نشطت السياسة الخارجية لتركيا في ظل أزمة حائجة كورونا، وقد تمثّل ذلك في حركة المساعدات الإنسانية المكثفة التي قدمتها للعديد من الدول هذا فضلاً عن اخراطها الفعّال في الملفات الخارجية الساخنة كالأزمة الليبية.

إحدى الطائرات التركية تتجهز بالمساعدات الإنسانية التي أرسلتها تركيا للعديد من الدول في إطار مكافحة فيروس كورونا
إحدى الطائرات التركية تتجهز بالمساعدات الإنسانية التي أرسلتها تركيا للعديد من الدول في إطار مكافحة فيروس كورونا (AA)

يوجد ترابط في كل البلدان بين السياسة الداخلية والخارجية، وتتأثر الأخيرة في أي بلد بالأزمات التي تحدث داخله، وبالتالي تؤدي الأزمات الداخلية في الغالب بخاصة الكبيرة منها إلى تراجع في نشاط السياسة الخارجية ونطاقها، ومع أزمة كورونا التي عصفت بمعظم دول العالم وأثرت على الاقتصاد والأسواق وأجبرت الدول على النظر إلى الداخل لإدارة الأزمة والإنفاق على مكافحة الفيروس بخاصة القطاع الصحي وعلى دعم الفئات المتضررة، كان طبيعياً أن يقلص ذلك في النشاط والسلوك الخارجي للدول، وقد قامت العديد من الدول بإلغاء مجموعة من الفاعليات الدولية.

ومع تجاوز عدد حالات كورونا في تركيا حاجز 100 ألف وحلول البلد في الترتيب السابع عالمياً من حيث عدد الحالات حتى 25 أبريل/نيسان 2020، فإن السياسة الخارجية التركية على عكس المتوقع أبدت نشاطاً واضحاً، سواء في القضايا الخارجية التي كانت تديرها وتتعامل معها قبل كورونا أو عبر الديناميكية الدبلوماسية التي فرضها الانتشار العالمي للفيروس.

سياسة التوعية

بداية انخرطت وزارة الخارجية التركية مثل بقية الوزارات في تركيا، في تطبيق التعليمات الصادرة عن الرئيس أردوغان فيما يتعلق بالأزمة،وأشار وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو إلى بعض التعليمات المتعلقة بالتواصل مع العديد من البلدان لتبادل المعلومات ومشاركة التجربة حول مكافحة الفيروس، بالإضافة إلى تقديم مساهمات ملموسة وفق إمكانات تركيا في المواجهة العالمية للوباء.

وفي السياق ذاته أنشأت الوزارة مركز دعم وتنسيق يعمل على مدار الساعة وبخاصة لمساعدة المواطنين والطلبة الأتراك في الخارج، وأعادت الوزارة حتى الآن ضمن المرحلة الأولى 39 ألف مواطن تركي من 70 بلداً. وحتى في الجانب الأكاديمي أصدرت وزارة الخارجية كتاباً بعنوان: "النظام العالمي بعد كورونا: المشاكل القديمة والاتجاهات الجديدة"، يجمع الكتاب تصورات وقراءات مجموعة من الأكاديميين والخبراء بالسياسة الخارجية والنظام الدولي.

ولأن تركيا تدرك أن أزمة كورونا أوسع من البعد الطبي واللوجستي، وأنها نقطة تحوُّل لها أثر دولي سيستمر لسنوات، ولا بد من الاستعداد لما ستخلقه من فرص وتحديات دولية، رأت أن هذا يستوجب بناء مقاربة تجاه الأزمة بدلاً من الاكتفاء بالمراقبة، فلا بد من عدم التأخر ومواكبة كل الملفات الدولية. بل وُجدت قناعة بأن المرحلة تتطلب تفعيلاً أكبر لآليات الدبلوماسية وإيجاد حلول للمشكلات بأسرع وقت.

الانخراط عن بعد

مع بداية الأزمة وعلى الرغم من فيروس كورونا وبدلاً من إلغاء القمة الرباعية مع ماكرون وميركل وجونسون التي كانت مقررة في إسطنبول في 17 مارس/آذار 2020، عقدت عبر فيديو كونفرانس، لمتابعة ملفات مهمة ابتداء من كورونا ومروراً بالوضع الإنساني بإدلب ومستجدات ليبيا وملف اللاجئين بين تركيا وأوروبا.

وعلى صعيد العلاقة مع القوى الكبرى تواصل الرئيس التركي أردوغان مع الرئيس الأمريكي ترمب وتباحثا قضايا عدة، وأجلت تركيا تفعيل منظومة S-400 ولم تتراجع عنها، حتى لا تكون عرضة للعقوبات الأمريكية في هذه الفترة العصيبة سواء بسبب أزمة كورونا أو في ظل اقتراب الانتخابات الأمريكية المعلنة سابقاً.

الشرق الأوسط الساخن

وفيما يتعلق بالملفات الساخنة بسوريا والعراق وليبيا، نفذت تركيا الجزء المتعلق بتسيير الدوريات على الطريق السريع في إدلب وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار في إدلب مع روسيا في 5 مارس/آذار 2020، فسيرت الدورية الرابعة والخامسة خلال شهر أبريل/نيسان، بعد اتصال بين أردوغان وبوتين.

وفي العراق المجاور، دعمت تركيا على لسان الناطق باسم وزارة الخارجية رئيس الوزراء العراقي الجديد، فقال: "الكاظمي يعرف المنطقة جيداً، ونحن على ثقة بأن تشكيل حكومة برئاسته في العراق سيجلب الخير لبلاده وعموم المنطقة"، فالتوافق على رئيس وزراء يدعم الاستقرار بالعراق وهذا من مصلحة تركيا. إذ استغل حزب PKK الإرهابي الحالة الفوضوية لتجميع قواته في منطقة "مخمور"، ولذا واصلت تركيا حملتها على مواقع حزب PKK الإرهابي بالتنسيق مع حكومة إقليم شمال العراق.

كما واصلت تركيا دعم حكومة الوفاق الشرعية في ليبيا التي حققت تقدماً كبيراً وحررت كل مناطق الساحل الغربي حتى الحدود التونسية، وجاء ذلك بعد رفض حفتر تطبيق وقف إطلاق نارٍ طالبت به الأمم المتحدة في ظل أزمة كورونا، وقد لعبت تركيا دوراً رئيسياً في دعم حكومة الوفاق سياسياً وعسكرياً.

وفي السياق ذاته، وكما أبدت تركيا تركيزاً على القضايا الإقليمية ودول الجوار، لم تهمل الدول التركية الأخرى ودعمت في 10 إبريل/نيسان، عقد مؤتمر المجلس التركي الذي يضم تركيا وأذربيجان وكازاخستان وقرغيزيا وأوزبكستان، عبر فيديو كونفرانس. بل شجعت الدول الأعضاء على مواصلة التجارة الدولية ونقل البضائع في إطار نهج حر ومنفتح وقائم على القواعد لاستمرارية سلسلة التوريد. كما دعمت في السياق ذاته مجموعة دول البلقان التي تجمعها بها علاقات تاريخية.

الدعم الإنساني

تعد أزمة كورونا مجالاً تظهر فيه الدول أنانيتها باحتفاظها بالمواد والأجهزة الطبية، ولهذا تميزت تركيا عالمياً بدبلوماسيتها الإنسانية فاستحقت شكر إدارة الناتو لتقديمها المساعدات إلى دول الحلف، وقدمت تركيا حتى الآن مساعدات إلى نحو 35 دولة، كما لم تمتنع عن السماح بوصول المستلزمات الطبية إلى دول على خلاف معها مثل (إسرائيل) وأرمينيا. وامتد تنسيقها في التعاون في مواجهة كورونا إلى دول كثيرة نذكر منها على سبيل المثال إثيوبيا التي شكر رئيس وزرائها تركيا على تعاونها.

وفيما قدمت تركيا المساعدات إلى إيطاليا وإسبانيا وبريطانيا، فإن هذه السياسة تجاه أوروبا تحديداً تحمل دلالات كبيرة وهي أن تركيا لم تعد ذلك الرجل المريض الذي تتعامل معه القوى الاستعمارية الأوروبية بل هي من تقدم المساعدات الطبية إلى دول أوروبا المصابة بالمرض، التي قد تحتاج إلى وقت حتى تتعافى، وكانت تعارض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي الذي بات مستقبله سؤالاً ملحاً.

وفضلاً عن العمل والنشاط في وقت الأزمة، فإن تركيا تشدد على ضرورة الاستعداد لما بعد كورونا، وينسجم هذا مع دعوة أردوغان لإجراء تعاون بين البلدان الأعضاء بالمجلس التركي وغيرها في مختلف المجالات الصحية والتجارية والاجتماعية، وتبادل التجارب والخبرات لحل المشاكل الناجمة عن هذه المرحلة.

ولعلنا هنا نقف على نقطة مهمة، وهي أن العمود الفقري للسياسة الخارجية التركية هو استقلاليتها، وبالتالي فإن رفضها التقدم لقرض من صندوق النقد الدولي على الرغم من الضغوط الاقتصادية التي جلبها كورونا، وبينما تقدمت 12 دولة من المنطقة إلى الصندوق، يدل على أنها تريد أن تحافظ على هذه الاستقلالية.

ولتحصيل مزيد من الاستقلالية تركز تركيا على قطاع الطاقة، ولهذا لم تتوقف أعمال الحفر والتنقيب التركية في محيط قبرص في شرق المتوسط في ظل أزمة كورونا، بل على العكس وصلت سفينة التنقيب التركية من المتوسط إلى البحر الأسود في 9 أبريل/نيسان الجاري لبدء أعمال التنقيب في البحر الأسود.

عوداً على بدء، فإن الأسباب الداخلية المتمثلة في البنية الصحية الجاهزة بسبب الاستثمار السابق فيها على عكس الدول التي كرست ميزانياتها في الجانب العسكري، وبسبب الإجراءات المبكرة والاستقرار الداخلي وخبرة إدارة الأزمات، تعطي زخماً للسياسة الخارجية التركية، لكن رؤية السياسة التركية أكبر من تخطي الأزمة فهي تتطلع إلى ما وراءها.

وبينما يوجد إجماع على أن أزمة كورونا ستؤثر على سياسات الدول، يرى بعضهم أنها ستؤثر على شكل النظام الدولي، وأن مرحلة ما بعد 11 سبتمبر/أيلول ستستبدل بها مرحلة ما بعد كورونا وهو ما قاله الكاتب البريطاني دانييل فنكلشتاين في مقاله بصحيفة تايمز البريطانية. وإزاء هذا ترى تركيا محنة كورونا منحة لها في النظام الدولي، وربما يشير إلى هذا الأمر ما قاله الرئيس أردوغان: "لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية تتاح لتركيا فرصة تَبَوُّؤ موقع مركزي في إعادة الهيكلة العالمية".

واصلت تركيا إدارة ملفات سياستها الخارجية بشكل نشط في ظل أزمة كورونا، على الرغم من تعاملها مع الأزمة بقدرات وإمكانات وطنية، وبينما تقترب تركيا خلال شهر تقريباً من إحداث تراجع كبير في منحنى كورونا في البلاد، فإن ذلك سيزيد من زخم سياستها الخارجية ما بعد كورونا، ويتضح أن السياسة الخارجية التركية ستواصل نشاطها وتكون أكثر ارتياحاً في ظل عوامل عدة منها هبوط أسعار النفط، وتقدُّم حكومة الوفاق في ليبيا، ومنع موجات جديدة من اللاجئين من إدلب بالتوافق مع روسيا، وتجنُّب عقوبات واشنطن على S-400، واستمرار التعاون مع الحكومة العراقية الجديدة وإقليم شمال العراق وغيرها. كما ستواصل تسجيل موقفها الأخلاقي من خلال الدبلوماسية الإنسانية.

المصدر: TRT عربي