاق الفيدرالي.

معالج سائل الواجهة لشبكة ARPANET (Others)

على أثر التطورات الأخيرة، أخذ التفكير في الولايات المتحدة يتخذ منحىً مركَّباً. فمع أهمية إحداث اختراق في تكنولوجيا الصواريخ عابرة القارات، وتلك القادرة على الوصول إلى الفضاء، فإن الاعتقاد الذي ساد في ذلك الوقت هو أن هذا المسار، على أهميته، لن يضع الولايات المتحدة في مأمن من الصواريخ السوفييتية المحمَّلة برؤوس نووية. وعليه، فقد بدا أن مفهوم الردع يأخذ بُعداً آخر، فليس المهمّ أن تمتلك القنبلة النووية، ولا أن تملك تكنولوجيا حملها إلى أهدافها، بل يكمن في امتلاك القدرة على القيام بهجمة نووية مضادة. وقد سُمّيت استراتيجية الردع هذه بقدرة الضربة الثانية second-strike capability.

وبطبيعة الحال فإن القدرة على تنفيذ هذه الضربة الثانية يكمن بالأساس في الإبقاء على تواصل بين القيادة المركزية، وقواعد تنفيذ القرارات. ففي حال حصول ضربة نووية فإن وسائل الاتصال والتواصل التقليدية سوف تنقطع، وعليه فلن يكون الرئيس القابع في حجرة محصنة أسفل البيت الأبيض قادراً على توجيه أوامره إلى قواعد إطلاق الصواريخ للردّ على الهجوم السوفييتي.

وعليه فإن الحفاظ على الاتصال بين مركز القيادة وقواعد إطلاق الصواريخ غذّى السعي نحو إيجاد شبكة تواصل غير تقليدية، قادرة على مقاومة المتغيرات كافة. وفي هذا الصدد، وكما بيت ذلك في مقال سابق لي، برز اسم "بول باران" الخبير في مجال الرادار الذي كان يشغل موقعاً متميزاً في مؤسسة "راند" الأمريكية التي لمع اسمها في أبحاث التصنيع العسكري إبان الحرب العالمية الثانية. كانت فكرة باران باختصار تتمحور حول ضرورة تطوير شبكة اتصالات في جميع أنحاء الولايات المتحدة تربط بين مراكز السيطرة المنتشرة في أنحاء البلاد لإبقائها في حالة تواصل في ظل أصعب الظروف. كان باران يؤمن أن من شأن هذه الشبكة أن تسهم في منع وقوع حرب نووية، وذلك لأنه سيكون لدى الولايات المتحدة المحافظة بكل الأحوال قابلية توجيه الضربة المضادة، الأمر الذي سوف يردع الاتحاد السوفييتي عن اتخاذ أي مغامرة نووية غير محسوبة.

يقدم بول باران عرضاً في جمعية خريجي مؤسسة RAND في 25 يوليو/أيار 2009 (Others)

تلقفت الفكرة سريعاً وكالة المشاريع البحثية المتقدمة (Advanced Research Projects Agency – ARPA) التي كانت تخضع لإشراف مباشر من وزارة الدفاع الأمريكية، وضمّت نخبة العلماء التابعين لكل من الجيش الأمريكي وسلاح البحرية وسلاح الجو والفضاء. وقد انطلق العلماء في سباق محموم لتطوير هذه الشبكة التي كانت في ذلك الوقت عبارة عن فكرة من أفكار الخيال العلمي. وبحلول منتصف السبعينيات، استطاعت الوكالة تطوير ثلاثة أنواع مختلفة من الشبكات، هي: ARPANET، وتعتمد على الكابلات الأرضية، وPRNET، وتعتمد على الموجات اللاسلكية/الراديو، وSATNET، وتعتمد على الأقمار الصناعية/الستالايت. ولجعل هذه الشبكات الثلاث في حالة من التناغم والتواصل الفعَّال -على الرغم من اختلاف طبيعتها- قام مجموعة من طلاب الجامعات الأمريكية متخصصون بتكنولوجيا المعلومات بتطوير مجموعة من البروتوكولات التي شكّلَت عصب هذه الشبكات الثلاث، والقواعد الحاكمة لتدفُّق البيانات فيها حتى يومنا هذا. كانت هذه ولادة شبكة الإنترنت التي أخذت تتطور حتى وصلت إلى الشكل الذي بتنا نستخدمه هذه الأيام.

حفز هذا الاختراق غير المسبوق في مجال تكنولوجيا الاتصال بفضل شبكة الإنترنت الاقتصاد العالمي، وأخذ شكل جديد من العولمة يظهر إلى السطح، وبات النظام التجاري والصناعي العالمي يخضع لإعادة هيكلة بحيث تم الفصل بين رأس المال والأيدي العاملة في ذات الحيز لأول مرة في التاريخ، فالغرب الذي احتفظ بتراكم رأس المال، أصبح بفضل تكنولوجيا الاتصال والمواصلات يستعين بالأيدي العاملة الرخيصة في العالم الثالث، خصوصاً بعض دول آسيا الكبرى كالصين.

وهنا وجد المعسكر الشرقي بفضل الستار الحديدي الذي فرضه الاتحاد السوفييتي نفسه متأخراً جداً، وأن الفجوة بينه وبين الغرب أصبحت غير قابلة للردم. وعندما كانت الحرب المباشرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي غير ممكنة بفضل الرادع النووي، بات التنافس على النموذج والرواية، أي التنافس على القلوب والعقول، يُعَدّ العامل الحاسم لكسب المعركة. وفي الوقت الذي استمرت فيه الولايات المتحدة ترسل صواريخ استكشافية إلى الفضاء، كان المواطن السوفييتي يجهد في السوق السوداء للحصول على بنطال جينز من ماركة "ليفي". وقد عبّر عن هذه الحالة بشكل دقيق الفيلسوف اليساري الفرنسي ريجيس دوبريه في العام 1986، وهو الذي كان رفيق سلاح مع تشي غيفارا، بقوله: "تمتلك موسيقى الروك، وأشرطة الفيديو، والجينز الأزرق، والمأكولات السريعة، قوة أكبر من الجيش الأحمر بأسره".

أحد الموظفين يقوم بتركيب قطع في مصنع لأشباه الموصلات في الصين  (AFP)

إذاً ساهمت التكنولوجيا هنا مع الاقتصاد في وضع حد للتنافس العالمي بين القوى العظمى الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة، كما ساهمت من قبل التكنولوجيا (تكنولوجيا المدافع والسفن السريعة) مع التجارة الدولية في حسم الحرب في القرن الثامن عشر بين بريطانيا العظمى والإمبراطورية الإسبانية، في حين حسمت التكنولوجيا والأسلحة المتطورة الحرب العالمية الأولى (تكنولوجيا التحليق) والحرب العالمية الثانية (التكنولوجيا النووية).

واليوم يدخل العالم حلبة مبارزة جديدة على المستوى الدولي بين الولايات المتحدة والصين. وعلى خلاف المراحل السابقة من التنافس الدولي بين الدول العظمى التي لعبت فيها التكنولوجيا دوراً محورياً، ولكنْ مساعداً في حسم نتيجة الصراع، فإن التكنولوجيا هذه المرة يبدو أنها ستكون هي العامل المحوري والأساسي في حسم مستقبل النظام الدولي. بالتأكيد سوف تحافظ عوامل أخرى كالاقتصاد، والسلاح، والطاقة، على أدوارها الجوهرية في حسم نتيجة الصراع، ولكن الدور الحاسم سيكون للتكنولوجيا، فمن يحقق الريادة في القطاع التكنولوجي ويحافظ عليها، فسيكون له الكلمة الفصل في تحديد شكل النظام الدولي للحقبة المقبلة.

وفي الوقت الذي ما زالت تحافظ فيه الولايات المتحدة حتى الآن على موقع الريادة في القطاع التكنولوجي، فإن الصين تلحق بها بشكل متسارع، هذا مع تسجيل بعض التراجع للولايات المتحدة بناءً على تضارب أولويات صناع القرار فيها. ومن المتوقع أن تشمل المنافسة التكنولوجية بين اللاعبين الكبار ثلاث ساحات رئيسية، هي: تكنولوجيا الجيل الخامس G5 من الاتصالات، وتكنولوجيا الذكاء الصناعي، والتكنولوجيا الحيوية.

عملاق التجارة الإلكترونية الصيني علي بابا  (Reuters)

تحاول الصين جاهدةً إحداث تغيير في قواعد اللعبة، ففي سعيها إلى مصافّ الدول العظمى تحاول الصين وضع شروطها، ليس فقط المشاركة في النظام بحكم الأمر الواقع. ويبدو أنها اختارت التكنولوجيا لكي تكون بوابتها للمنافسة الدولية. فقط استثمرت الصين على سبيل المثال بشكل كبير في مشاريع البحث والتطوير، إذ نَمَت حصتها من الإنفاق التكنولوجي العالمي من أقلّ من خمسة في المئة في عام 2000 إلى أكثر من 23 في المئة في عام 2020. وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فمن المتوقَّع أن تتفوق الصين على الولايات المتحدة في مثل هذا الإنفاق بحلول عام 2025.

ويُظهِر استثمار الصين في تقنية 5G كيف تحاول إحداث بصمتها الخاصة، فقد برزت الشركة الصينية Huawei كشركة رائدة على مستوى العالم في مجال هندسة الجيل الخامس من الاتصالات وبيعها، إذ تقدّم منتجات عالية الجودة بسعر أقل من منافسيها الفنلنديين والكوريين الجنوبيين، مستفيدة من نحو 75 مليار دولار من الإعفاءات الضريبية، والمنح، والقروض. هذا بالإضافة إلى استفادة هواوي من مشروع طريق الحرير الجديد الطموح للصين، إذ مهدت الصين لشركاتها أن تكتسب ميزات إنشاء البنى التحتية للدول التي باتت تعتمد على القروض الصينية.

كما باتت الصين تبرع في مجال الذكاء الصناعي، وينشر الباحثون الصينيون الآن أوراقًا علمية في هذا المجال أكثر من تلك التي ينشرها الأمريكيون. ويعتمد النظام الصيني في تطوير الذكاء الصناعي على دعامتين رئيسيتين، ربما هما غير موجودتين في غيرها من الدول الأخرى، وهما الدعم الحكومي المباشر للشركات والمختبرات العاملة في هذا المجال، والقدرة الكبيرة وغير الخاضعة للمراقبة للوصول إلى البيانات الكبيرة Big Data، وذلك من خلال الاستثمار في شركات تكنولوجية عملاقة تسهم في تطوير تطبيقات التواصل الاجتماعي والبيع المجزأ والتبادل التجاري كعملاق التجارة الإلكترونية علي بابا، وشركة Tencent التي طورت تطبيق WeChat لجميع الأغراض، ومحرك البحث بايدو، وDJI التي تهيمن على سوق الطائرات دون طيار للاستهلاك المدني، وSenseTime التي توفّر تقنية التعرف على الوجه، وهي شركة الذكاء الصناعي الأكثر قيمة في العالم.

توفّر تكنولوجيا G5، والذكاء الصناعي، الأرضية الخصبة لنمو التكنولوجيا الحيوية، ويبدو أن الصين تُولِي هذا القطاع اهتماماً خاصاً. ويكفي النظر إلى العالم الصيني هي جيانكوي الذي استطاع عام 2018 القيام بهندسة الحمض النووي لطفلين توأمين، الأمر الذي أثار ضجة عالمية. ولتفادي الانتقاد العالمي صوّرَته الصين بأنه عالم مارق، وعاقبته، ولكن هذا الحادث قد بعث برسالة مخيفة عن الاستخدامات التي قد تلجأ إليها الصين، خصوصاً في ظل قمعها لبعض الأقليات مثل أقلية الأويغور.


TRT عربي