اعتلى الغنوشي أمس منصة البرلمان ليشرف على ترؤُّس الجلسة الافتتاحية للموسم النيابي الجديد الممتدّ على خمس سنوات القادمة.

لم يكُن انتخاب رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي -78 عاما- لرئاسة برلمان تونس بأغلبية ساحقة، حدثاً عاديا لقيادات النهضة وللطيف السياسي في تونس، بعد مسيرة مؤثّرة وفاعلة امتدت لعشرات السنين، واجه خلالها ابن مدينة الحامة بالجنوب التونسي أحكاماً بالمؤبَّد والإعدام من نظام بورقيبة وبن علي، وقضى جزءاً كبيراً من حياته في منفاه الاختياري ببريطانيا.

رئيساً للبرلمان لخمس سنوات قادمة

اعتلى الغنوشي أمس منصة البرلمان ليشرف على ترؤُّس الجلسة الافتتاحية للموسم النيابي الجديد الممتدّ على خمس سنوات قادمة، مؤدياً اليمين الدستورية، دون أن ينسى توجيه التحية إلى شهداء تونس ومناضليها ومساجينها السياسيين والمهجَّرين.

تحدث زعيم حركة النهضة في كلمته بتأثُّر بالغ عن الثورة التي حررت التونسيين من الاستبداد والطغيان وانتقلت بتونس إلى الديمقراطية، وهو الذي عاد بعد سقوط بن علي في 30 يناير/كانون الثاني 2011 من منفاه في بريطانيا حين كان مطارَداً من نظام المخلوع بن علي.

نجا الغنوشي سابقاً من مقصلة الإعدام في سبتمبر/أيلول 1987 حين طلب الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة تغليظ حكم السجن بالمؤبد بحقّه إلى الإعدام شنقاً بتهمة محاولة قلب نظام الحكم، وتم فعليّاً تقديم مشروع إعدامه لمجلس الأمة حينها، لكن وصول الرئيس المخلوع بن علي إلى الحكم عبر انقلاب ضدّ نظام بورقيبة في نوفمبر/تشرين الثاني من نفس السنة حال دون ذلك.

واصل الغنوشي خلال فترة حكم بن علي النشاط السياسي، صلب حركة النهضة، "الاتجاه الإسلامي" سابقاً، لكن طموحه إلى اعتلاء السلطة والمشاركة في الانتخابات قوبل برفض الرئيس بن علي الذي عمد إلى التضييق على نشاط الحركة والزجّ بقياداتها في السجون، ليقرّر الغنوشي مغادرة البلاد سنة 1989.

يُحسَب للغنوشي بعد الثورة من خصومه قبل أعدائه، دهاءه وحنكته، وقدرته على إدارة المعارك السياسية، عبر نهج التوافقات وترويض ألدّ أعدائه، لا سيما من الأحزاب الليبرالية، كما يقول كثيرون إنه جنّب البلاد وحزبه سيناريو الفوضى والتفكُّك الذي عمّ دولاً أخرى هبّت فيها رياح الربيع العربي على غرار مصر وليبيا وسوريا واليمن.

تتويج لمسيرة نضالية

"تتويج مستحَقّ لمناضل سياسي، واعتراف بالجميل من قيادات النهضة وجزء من مكونات الطيف الحزبي، لما قدّمه الغنوشي من تضحيات من أجل البلاد"، هكذا وصف النائب عن ذات الحركة الحبيب خذر انتخاب الغنوشي لرئاسة البرلمان بأغلبية 123 صوتاً من أصل 217، في تصريح لـTRT عربي.

خذر اعتبر أن اعتلاء الغنوشي رئاسة البرلمان يُعَدّ ترجمة لخيار حركة النهضة منذ انطلاقها في وضع أسس دستور ما بعد الثورة، وتبنيها نظاماً سياسيّاً شبه برلماني، يكون مركز الثقل فيه داخل مجلس النواب لا في رئاسة الجمهورية أو رئاسة الحكومة، بالتالي كان من الطبيعي أن يدير زعيم أول حزب متصدر للانتخابات التشريعية في البلاد نواميس العمل البرلماني.

وحول الإضافات التي يمكن أن يقدّمها زعيم الحركة للعمل البرلماني ككل، ذهب خذر إلى القول بأن الثقل السياسي والمكانة الوطنية والدولية التي يتمتع بها الغنوشي، ستساهم في إشعاع البرلمان التونسي محليّاً ودوليّاً.

الحكم من السر إلى العلن

قبول الغنوشي رئاسة برلمان تونس، وهو الذي سبق وأعلن رفضه لأي منصب سياسي، رآه كثيرون ليس فقط منسجماً مع ضرورات المرحلة التي تمرّ بها البلاد، بل أيضا لضمان تماسُك حركة النهضة التي عصفت بها رياح الخلاف والانشقاق منذ إعلانها عن أول انتخابات داخلية لاختيار مرشحيها للانتخابات التشريعية.

قيادات وازنة داخل حركة النهضة سبق أن أعلنت رفضها تَرؤُّس الغنوشي أي منصب سياسي بهدف الحفاظ على رمزيته النضالية والفكرية داخل الحزب وعدم الدخول في مواجهة مباشرة مع باقي الأحزاب، قد تسيء إلى شخصه ومكانته.

لكن يبدو أن الغنوشي قرّر الذهاب بعيداً في طموحه، مدفوعاً بشهوة السلطة، كما تقول قيادات نهضوية غاضبة، لينهي مسيرته السياسية رئيساً للبرلمان، خصوصاً أن المؤتمر القادم لحركة النهضة يمنعه حسب القانون الداخلي من الترشح مرة أخرى لتزعُّم الحركة، وهو ماجعله يبحث عن مخرج مشرف ينهي به مسيرة سياسية ونضالية امتدّت لعشرات السنين.

ويرى المحلل السياسي كمال الشارني، أن الغنوشي الذي ظلّ لسنوات ممسكاً بخيوط اللعبة السياسية في حزبه وفي إدارة حكم البلاد، ظلّت عينه على منصب قيادي في الدولة، مدفوعاً بنرجسية سياسية لا تغيب عن أي رجل سياسي يطمح إلى السلطة.

ولاحظ في حديثه لـTRT عربي أن ما كان يقف حائلاً دون مضيّ الرجل في تحقيق حلمه في السلطة، هو المناخ السياسي المتوتر، والصراعات الآيديولوجية التي خيَّمت على تونس لأكثر من خمس سنوات مضت، والتي انتهت باغتيالات سياسية وُجّهَت خلالها أصابع الاتهام إلى النهضة.

كما كان الغنوشي مدركاً، حسب ما ذهب إليه الشارني، أن خصومه السياسيين كانوا أكثر عدداً من حلفائه، لذلك فضّل التريث، واقتناص التوقيت الملائم، فضلاً عن أن موقعه الحالي في البرلمان يجعله متحكما من قرب في جميع كواليس العمل السياسي وتمرير التشريعات والقوانين التي ستكون تحت أنظار وتصرف البرلمان ونوابه.

يشار إلى أن التصويت للغنوشي جرى بعد توافق كتلته المتصدرة للمقاعد البرلمانية بـ52 مقعدا، وكتلة "قلب تونس" صاحبة المرتبة الثانية بـ38 صوتا، وائتلاف الكرامة بـ21 صوتا، إضافة إلى كتلة "الإصلاح الوطني" المكوَّنة من أحزاب ليبرالية.

المصدر: TRT عربي