ترى تركيا أن المواقف الرسمية الصادرة عن اليونان فيما يتعلق بامتلاك الجزر بالكامل لجرف قاري ومنطقة اقتصادية بغض النظر عن حجمها، مواقف متناقضة وغامضة.

سلّطت اكتشافات موارد الطاقة في السنوات الأخيرة شرق البحر المتوسط، وتزايد التنافس مع اهتمام الدول ببسط نفوذها بالمنطقة، الضوء مرة أخرى على خلاف قديم بين تركيا واليونان ممتد منذ الستينيات على ترسيم الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية الخالصة، حيث تختلف مقاربة تركيا الحقوقية حول ترسيم الحدود البحرية عن المقاربة اليونانية.

تعتمد اليونان في مطالبتها على أن جزرها الصغيرة الموجودة في بحر إيجة تعتبر "كالبرّ الرئيسي"، وعليه فلا بد أن يتم تطبيق مبدأ "خط الوسط" للجزر أيضاً في تحديد "الجرف القاري" (يتعامل مع قاع البحر وما يقع تحته من ثروات، 200 ميل بحري وفي بعض الحالات 350 ميلاً بحرياً)، و"المنطقة الاقتصادية الخالصة" (تشمل عمود المياه من السطح حتى القاع، وهي منطقة تمتد مسافة 200 ميل بحري من خط الأساس).

وبالتالي تعترض اليونان على قيام السفن التركية بالتنقيب في منطقة الجرف القاري التي تزعم أنها خاصة بها، رغم أن مسألة خط الوسط لا تعتبر قاعدة أساسية في القانون الدولي، بل إن القاعدة الأساسية هي مبدأ "التقاسم العادل" أو بصيغة أخرى مبدأ "الإنصاف".

اقرأ أيضا:
فرنسا وسياسة صب الزيت على النار في شرق المتوسط

ووفقاً لمبدأ "الإنصاف" فإن الجزر تعطَى مساحة أقل مقارنة باليابسة، وهنا تدخل عوامل عديدة في الاعتبار من حيث مساحة الجزر، وطول جبهاتها، وبعدها عن اليابسة، وكونها مأهولة بالسكان من عدمه. وهذا هو الأمر الذي تطالب به تركيا التي تحبسها الرواية اليونانية في شريط مائي ضيق قرب البر التركي.

وهنا فإن الرواية التركية تعتبر أن امتلاك جزيرة مثل جزيرة كاستيلوريزو أو مييس التي تعد مساحتها أقل من 10 كيلومترات مربعة، وتبعد مسافة كيلومترين عن تركيا و580 كيلومتراً عن البر الرئيسي لليونان، لجرف قاري بمساحة 40 ألف كيلومتر مربع، لا يعد طرحاً منطقياً أو قانونياً.

وترى تركيا أن المواقف الرسمية الصادرة عن اليونان فيما يتعلق بامتلاك الجزر بالكامل لجرف قاري ومنطقة اقتصادية بغض النظر عن حجمها، مواقف متناقضة وغامضة، وتستشهد أنقرة مقارنة بقيام أثينا بترسيم حدود المناطق الاقتصادية مع إيطاليا جنوب مضيق أوترانتو أو البحر الأيوني مؤخراً في يونيو/حزيران 2020، والتي أعلنت بعدها اليونان أنها اتفاقية شبيهة باتفاقية 24 مايو/أيار1977 لتحديد الجرف القاري بين البلدين، حيث تبين في هذه المعاهدة أن اليونان وافقت على نفوذ محدود لعدد من الجزر بدلاً من النفوذ الكامل الذي تتبناه مع تركيا.

اقرأ أيضا:
القوات البحرية التركية واليونانية.. لمن تميل موازين القوى شرقي المتوسط؟

وكما يقول أستاذ القانون الدولي في جامعة يلدرم بيازيد يوجال أجار، فإن موقف اليونان هنا مهم جداً إذ يؤكد أن اعتماد خط الوسط ليس مبدأ إلزامياً من أجل ترسيم الحدود في حال الظروف الخاصة، وأن المبدأ الأساسي كما ذكرت محكمة العدل الدولية هو مبدأ "الإنصاف" وليس "خط الوسط".

وفي حال قبول الدولتين "خط الوسط" والتوافق على أساسه فإنهما تقبلان به لكونه كان عادلاً للطرفين، فيكون الترسيم قد جرى وفق مبدأ "الإنصاف".

وفوق ذلك فإن تحديد السيادة على الجزر يختلف قانونياً عن الحق الذي يعطيه القانون للجزر في مساحات الجرف القاري، وهنا يقول الدكتور هاكان كاران مدير مركز البحث وتطبيق القانون البحري التابع لجامعة أنقرة إن القانون الدولي في موضوع الجزر البعيدة عن أراضي الدولة له تأثير ضئيل في وضع الحدود.

ولعلنا هنا نشير أيضاً إلى أن اتفاق 1982 الذي استحدث بعض الأحكام التي تخالف اتفاقية جنيف عام 1958، ولكنه لم يكن ناجحاً في إيجاد حلول، كما كانت صياغاته غامضة ومعقدة، وهو الأمر الذي دفع تركيا إلى عدم التوقيع عليه، وهنا تبرز أهمية الاستناد إلى التحكيم الدولي، أولاً لاختلاف الحالات وخاصة في الشواطئ المتقابلة وعدم إمكانية تطبيق القوانين على كل الحالات، وثانياً لأن المحاكم الدولية تتبع مبادئ العدالة والإنصاف مستندة إلى القانون العرفي الدولي والاتفاقيات المصادق عليها من الدول.

وفي هذا السياق أيضاً تستند تركيا في روايتها القانونية إلى عدة حالات مشابهة تم صدور قرارات فيها من قبل محكمة العدل الدولية، مثل قرار المحكمة حول النزاع بين رومانيا وأوكرانيا على تقييد جزيرة الأفاعي، وهي تعود لأوكرانيا لكنها قريبة من الأراضي الرومانية. ولعل أهم ما جاء في قرار المحكمة حول جزيرة الأفاعي، عام 2009، هو تأكيد أن الجزيرة لا يمكنها المطالبة بجرف قاري أو منطقة اقتصادية خالصة بمفردها.

كما رفض التحكيم الدولي، في 1969، منح الجزر الخاضعة لبريطانيا قرب البر الفرنسي في القناة الإنجليزية "جرفاً قارياً"، وإنما منحها مياهاً إقليمية وحسب، في حين تم تقسيم القناة بين البلدين بشكل متوازن. ورغم تأكيد القضاء الدولي سيادة صنعاء على جزر "حنيش"، جنوب البحر الأحمر، إثر نزاع شمل قتالاً مباشراً بين قوات يمنية وأخرى إريترية، عام 1995، فإنه حكم أيضاً لمصلحة أسمرة فيما يخص الترسيم البحري.

كما أن محكمة العدل الدولية راعت في حكمها في قضية الجرف القاري بين ليبيا ومالطا عام 1985 عدة نقاط، وأهمها تعيين الحدود وفق مبادئ الإنصاف، والفرق بين طول ساحلي الطرفين.

وبموجب المادة 76 من قانون البحار يشمل الجرف القاري لأي دولة ساحلية "قاع وباطن أرض المساحات المغمورة التي تمتد إلى ما وراء بحرها الإقليمي في جميع أنحاء الامتداد الطبيعي لإقليم تلك الدولة البري حتى الطرف الخارجي للحافة القارية، أو إلى مسافة 200 ميل بحري من خطوط الأساس التي يقاس منها عرض البحر الإقليمي إذا لم يكن الطرف الخارجي للحافة القارية يمتد إلى تلك المسافة". وفي حالة كانت الحافة القارية للدولة الساحلية تمتد إلى أبعد من 200 ميل بحري، فتحدد المعاهدة مسافة الجرف القاري في هذه الحالة إلى 350 ميلاً.

و"عندما تتوصل الدول إلى اتفاق يكون لها الحرية لاختيار الطرق التي تستخدمها، وإذا تم تقديم القضية إلى محكمة دولية أو هيئة تحكيم دولية فيجب الاعتماد على مبدأ الإنصاف لترسيم الحدود البحرية"، وذلك وفقاً لما قالته الخبيرة في قانون البحار نيله ماتس لوك، ولهذا فإن الطريق الأنسب في ظل التعقيدات والتفسيرات للاتفاقيات البحرية هو التفاوض بين تركيا واليونان لإيجاد حل منصف وفق مبادئ القانون، وهو ما قامت به اليونان مع إيطاليا، ولهذا يطرح السؤال نفسه لماذا لا تقوم اليونان بالأمر ذاته مع تركيا؟ خاصة أن تركيا لن تقبل بحال من الأحوال الحلول غير المنطقية التي تحاصرها من خلال إعطاء جزر بعيدة عن سواحل رئيسية مئات الكيلومترات دون اعتبار لبرها الرئيسي، وإلى حين التوصل إلى اتفاق بين البلدين فإن أنقرة ستدافع عن حقوقها البحرية بخطوات حازمة، وستمنع أثينا من توسيع جرفها القاري من خلال رؤية أحادية.

المصدر: TRT عربي