تابعنا
لا تخلو الحياة السياسية من التنوع الذي يعد من جوهر الحياة البشرية، وعلى الرغم من أن التباين في المواقف والرؤى وفي المرجعيات الفكرية والأيديولوجية يمثل عامل إثراء للحياة السياسية، فإنه قد يهدد البناء الديمقراطي ويقوض مقومات الحوار والعيش المشترك.

وقد وضعت ثورات الربيع العربي تحقيباً جديداً للحياة السياسية في العالم العربي، فمن نظام شمولي دكتاتوري يقوم على فكرة وسيطرة الرجل الواحد أو الحزب الواحد، إلى نظام تعددي لكل فاعل فيه أو حزب سياسي رؤيته وصياغته لمفاهيم الممارسة السياسية وتصوره لتنزيلها واقعاً ملموساً، بدأت تتشكل ملامح الحياة السياسية، وهو ما تعيش إرهاصاته تونس مهد الربيع العربي منذ عقد من الزمن.

ملامح الاختلاف السياسي والأيديولوجي

إن من صميم الديمقراطية أن لا يستأثر طرف أو حزب نافذ بقرار، وأن تتساوى الحقوق للجميع في التعبير عن آرائهم، وأن لا يحدد المسار إلا بالتوافق بإجماع الأغلبية. ولا يتحقق ذلك إلا بقبول الجميع مبدأ الحوار والتفاعل الإيجابي والسلمي تحت مظلة الدستور الجامع لكل المكونات في المجتمع الواحد.

وقد عمد النظام الدكتاتوري في تونس قبل ثورة 2011 إلى اجتثاث المعارضين وسعى إلى تنميط المجتمع والحياة السياسية. وعلى الرغم من أن الثورة حاولت القطع مع ممارسات الاستبداد، تعود اليوم بعض الأصوات لتنادي بخطابات الدعوة إلى سياسة الإقصاء والتحريض على استبعاد طرف دون آخر من المشاركة السياسية.

فضلاً عن ذلك أدى التحول السياسي في تونس إلى استثارة الكثير من القضايا، منها مسألة الهوية، وبعض القوانين الإجرائية، وشكل النظام وصلاحيات الحكم، وبالتالي من الطبيعي أن تتباين المواقف وتتناقض وفق ذلك، ويعود ذلك غالباً إلى اختلاف أيديولوجي في جوهره ناجم بالأساس عن صياغة كل طرف للمفاهيم.

لكن لا يمكن إنكار أن المحاولات والسعي المستمر لبعض الفاعلين السياسيين والمتصدرين لمسؤوليات متقدمة في الحكم، للتفاوض والدخول في تحالفات والبحث عن أرضية مشتركة للحوار، ساهمت في إذابة الجامد من المواقف، لمحاولة العبور من ضيق الأيديولوجيا إلى سعة المسؤولية التي تقتضيها المرحلة.

واليوم وبعد 10 سنوات من الثورة، تعيش تونس تحت ضغط استحقاقات ثقيلة داخلية خاصة وإقليمية، تجعل من موضوع البحث عن الوفاق وتجاوز الخلافات وإطلاق حوار وطني شامل أمراً ملحاً لتحقيق المصلحة العامة.

ولكن هذا ما لم يدركه الحزب الدستوري الحر المناهض لثورة 2011 والمجاهر باستمرار بعدائه لحركة النهضة، وتعتبر رئيسته عبير موسي الشخصية الأكثر جدلية في تونس، وقد ساهمت في عدة مناسبات في تعطيل عمل البرلمان ومنعت رئيسه من الدخول وحضور عدة جلسات عامة، رافعة في آخر مرة لافتات تحت قبة المجلس تطالب بإغلاق مقر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في تونس، في وقت يتطلع فيه الشعب إلى إيجاد حلول اقتصادية واجتماعية عاجلة، وذلك بعد أن فاقم انتشار فيروس كورونا حدة الأزمة في تونس، ويعتبر مرد مواقف الحزب الدستوري أيديولوجياً بالأساس ولا يستند إلى أحكام موضوعية حسب ما أقره مراقبون ومحللون.

لم تكن هي المرة الوحيدة التي احتل فيها خصام وجدل سياسي أو أيديولوجي صدارة الاهتمام في التنازع بين الأحزاب وحتى بين مؤسسات الحكم منذ المصادقة على الدستور التونسي سنة 2014، عوض إيلاء الأهمية الأولى لإيجاد حلول عاجلة للأزمات.

وإن كان الصدام القائم زمن الاستبداد بين الأحزاب والسياسيين يأخذ غالباً منحى أيديولوجياً فإن المسؤولية الرسمية اليوم لجميع الأطراف بعد الربيع العربي غيرت من إحداثيات التفكير.

فكانت التعددية مبدأ وليداً للثورة، وخياراً ديمقراطياً لا يُستثنى فيه أي طرف سياسي مهما كانت خلفيته، وإن الانفراد بالسلطة يدفع البلاد في طريق العنف ويعدم الإرادة الشعبية.

وبالتالي لا معنى لإثارة قضايا المرجعيات والخلفيات في وقت لم يُستكمل فيه البناء الديمقراطي، ولم تتحقق فيه مطالب الشعب المنتفض في 2011.

وفي ذلك كتب رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي في نشرية "فورين أفيرز"

" لم نعد نرى النقاشات الأيديولوجية القديمة حول أسلمة المجتمع وعلمنته مهمة، أو حتى ذات صلة، ولم يعد التونسيون اليوم مهتمين بدور الدين، بقدر ما هم مهتمون ببناء نظام حكم ديمقراطي يسع الجميع، ويحقق طموحاتهم لحياة أفضل، وكونهم شريكاً ناشئاً في ائتلاف الحكم التونسي".

استفادت بعض الأطراف من حالة الإحباط التي يعيشها الشعب بسبب تأخر الإصلاحات وتحقيق المطالب، فقامت بمهاجمة المؤسسات الديمقراطية والمسؤولين المنتخبين والأحزاب السياسية، وعمدت إلى تعطيل عملهم.

لم يقتصر الخلاف والصراع على الكتل البرلمانية الحاكمة والمعارضة، بل تجاوزه إلى خلاف عميق بين مؤسسات الحكم، ساهم في عطالة سياسية، لم يتوصل أطرافها إلى اليوم إلى حل يقي من منعطفات حادة تمر بها تونس.

صرّح الرئيس التونسي قيس سعيّد في أكثر من مناسبة عن عدم اقتناعه بالنظام السياسي وبالدستور الحالي للبلاد، وبالبرلمان و الأحزاب السياسية (Others)

هل من أمل للحوار؟

إن فرص التوافق والحوار زمن الحرية أوفر لجميع الأطراف، وتتطلب جهداً كبيراً واستشعاراً للمسؤولية، باعتبار أن للحكم مقتضياته وإملاءاته.

لم تتمكن الثورة من إحراز التقدم المأمول منذ البداية، وتعثرت مسارات التحول الديمقراطي كثيراً، فإن كان الاختلاف ظاهرة صحية والتعدد فكرة حضارية، فإن الصدام المستمر وتغذية الخلاف مقوض أساسي اليوم للديمقراطية التي لا تزال ناشئة وحديثة في تونس.

ونظراً لأن الاستقرار السياسي أهم الدعائم اليوم للتمكن من القيام بإصلاحات جذرية، تدعو بعض الأحزاب والفاعلين السياسيين والوطنيين الذين جمعتهم التحديات إلى إطلاق مبادرات لحوار وطني يشمل الجميع.

فمن الثابت في التجارب والتاريخ أنه لا يمكن لأي طرف أن ينجح منفرداً في الحكم، بل إن في العمل المشترك بين جميع الفرقاء دعماً للوحدة الوطنية ومكسباً يعزز الثقة بين الجميع وبين الحاكم والمحكوم، ويتقدم بمساعي التغيير خطوات فارقة في عمر الانتقال الديمقراطي.

وبالتالي قد تتمكن مسؤولية الحكم ومقتضيات العصر من ترويض الأيديولوجيا وإيجاد مساحات توافق أوسع وإيقاف الصراع المحتدم الذي لا يستند إلى موضوعية.

فهل تتمكن جميع الأطراف من الالتفاف حول المصلحة العامة، والجلوس إلى طاولة الحوار تحت مظلة الدستور؟

TRT عربي