يتّجه النظام السوري إلى إطلاق الانتخابات الرئاسية في البلاد، دون مشاركة غالبية السكان، حيث تُقدّر النسبة التي تقطن المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري حوالي 28% فقط من إجمالي المواطنين السوريين الذين بلغ عددهم مع حلول العام الحالي 26.4 مليون نسمة.

أشارت دراسة صادرة عن مركز جسور (مركز دراسات سياسية واستراتيجية سوري) في 25 مارس/آذار الماضي، أنّ عدد السكان المقيمين حالياً ضمن المناطق التي يحكمها النظام السوري لا يتجاوز 9.4 مليون نسمة، فقد غادر البلاد ما يزيد عن 8.4 مليون نسمة منذ عام 2011 وحتى يومنا هذا.

يقيم في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية أكثر من 4 ملايين نسمة، ويبلغ عدد السكان في المنطقة الخاضعة لسيطرة تنظيم YPG الإرهابي حوالي 3 مليون نسمة.

تشير هذه الأرقام بوضوح إلى أنّ العملية الانتخابية المزمع إجراؤها المقصود منها الناحية الشكلية لا أكثر، بهدف تثبيت الواقع الحالي بحكم القوة التي يتمتع بها النظام السوري جراء القبضة الأمنية والدعم اللامتناهي من روسيا وإيران سواء عبر الجو أو من خلال المرتزقة على الأرض.

إكمال المسرحية الانتخابية معروفة النتائج مسبقاً اقتضت إعلان مرشحين سينافسون بشار الأسد ظاهرياً على الرئاسة وهم: المحامي عبد الله السلوم المنحدر من مدينة دمشق، ورجل الأعمال الدمشقي محمد ياسين رجوح، بالإضافة إلى الشابة فاتن نهار النازحة من هضبة الجولان المحتلة.

تعدّ الأسماء التي أعلن عنها برلمان النظام السوري ذات دلالات إعلامية مقصودة، فمن الواضح أنّ النظام الأمني القائم على الطائفية يريد نفي صفة الطائفية عنه من خلال ترشيح أسماء دمشقية تنتمي إلى الأغلبية السنية، ويحاول إظهار وجه ديمقراطي وحضاري أمام المجتمع الدولي بفتح المجال للترشّح أمام شابة صغيرة في السن، وهي بالأصل نازحة في مشهد يُراد منه التأكيد على عدم وجود فروقات بين طبقات الشعب السوري وهذا بطبيعة الحال وبحكم الواقع غير دقيق.

على الأرجح فإنّ النظام السوري سيُعلن فوز بشار الأسد لكن بنسبة ليست كبيرة قد لا تتجاوز 75%، على عكس المعتاد خلال العمليات السابقة التي كانت نتيجة الفوز فيها تتخطى حاجز 90%، بل إنّ نظام الأسد قبل اندلاع الثورة لم يكن يُتيح المجال أصلاً للانتخابات، وكان يُجري عملية استفتاء على شعبية بشار الأسد تصل نتيجة الموافقين على توليه الرئاسة إلى 99%!

لا يقتصر إعلان النظام السوري موعد الانتخابات على الرسائل الإعلامية، بل يبدو أن هناك دوافع سياسية دفعته ومن خلفه روسيا إلى إطلاق السباق الرئاسي.

خلال الجولة الخامسة عشر من مسار أستانا، والتي انعقدت في "سوتشي" الروسية شهر فبراير/شباط 2021، ألمحت روسيا لوفد المعارضة السورية أنّها جاهزة لمنع النظام السوري من إطلاق الانتخابات الرئاسية، في حال استجابت المعارضة للعملية السياسية التي ترعاها موسكو، وملخّصها هي كتابة دستور جديد وفق الرؤية الروسية، ثم إعلان انتخابات برلمانية ورئاسية لا تشترط عدم مشاركة بشار الأسد، إلا أنّ المعارضة السورية والدول الداعمة لها لم تُبدِ موافقة على هذا المقترح على اعتبار أنه يعني شيئاً واحداً، وهو جعل سوريا رهينة بيد الدول المساندة لنظام الأسد، وعدم وجود أي ضمانات على أن تكون الانتخابات حرة ونزيهة وتعبر عن إرادة السوريين.

أيضاً فإن المساعي الروسية الهادفة إلى إقناع الدول المانحة خاصة دول الخليج والاتحاد الأوروبي بتسهيل عودة اللاجئين، وتمويل عملية إعادة الإعمار لم تفضِ إلى نتيجة، كما أنّ جهود موسكو الخاصة بإعادة تطبيع العلاقات بين النظام السوري والدول العربية اصطدمت بمعارضة العديد من الدول داخل الجامعة العربية.

ومن الواضح أنّ موسكو أيضاً فشلت في تغيير موقف أنقرة المنحاز إلى الشعب السوري، والمعارض لتعويم النظام مجدداً، حيث رفضت تركيا في شهر مارس/آذار الماضي مقترحاً روسياً بفتح معابر تجارية بين المناطق التابعة للمعارضة السورية شمال غرب البلاد، والمناطق التي تخضع لسيطرة النظام، إذ إنّ هذا المقترح من شأنه أن يعطي متنفّساً للنظام الذي يعاني ضغط العقوبات، وتململاً مِن الحاضنة التي ساندته على مدار السنوات الماضية.

على الصعيد الدولي فإنّ التوتر بين واشنطن والاتحاد الأوروبي وموسكو، والذي ظهرت ملامحه في الأزمة الأوكرانية مؤخراً، كشف عن توجهات أمريكية للعمل على الحد من النفوذ الروسي، الذي تنامى أيضاً في ليبيا خلال العامين الماضيين، وبالتالي فإنّ موسكو تستشعر رغبة أمريكية بتقليم أظافرها على الساحة الدولية، وسوريا لن تكون بعيدة عن الصراع.

إنّ المعطيات السياسية السابقة كلها، تجعل مِن تحديد موعد الانتخابات الرئاسية مناسبة للتأكيد الروسي على أنها غير مستعدة للتخلي عن بشار الأسد وإجراء تغييرات سياسية حقيقية دون حصولها على مكاسب، وضمان إقرار دولي بأنّ سوريا منطقة نفوذ روسية، وبشكل شرعي وليس مجرد انتشار عسكري كأمر راهن يعارضه المجتمع الدولي.

ويبدو أنّ النظام السوري ومن خلفه الدول المساندة له (روسيا–إيران)، يريدون إعطاء رسالة واضحة بأنهم أغلقوا الباب أمام المسار السياسي، وأنّ عملية الاحتفاظ بنظام بشار الأسد مستمرة، بانتظار أن يصبح المجتمع الدولي جاهزاً لتقديم صفقة مناسبة من وجهة النظر الروسية والإيرانية.

من الواضح أنّ بشار الأسد بالنسبة لروسيا قد تحوّل إلى ورقة تفاوضية، الهدف منها البحث عن صفقة رابحة مع الدول الفاعلة في الملف السوري، خاصة تركيا والولايات المتحدة الأمريكية، وهما الدولتان المؤثّرتان في كلٍّ مِن شمال غرب سوريا وشمال شرقها، والصفقة السياسية الرابحة بالنسبة لموسكو هي تلك التي تقرّ بنفوذها على السواحل السورية المطلة على البحر المتوسط، وأيضاً داخل المؤسسة العسكرية المستقبلية في سوريا لأنّ هذا فيه ضماناً لحماية قواعدها العسكرية، لكنّ هذا الأمر لا ينطبق على إيران التي يبدو أنّها لا تزال تتمسك ببشار الأسد كشخصية تضمن لها مصالحها واستمرار تغلغلها ضمن أجهزة الدولة والمؤسسات الرسمية.

TRT عربي