تدَّعي المملكة العربية السعودية أنَّها مركز الإسلام، ويرجع السبب الأكبر في ذلك إلى أنَّها تشرف على خدمة الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة.

على مر السنين الماضية، واجهت المملكة العربية السعودية انتقاداتٍ لعدم مشاركتها بجدية في القضايا التي تؤثر في المسلمين في جميع أنحاء العالم، تاركةً انطباعاً بأنَّ أيديولوجيتها السياسية أكثر تماشياً مع دولٍ مثل إسرائيل والولايات المتحدة، اللتين تشنان حروباً غير مبررة ضد دولٍ ذات أغلبية مسلمة.

وفي أحدث التحرُّكات السعودية، ذكرت تقارير أنَّ المملكة بذلت جهوداً مستميتة لتهديد القمة الإسلامية التي عُقدت مؤخراً في العاصمة الماليزية كوالالمبور، والتي ركزت على تجميع قادة العديد من البلدان ومناقشة المشكلات التي تزعج غالبية الدول الإسلامية.

فبينما كان من المقرر أن يحضر رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان القمة، مارست المملكة العربية السعودية وحليفتها الوثيقة الإمارات العربية المتحدة ضغوطاً على خان وطلبتا منه عدم الحضور.

وبالفعل، رضخ خان، الذي كان يدعم إجراء القمة في البداية، للضغوط، وألغى زيارته إلى ماليزيا في اللحظة الأخيرة.

وفي هذا الصدد، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي كان أحد المهندسين الرئيسيين للقمة، للصحفيين آنذاك: "من المؤسف أن نرى المملكة العربية السعودية تضغط على باكستان. فهناك وعود قدمتها المملكة إلى باكستان بشأن إيداع (ودائع) لدى البنك المركزي الباكستاني. لكنَّ الأدهى من ذلك أنَّ هناك أكثر من 4 ملايين باكستاني يعملون في المملكة العربية السعودية. لقد (هدَّد السعوديون) بإرجاع (الباكستانيين)".

تجدر الإشارة إلى أنَّ المملكة العربية السعودية تحقق استفاداتٍ مادية وسياسية هائلة من كونها خادمة الحرمين الشريفين
تجدر الإشارة إلى أنَّ المملكة العربية السعودية تحقق استفاداتٍ مادية وسياسية هائلة من كونها خادمة الحرمين الشريفين (Reuters)

وتجدر الإشارة إلى أنَّ المملكة العربية السعودية تحقق استفاداتٍ مادية وسياسية هائلة من كونها خادمة الحرمين الشريفين. إذ يتوافد أكثر من مليوني مسلم على الحرمين سنوياً لأداء فريضة الحج، التي تجمع أناساً من مختلف الألوان والخلفيات والأعراق.

السعوديون ومنظمة التعاون الإسلامي

تكتسب المملكة السعودية شرعيةً سياسية من منظمة التعاون الإسلامي، التي تعد إحدى المؤسسات الإسلامية الرئيسية والتي يقع مقرها في جدة وتأسست في عام 1969 حين تعرَّض المسجد الأقصى في القدس، ثالث الحرمين الشريفين، لهجومٍ من إسرائيل.

ونظراً إلى أنَّ المنظمة تضم 57 عضواً، أصبحت ثاني أكبر هيئة دولية، لكنَّ نفوذها انخفض تدريجياً بمرور الوقت، ويرجع أحد أسباب ذلك إلى المواقف السياسية السلبية للمملكة السعودية وحلفائها تجاه القضايا الإسلامية، من فلسطين إلى كشمير.

فبدلاً من البحث عن سُبُلٍ لتقوية المنظمة من أجل المساعدة في تحرير مجتمعات المسلمين من القوات التي تحتلها، أقام الأمير السعودي محمد بن سلمان صداقاتٍ مع شخصياتٍ مثيرة للجدل مثل جاريد كوشنر، وهو يهوديٌ أمريكي يؤيد الدولة الصهيونية، وصهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وتعرَّض محمد بن سلمان كذلك لانتقاداتٍ شديدة من المجتمع الدولي بسبب دوره المزعوم في تنظيم قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، الذي كان يدافع عن القضايا الإسلامية على الصعيد الدولي، في قنصلية المملكة السعودية في إسطنبول.

هذا بالإضافة إلى أنَّ الجيش السعودي، الذي لم يخُض تجربة حربٍ حقيقية، يحظى بتدريبٍ وتسليح أمريكيين منذ عدة سنوات.

الجيش السعودي، الذي لم يخُض تجربة حربٍ حقيقية، يحظى بتدريبٍ وتسليح أمريكيين منذ عدة سنوات
الجيش السعودي، الذي لم يخُض تجربة حربٍ حقيقية، يحظى بتدريبٍ وتسليح أمريكيين منذ عدة سنوات (AP)

سياسة خارجية معادية للمسلمين

وكذلك ساعد السعوديون في تمكين بعض الحكام الدكتاتوريين مثل عبد الفتاح السيسي، القائد العسكري المصري الذي أصبح رئيساً بعد إطاحته بمحمد مرسي -الذي يعد أول رئيس منتخب ديمقراطياً في مصر وأحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين- في انقلابٍ عسكري في عام 2013.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الإمارات والسعودية تعتبران جماعة الإخوان المسلمين -وهي حركة ذات عقلية دينية تمارس الديمقراطية والنشاط السياسي السلمي بدلاً من النضال المسلح ضد الأنظمة الاستبدادية- تهديداً وجودياً لحكمهما القمعي.

وفي ليبيا، كما حدث في مصر، تُظهر المملكة كذلك طبيعتها الاستبدادية، إذ تدعم خليفة حفتر، القائد العسكري الذي يبلغ من العمر 75 عاماً، ضد حكومة طرابلس المعترف بها من الأمم المتحدة.

وكذلك تُشارك السعودية في الحرب الأهلية الوحشية الجارية في اليمن، حيث تقصف مناطق مدنية من حينٍ إلى آخر، وأصبحت أحد الأسباب الجذرية لأسوأ كارثةٍ إنسانية في العالم.

وأخيراً وليس آخراً، التزمت السعودية الصمت تجاه الموقف العسكري العدواني الذي تتخذه الهند ضد إقليم كشمير المُتنازَع عليه الذي أرسلت إليه الأمم المتحدة بعثةً عسكرية، والذي انتهكت الحكومة الهندية وضعه شبه المستقل في الآونة الأخيرة. وبدلاً من تصعيد الضغط على الهند ومساءلتها عن تزايد انتهاكات حقوق الإنسان في كشمير، تهتم السعودية والإمارات اهتماماً أكبر ببناء علاقات تجارية قوية مع الحكومة الهندية اليمينية التي يرأسها ناريندرا مودي المتهم بالتواطؤ في مذبحةٍ ضد عدة آلاف من المسلمين حين كان يرأس وزراء ولاية غوجارات.

المصدر: TRT عربي