بعد القرار الإيطالي الذي اشترط أن تكون أعمار المصابين بفيروس كورونا لا تتعدى 80 عاماً كي يُسمَح لها بدخول المستشفيات، أصبحت أوروبا اليوم أمام رهانٍ أخلاقي كبير.

"كم هو مؤلمٌ أن يتسول الإنسان الحياة على أبواب المشافي والوطن، لست مهاجراً أبتغي الأمان في أراضي الغير، بل أنا ابن هذه الأرض ومعمّرها، أتسكّع اليوم لأستجدي النفس!".. هكذا عاتب التسعينيّ الإيطالي القرارات التي اشترطت أن تكون أعمار المصابين "بفايروس كورونا" لا تتعدى 80 عاماً كي يُسمَح لها بدخول المشافي، حسب الإعلام المحلي الإيطالي وإفادة إحدى ممرضات مشفى مدينة "بريشيا" لـTRT عربي.

وتابع التسعيني البسيط قوله لـTRT عربي: "لم يعد لدي ما أقدمه لكن أقسم أنّي ما بخلت يوماً وقدمت الكثير، وحتى اليوم إن كان موتي كفيلاً بإحياء غيري فلا مانع أن أتنازل عن سريري ليحيا الشباب!".

على الرغم من التسامح الذي أبداه التسعيني وتنازله عن حقه، لكن ألا تعتبر مثل هذه القرارات الرسمية انتحار اجتماعي على المستوى الأخلاقي وطعنة في ظهر الإنسانية؟! ألا يتوجب على كل دول الاتحاد والعالم أن يتكاتفوا أملاً في حماية هذا الإنسان المسن الذي لا يقلّ شأناً عن الشاب أو الطفل ما دام فيه عرق ينبض ونفس يصعد ويهبط؟!

ثمّ هل حقاً باتت تعاني أوروبا اليوم صراعاً داخل أبجديات منظومتها الأخلاقية والقانونية والسياسية لتنتصر المصالح وتكون القيمة والالتزامات الأخلاقية هي الحلقة الأضعف، وإلى أي مدى ربما يكون هذا التقاعس والتباطؤ تجاه المسن استراتيجية مقصودة بهدف إجهاض شريحة الكهول التي أثقلت اقتصادياً كاهل المارد الأوروبي -حسب محللين، أم أن لهذه الدول مبرراتها حقاً وليس بالإمكان أكثر مما كان؟!

لم يعد لدي ما أقدمه لكن أقسم أنّي ما بخلت يوماً وقدمت الكثير، وحتى اليوم إن كان موتي كفيلاً بإحياء غيري فلا مانع أن أتنازل عن سريري ليحيا الشباب.

إيطالي تسعيني

ارتجالية القرار

في سياق اتهام البعض لدول الاتحاد في الإقدام على تصفية كبار السن بـ"طريقة آمنة عن طريق استغلال انتشار فايروس كورونا" -حسب محللين، يستبعد محمد الحموي كيلاني الباحث المختص في علم الاجتماع ذلك بالمطلق.

وفي إفادته لـTRT عربي بيّن بقوله: "لا يمكن قياس الأمور بهذه الطريقة، فقرار الجهات الرسمية الإيطالية حول أولوية علاج الشباب على حساب شريحة كبار السن لا شكّ أنّها ارتجالية، أو ربما ناتجة عن خطأ في تسويق القرار وطرحه إعلامياً، إلّا أنّها بالتأكيد ليست نتاجاً لحالة لا إنسانية أو لا أخلاقية! الإشكال وما فيه هو عنصر المفاجأة واشتداد الكارثة الإنسانية التي واجهت الحكومة الإيطالية من دون سابق إنذار".

ويضيف المتحدث نفسه أنّه "من المعلوم أنّ طبيعة المجتمع الإيطالي لا تسمح بمثل هذه القرارات أن تمرّ البتّة، فهو يمتاز بعراقته وعلاقاته الاجتماعية والأسرية الفعالة التي تميّزه عن باقي دول القارة العجوز. إنّ هذه القرارات الارتجالية سيلفظها المجتمع عاجلاً غير آجل، بل أنا على ثقة بأن الحكومة ذاتها ستعيد النظر فيها عندما تخرج من حالة الصدمة الهستيرية التي تعيشها في ظلّ الكارثة!".

في حديثه إلى TRT عربي وبالسياق ذاته اعتبر الطبيب وسام عريان أحد أطباء مشفى "فير" الفرنسية، أنّ استراتيجية الأولوية المتّبعة في المشافي الإيطالية والتي اتخذت متغير العمر معياراً في تفضيل مريض على آخر أمر مبرَّر وطبيعيّ ومفهوم في إطاره العام أثناء الكوارث الإنسانية والحوادث الطارئة الشبيهة بأزمة فايروس كورونا، ومن الظلم محاكمة الإجراءات والقرارات المتخذة بناء على المعايير النظرية والمثالية، في حين أنّ العدالة تقتضي محاكمة هذه الإجراءات وفق معيار إدارة الكوارث وليس القانون والمثالية الأخلاقية!

لا شكّ أيضاً ومع العلم أن حالة الشيوخ المناعية تكون أقل من الشباب عادةً، لكن هذا لا يبرر إصدار قانون التفضيل الطبي بناء على معيار العمر الأقل!

وسام عريان، أحد أطباء مشفى "فير" الفرنسية

لكنّ المتحدث يضيف "لكن لا شكّ أيضاً ومع العلم أن حالة الشيوخ المناعية تكون أقل من الشباب عادةً، لكن هذا لا يبرر إصدار قانون التفضيل الطبي بناء على معيار العمر الأقل! فهذا عمل لا أخلاقي واستهانة بالمسنين أي بشريحة كبيرة من المجتمع الأوربي، من جانب آخر ربما يكون إنسانٌ مسنٌ لكنّ حالته الصحية ممتازة جداً، وعليه ربما يكون كحالة مرضية أفضل من شاب يعاني ما يعانيه، وفي هذه الحالة ومن منطلق إنساني في حال نقص المعدات المتاحة يقدَّم في إطار إدارة الكوارث والأزمات الطبية المسن على الشاب بسبب حالته وليس عمره!، وهذا ما أغفله قانون الطوارئ الطبي الإيطالي الذي لا بدّ من مراجعته وتعديله على الفور!".

انسلاخ القيم عن السياسة

في حديثه إلى TRT عربي عزا البروفيسور عبد الرزاق بلعقروز رئيس قسم الفلسفة في جامعة سطيف الجزائرية، أزمة القيم في الحضارة الغربية إلى المبادئ الكبرى التي انطلقت منها الحداثة الأوروبية.

ويوضّح بلعقروز "من المعلوم أنّ حركة الحداثة تحتوي على شق فكري وآخر اقتصادي وشق سياسي، أما بالنسبة إلى الشق الاقتصادي فإنّه ينطلق من مبدأ فحواه أنه لا مكان للقيم في عالم الاقتصاد، بمعنى أن الاقتصاد أسلوب منفعي هدفه الربح والمنفعة البحتة من دون أن يأبه بخدمة الإنسان أو الحفاظ على النفس الإنسانية. أما المبدأ الثاني المرتبط بالسياسة، فيقوم في أساسه على أنّه لا قيم في السياسة، فالسياسة معيارها المنفعة والذهنية الميكافيلية القائمة على أنّ الغاية تبرر الوسيلة، لذا فالسياسة الأوروبية محكومة بالمصلحة المادية الضيقة والمعطِّلة بدورها للقيم الإنسانية، وهكذا نرى أنّ سبب انسلاخ القيم الإنسانية عن العمق الأوروبي يرجع إلى هذين المبدأين".

وعليه دعا البروفيسور بلعقروز السياسة الأوروبية في إفادته لـTRT عربي، إلى ضرورة عقلنة الاقتصاد والسياسة بإضفاء بُعد القيم الإنسانية على واقع الحداثة الأوروبية مؤكداً أنّ "ربط الأخلاق بالاقتصاد لا يعني التقليل من حيويته، بل يقوم بإعطائه بعداً آخر، فالاقتصاد في أصله إن هو إلا فرع من فروع من أخلاق".

نحن لا نتفق مع سياسات أوروبا في التعاطي مع العجزة فهم سرّ سعادتنا سواء في الدنيا أو الآخرة!

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

في السياق ذاته، أكّد محمد الحموي كيلاني المختص في علم الاجتماع في إفادته لـTRT عربي، أنّ أوروبا تعاني من آفة "التفكك الاجتماعي وسيطرة السلوك المادي النفعي على الحياة الاجتماعية بشكل عام"، لذا لم يستبعد كيلاني "احتمالية استنساخ السلوك الحكومي الإيطالي تجاه المسنين في أماكن أخرى داخل الاتحاد الأوروبي!"، لكنّه أشار في الوقت ذاته إلى أنّ دول الاتحاد رغم كل ذلك تبقى تحت سقف القانون، وعلى المدنية الأوروبية إثبات ذاتها وحراسة دساتيرها وقوانينها وأخلاقياتها من جشع السياسة والسلوك النفعي، وعليها أن لا تسمح للساسة بالعبث واتخاذ قرارات ارتجالية من شأنها الإساءة إلى قداسة الإنسان، بخاصة أنها خارج صلاحياتهم!. فكل الناس سواسية في الحقوق بغض النظر عن جنسهم أو أعمارهم أو أعراقهم!".

أردوغان لا يعقُّ آباءه

في خطابه الأخير انتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تعاطي السياسة الأوربية مع المسنين قائلاً: "نحن لا نتفق مع سياسات أوروبا في التعاطي مع العجزة فهم سرّ سعادتنا سواء في الدنيا أو الآخرة!"، مشيراً أثناء الخطاب الذي ألقاه في 18 مارس/آذار 2020 إلى أنّ تركيا ستولي العجائز اهتماماً خاصاً يليق بمكانتهم الاجتماعية والوطنية وعلى الفور "ستُوزَّع المعقمات والكمامات بشكل مجاني على كبار السن الذين تتجاوز أعمارهم 65 عاماً"، بالتوازي مع ذلك "سيُرفع الراتب التقاعدي إلى 1500 ليرة".

هذا وفي حديثه إلىTRT عربي أرجع أحد المسنين الأتراك سلوك الرئيس التركي في التعاطي الإيجابي مع كبار السن إلى ما وصفه بـ"سيادة القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية في الحياة الاجتماعية والسياسية التركية، الأمر الذي ميّز بدوره الحضارة التركية الحديثة عن الحضارات المعاصرة الأخرى"، مضيفاً لـTRT عربي: "إن رجب طيب أردوغان ولدُنا والابن الصالح لا يمكن أن يعقَّ أباءه!".

المصدر: TRT عربي