إنتاج السلاح والغذاء والدواء ثلاثة أعمدة رئيسية لكسر التبعية والهيمنة وتحقيق الاستقلال الحقيقي، الذي يعزز مكانة الدولة، ويدعم توسعاتها الاقتصادية.

تكتسب صناعة السلاح أهمية كبرى في خضم الصراعات التي يشهدها العالم، حيث بات امتلاكه أمراً بالغ الأهمية للدول ليس فقط من أجل أمنها القومي ودعم قدراتها الدفاعية، بل من أجل الحفاظ على مكتسباتها الاقتصادية وسيادتها، لا سيما في ظل إرهاصات التغيرات الكبرى المتوقعة في خرائط توزيع النفوذ العالمي، أو حتى التغيرات المتوقعة في سوق إنتاج الأسلحة وتصديرها خلال العقد القادم.

وتتعدى مكاسب نهضة الصناعات الدفاعية التركية النواحي الاقتصادية الاعتيادية الناتجة عن عوائد الصادرات بالعملات الأجنبية وتشغيل العمالة واكتساب الخبرات، إلى مكاسب أخرى على رأسها تدعيم مكانة الدولة التركية كقوة اقتصادية كبيرة، وتوطين تكنولوجيا تلك الصناعات على الأراضي التركية، فضلاً عن دعم القوى الناعمة التركية بالعمل على بناء شبكات من العلاقات وتقوية الحلفاء عبر إمدادهم بأسلحة تهيمن على صناعاتها قوى دولية، ممَّا يعمل على توفير هامش واجب لاستقلالية القرار السياسي، وتمدد دوائر التفاعل والنفوذ.

للمزيد يمكنك قراءة
مع افتتاح المدينة الطبية الجديدة في إسطنبول.. كيف يبدو القطاع الصحي بتركيا؟

كما يساعد التوسع في الإنفاق على تطوير الأسلحة على تطوير مراكز الأبحاث بالإضافة إلى دعم البحث العلمي في الجامعات، ويسهم كذلك في تطوير عدد كبير من المنتجات والتقنيات التي سرعان ما تنتقل تطبيقاتها إلى الاستخدامات المدنية، ومن أبرز تلك المنتجات تقنيات الحاسب الآلي، والإنترنت، والطيران، والاتصالات، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وعدد كبير من الصناعات والمنتجات، وهي التطبيقات التي نشرت وعمقت المعرفة، علاوة على زيادتها لرفاهية البشر وزيادة الإمكانية والأمان في وسائل اتصالهم.

وحققت تركيا قفزات ملحوظة في صادرات الصناعات الدفاعية إذ بلغت صادراتها 2.2 مليار دولار عام 2018، بنسبة زيادة بلغت 17% عن العام السابق، وتزايدت إلى 3 مليارات دولار بنهاية عام 2019، وهو الرقم الذي أهل أنقرة لتشغل المرتبة رقم 14 بين العواصم الأكثر تصديراً للأسلحة في العالم، وفق تقرير "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)"، الذي أشار كذلك إلى أن صادرات الأسلحة التركية ارتفعت بنسبة 170% خلال السنوات العشر الماضية.

ولا تقف الطموحات التركية عند هذا الحد، بل تهدف أنقرة إلى رفع سقف صادراتها الدفاعية والفضائية إلى 25 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2023، مدعومة بجهود حثيثة تبذلها الشركات التركية لتطوير أنظمة دفاعية وأسلحة موجهة دقيقة.

للمزيد يمكنك قراءة
كيف تسعى تركيا إلى إعادة انعاش اقتصادها على إثر تفشي كورونا؟

وتشير الإحصاءات إلى انخفاض واردات الأسلحة التركية خلال الفترة ما بين عامي 2015 و2019 بنسبة 48٪ مقارنة بخمس سنوات سابقة، بالرغم من حربها للمنظمات الإرهابية مثل داعش وPKK، وعملياتها في كل من سوريا لتوفير مناطق آمن للمدنيين وليبيا لدعم الحكومة الشرعية في طرابلس.

وأصبح من اللافت للانتباه أن العديد من المنصات التي تدخل الخدمة حالياً في القوات المسلحة التركية إما مُنتَجَة بموجب رخصة أو مستوردة، لكن وفقاً للمؤشرات الحالية، يُتَوَقَّع أن ترتفع نسبة المنصات المنتجة محلياً على مدار العقدين المقبلين، وربما تشق بعض هذه الأنظمة طريقها نحو التصدير.

ويدلل على جودة الصناعات العسكرية التركية شغل الولايات المتحدة الأمريكية لمركز المستورد الأول للأسلحة من تركيا، تليها ألمانيا ثم سلطنة عمان في المركز الثالث، فضلاً عن الطفرة الكبيرة في الصادرات إلى دول صديقة مثل قطر. حيث بلغت قيمة صادرات تركيا من الصناعات الدفاعية والجوية إلى قطر، 138 مليونا و753 ألف دولار منذ مطلع العام الحالي، محققة زيادة بنسبة 1336.6 بالمئة مقارنة بالعام الماضي.

كما باعت تركيا مئات المدرعات المضادة للألغام من طراز كيربي إلى تونس وتركمانستان، وصدَّرت حاملات جنود مدرعة من طراز كوبرا إلى دول مثل البحرين، وبنغلاديش، وموريتانيا، ورواندا، كما اتفقت تركيا وأوزبكستان على إنتاج ألف مدرعة من نوع التنين على الأراضي الأوزبكية، وهو ما يسهم في انفتاح الصناعات الدفاعية التركية على الأسواق الآسيوية.

وطبقاً لدراسة نشرها مركز ستراتفور للدراسات فان الإحصائيات الرسميَّة التركية تشير إلى أن الصناعات الدفاعية التركية المحلية باتت فعلياً تلبِّي 70% من متطلباتها العسكرية، مقارنة بحوالي 20% فقط عندما صعد حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2003، ممَّا جعلها أكثر قدرة على مواجهة حظر الأسلحة، ومكنها من الظهور بقوة والاستعداد للبقاء، بعد أن خاضت تجربة مؤلمة في عمليات الحظر التي كان آخرها الحظر الأروبي والأمريكي من جراء عملية نبع السلام في الداخل السوري، وهو الأمر الذي يوضح استقلالية القرارين السياسي والاقتصادي التركي.

ولم تكن تركيا بعيدة عن تحليل الاتجاهات العامة لمستقبل صناعة الأسلحة، التي تشير إلى سيادة العمليات السيبرانية في المواجهات العسكرية مستقبلاً، كبديل للعمليات العسكرية التقليدية، حيث أعلنت عن مشروع لتجهيز مليون مطور برمجيات على مدار 3 سنوات، تمهيداً لإلحاقهم بقطاعَي العمل العام والخاص، كما افتتحت "المركز الوطنيّ الإرشادي للأمن السيبرانيّ"، وافتتحت مؤخراً أول مدرسة ثانوية متخصصة في الأمن السيبراني أو أمن المعلومات.

إنتاج السلاح والغذاء والدواء ثلاثة أعمدة رئيسية لكسر التبعية والهيمنة وتحقيق الاستقلال الحقيقي، الذي يعزز مكانة الدولة، ويدعم توسعاتها الاقتصادية، ورغم الخطوات الجادة التي خطتها الدولة التركية في مجال إنتاج الأسلحة، فإنه يجب تأكيد أنها خطوات مبدئية تحتاج إلى تضافر الجهود والعقول الوطنية لترسيخ الأقدام وتحقيق الطفرات التي تتلاءم مع تنامي الأدوار التركية اقتصادياً وسياسياً.

المصدر: TRT عربي