لمحاربة المضاربات في سعر العملة في السوق الموازي أعلنت الحكومة السودانية عن تعديل قانون الجمارك، برفع العقوبات المتعلقة بالتهريب من السجن لمدة شهر إلى السجن لـ10 سنوات.

دون سابق إنذار عرفت العملة المحلية السودانية انحداراً غير مسبوق مقابل الدولار، إذ خسرت 42 في المئة من قيمتها خلال أسبوعين فقط (من بداية شهر سبتمبر/أيلول الماضي إلى منتصفه)، وهو ما دفع الحكومة السودانية إلى الإعلان عن تفعيل حالة الطوارئ الاقتصادية، وتكوين قوات مشتركة لحماية الاقتصاد السوداني، فضلاً عن إنشاء محاكم ونيابات للطوارئ، وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء السودانية.

الحكومة السودانية وفقاً لما صرحت به وزيرة المالية والتخطيط الاقتصادي المكلفة هبة أحمد علي، في مؤتمر صحفي مشترك، تعتبر أن "انهيار سعر العملة والارتفاع الجنوني في سعر الدولار لم يكن بسبب تغييرات هيكلية في الاقتصاد، وإنما هو عملية تخريب ممنهج للاقتصاد السوداني بغرض خنق الحكومة، خاصة أن بعض التقارير أفادت بحدوث عمليات تخريب متعمد تشمل تزوير العملة والمضاربة في الدولار والذهب".

ولمحاربة المضاربات في سعر العملة في السوق الموازي أعلنت الحكومة السودانية عن تعديل قانون الجمارك، برفع العقوبات المتعلقة بالتهريب من السجن لمدة شهر إلى السجن لـ10 سنوات، وإلغاء المادة المتعلقة بالتسويات، حيث كشف وزير العدل نصر الدين عبد الباري في المؤتمر الصحفي ذاته عن أن "مشروع القانون يجرم تهريب الذهب والأحجار الكريمة أو المضاربة فيها أو تخزينها أو تهريبها، محدداً عقوبة تصل إلى السجن 10 سنوات مع المصادرة"، مشيراً إلى أن "الوزارة طلبت من النائب العام تأسيس نيابات ومحاكم للطوارئ، وقريباً سيتم تفعيلها" على حد قول المسؤول الحكومي.

إجراءات غير ناجعة

وعلى الرغم من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمحاربة تجار العملة، فإن الخبير الاقتصادي عبد العظيم المهل يعتبر أن "الإجراءات الحكومية لها أثر ضعيف جداً، ولم تعطِ أكلها في محاربة تجارة العملة في السوق الموازي"، موضحاً أنه "مباشرة بعد إعلان حالة الطوارئ الاقتصادية انخفض سعر الدولار بعدما وصل إلى 283 جنيهاً إلى 200 جنيه، لكنه سرعان ما بدأ في الارتفاع من جديد وقد بلغ الآن 235 جنيهاً، ممَّا يعني أن السياسة الأمنية ليست ناجعة، وإنما يجب أن تدعمها سياسات نقدية ومالية من خلال زيادة الإنتاج والإنتاجية".

ويرى البروفيسور المهل في معرض حديثه لـTRT عربي أن "السيطرة على سعر العملة تعتمد على الاحتياطي النقدي من العملات الصعبة الموجودة في البنك المركزي، وكلما كان احتياطي العملات الصعبة كبيراً استطاعت الدولة السيطرة على سعر العملة في السوق، وذلك عن طريق السياسة النقدية، أي إن البنك المركزي يدخل كبائع للعملة وكمشترٍ".

وأضاف في السياق ذاته أنه في "حالة السودان لا يوجد احتياطي كافٍ من النقد الأجنبي، ولذلك لا يستطيع البنك المركزي أن يُعمِل سياسته النقدية، وهو ما يبقي على تحديد سعر العملة في يد تجار السوق الموازي الذين يرفعون ويخفضون حينما يشاؤون، ولأنهم دائماً يريدون الأرباح فسيرفعون السعر بشكل مستمر" يقول الخبير الاقتصادي.

عدم تحكم الدولة في سعر الدولار

لم تستطع الحكومة السودانية التحكم في سعر الدولار مقابل العملة المحلية، إذ يواصل الجنيه السوداني فقدان قيمته الشرائية بشكل سريع منذ أسابيع أمام العملات الأجنبية الأخرى في السوق الموازي، حيث سجلت العملة أرقاماً قياسية تعد الأدنى منذ أعوام، وفي هذا الشأن قال البروفيسور المهل: إن "95 في المئة من العملة يتم تداولها خارج النظام المصرفي الرسمي في السودان، ممَّا يعني عدم تحكم الدولة في تداول العملة، وهذا يؤثر سلباً على ميزان المدفوعات وعلى الميزان التجاري، فضلاً عن تأثيره على سعر العملة نفسها"، موضحاً لـTRT أن "الانخفاض المتواصل للعملة يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات بالإضافة إلى زيادة معدل التضخم، ممَّا يتسبب في آثار سيئة جداً على اقتصاد البلاد، ويجعل الاقتصاد في يد أقلية من المحتكرين، ويجعل الدولة غير قادرة على توفير المتطلبات الأساسية للمواطن".

اقرأ أيضاً:
فيضانات السودان تعمّق الأزمة الاقتصادية وترفع نسبة الفقر

وتعزو الحكومة السودانية تدهور الاقتصاد السوداني وانهيار العملة المحلية إلى أنشطة بقايا نظام المخلوع، وهو ما ذهب إليه الخبير الاقتصادي المهل، حيث قال: إن "أشخاصاً من النظام البائد يزورون العملة، ويضخون مبالغ كبيرة من العملة المحلية التي نهبوها في وقت سابق من البنك المركزي ومن وزارات مختلفة، في السوق السوداء، ما يمكنهم من شراء الدولار بأسعار مرتفعة جداً، تصل أحياناً إلى 300 جنيه للدولار الواحد، في حين أن المستورد لا يمكنه أن يشتري بهذا السعر".

وعلى خلفية خلو البنوك من العملة السودانية والعملة الصعبة، يقول البروفيسور المهل إنه انتشرت دعوات لتغيير العملة كحل لانهيار العملة المحلية، وزاد "لكن في اعتقادي تغيير العملة ليس هو الحل، وإنما تغيير الفئات الصغيرة، لأن فئة 500 جنيه تعتبر غير مبرئة للذمة، ولا تستخدم في شراء الدولار أو الذهب".

الدولة لها أكثر من سعر للدولار

في الوقت الذي تعاني فيه الدولة من ارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء، والذي قد يصل إلى أضعاف السعر الرسمي، فإنها تعتمد بدورها سعرين للدولار، وهما السعر الجمركي والسعر الرسمي، وحسب مصطفى سيد مبارك أستاذ الإعلام في عدد من الجامعات السودانية، فإن اعتماد سعرين للدولار "ظاهرة غريبة، إذ إن السعر الجمركي يصل إلى 18 جنيهاً في حين يصل السعر الرسمي إلى 55 جنيهاً"، وزاد أن "هذه الظاهرة نمت أيضاً في السوق السوداء، إذ إن البيع الآني له سعر، وتسليم الدولار خارج السودان له سعر أعلى من الأول".

وأوضح السيد مبارك في حديثه لـTRT عربي أن هذه الظاهرة ساهمت في "عملية تهريب رؤوس الأموال من السودان، ما جعل الدولة تلجأ إلى طباعة أوراق نقدية بعد تراجع الاحتياطي النقدي للسودان"، مشيراً إلى أن "هذه العوامل وضعت العملة السودانية خلال تسع سنوات في وضع هو الأسوأ على الإطلاق، إذ شهدت خلال الشهر الماضي أكبر انخفاض لها في تاريخها في فترة وجيزة لم تتعدَ الأسابيع".

واعتبر سيد مبارك أن السودانيين وضعوا آمالاً كبيرة على حكومة الفترة الانتقالية في إصلاح عطب الإنتاج، لكن بعد عام لم يحدث ذلك، بل تعقدت المشكلة وتسارعت خطوات انهيار العملة المحلية، خاصة في ظل عدم وضوح رؤية الحكومة الاقتصادية التي بدت متخبطة بالصورة التي أغرت المضاربين في العملات الأجنبية.

التسلسل التاريخي لتراجع قيمة العملة في السودان

تراجع قيمة العملة المحلية السودانية ليس وليد اللحظة، فحسب مصطفى سيد مبارك بدأت "العملة السودانية في فقدان قيمتها عقب انفصال جنوب السودان في عام 2011، وبالتالي فقد السودان جزءاً كبيراً من عائدات النفط بسبب أن معظم الحقول أصبحت ملكاً لدولة جنوب السودان، ومنذ ذلك الوقت ظلت العملة في تدهور مستمر على الرغم من دخول الذهب كرافد مهم لبنك السودان من العملات الأجنبية".

وأضاف سيد مبارك: "وقد ازداد الوضع تعقيداً بسبب تراجع الصادرات في السلع الأخرى خاصة المنتجات الزراعية، وذلك بسبب الإهمال التام لها بعد ظهور النفط، حيث أصبح الإنتاج الزراعي بعيداً عن إدارة الدولة ورعايتها، فانخفض بشكل كبير، ثم أصبح جزء كبير منها يُدار بواسطة مافيا التهريب بما في ذلك الذهب، وترتب على ذلك أن صارت دول كثيرة حول السودان هي المصدر الرئيسي للمنتجات السودانية".

إهمال الحكومة السودانية السابقة للصناعات والقطاعات الأخرى، وتوغل مافيا التهريب، أديا إلى "تدهور كبير في الصادرات السودانية عاماً بعد الآخر، ولم تعد الصادرات تفي بحاجة البلاد من العملة الصعبة"، يقول سيد مبارك، موضحاً أنه بعد تفاقم أزمة العملة "بدأ التفكير في جذب تحويلات المغتربين السودانيين لتدخل في النظام المصرفي السوداني، ولكن على الرغم من المجهودات الكبيرة والحوافز لم تدخل تحويلات المغتربين في النظام المصرفي، بل لم تعد أغلبها تدخل البلاد من الأساس، بل يتم التحويل عن طريق تجار يحتفظون بالعملات الأجنبية في الخارج في حين يستلم المستفيد بالعملة السودانية في الداخل".

وفي ظل تراجع قيمة العملة المحلية مقابل الدولار وعدم توفر الدولة على العملة الأجنبية، "لم تعد قادرة على توفير عملات للمستثمرين في السوق السوداني منذ أواخر العام 2013، الأمر الذي جعل الدولة نفسها تشجعهم على اللجوء إلى السوق الموازي، خاصة بعد فشل دفع هذه الشركات إلى شراء أراضٍ واستثمارات محلية أخرى بأرباحها" يردف أستاذ الإعلام.

المصدر: TRT عربي