بعد أن أصبحت سيطرة حركة طالبان على مقاليد الحكم في أفغانستان أمراً واقعاً، بات يتعين على القوى الدولية المتنافسة فيما بينها أن تبدي موقفاً من ذلك، وترسم مسارات لسياساتها الخارجية وفقاً لذلك، بعد أن تحرت التحفظ في تصريحاتها خلال الساعات الأولى.

منذ عام 2001 أصبحت أفغانستان منطقة نفوذ وسيطرة للولايات المتحدة الأمريكية في آسيا، وذلك بعد أن قررت التدخل العسكري وإرسال قوات مدججة بالسلاح تحت راية محاربة الإرهاب، عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول.

إلا أن الحرب طويلة الأمد التي كلفتها ترليونات الدولارات وآلاف الأرواح وأرهقت كاهل الخزانة الأمريكية لأجيال قادمة، وغرقت في أوحالها الحكومات المتعاقبة، جعلت من الولايات المتحدة مدفوعة إلى اتخاذ قرار الانسحاب. وبمجرد أن بدأت تدريجياً في سحب قواتها العسكرية، تمكنت حركة طالبان من دخول عدة مدن أفغانية وتقدمت إلى العاصمة كابول ونجحت في الاستيلاء على السلطة في وقت قصير وبشكل سلمي.

وعلى عكس الدول الغربية التي أطلقت صيحات فزع من عودة طالبان مستعيدة مشاهد قمع الحريات السابقة، والخوف من عواقب وخيمة على المنطقة، فقد أبدت موسكو وبكين ردوداً ودية، وطرحت إمكانية التحاور مع الفاعل الجديد في أفغانستان، وربما لملء فراغ الولايات المتحدة، منافسها الأول.

بكين تسعى لملء الفراغ

تكتسب أفغانستان أهمية كبرى انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي، حيث إنها تقع في نقطة ساخنة تربط الشرق الأوسط ووسط وجنوب آسيا وأوروبا.

و تتشارك الصين مع أفغانستان في حدود طولها 70 كيلومتراً تقريباً من الجهة الشمالية الشرقية، وهي حدود مع منطقة شينجيانغ ذات الأغلبية الإيغورية المسلمة، والتي تخشى بكين أن تتحول إلى منطقة توتر تقوض أمنها واستقرارها وتهدد مصالحها الاقتصادية، إذا ما قررت طالبان تقديم المساعدة لجماعة الإيغور.

ومن جانب آخر، فقد أطلقت الصين منذ فترة مبادرة "الحزام والطريق" وهي عبارة عن مشروع ضخم للتجارة والبنية التحتية لربط آسيا بأوروبا من خلال سلسلة من الموانئ وخطوط السكك الحديدية والطرق. وتراهن بكين على نجاحه وتحقيق انتعاشة اقتصادية كبرى لها، ولذلك فإنها ربما ستسعى لاحقاً في تقديم مجموعة من الحوافز الاقتصادية وتبدي نوعا من التعاون مع طالبان لكي تدعمها في هذه المبادرة.

وفي سياق متصل، كشفت عدة تقارير حجم الثروة المعدنية من خام الحديد والنحاس والليثيوم والكوبالت ومعادن أخرى، التي تزخر بها أفغانستان وتقدر بحوالي ترليون دولار، ويمكن أن تتضاعف قيمتها من خلال توسيع أنشطة التعدين واستخراج المعادن. ويشير في ذلك خبراء ومحللون إلى أن "سيطرة طالبان على أفغانستان تزامنت مع نشوب أزمة في المعروض من هذه المعادن في المستقبل المنظور فيما تحتاج الصين إلى هذه المعادن.. ويبدو أن الصين بدأت تخطو خطواتها داخل أفغانستان من أجل تعدين هذه المعادن".

وبالتالي، فإن هذه المصالح المتقاطعة بين البلدين، قد تفسر حالة الاحتفاء الذي أبدته بكين حين انسحاب الولايات المتحدة، التي تزاحمها في بسط نفوذها في منطقة حيوية كأفغانستان.

وفي الإطار ذاته، استقبلت الصين وفوداً من طالبان وكثفت الحوارات معها منذ عام 2019، وآخرها اللقاء الرسمي مع لوانغ يي وزير الخارجية الصيني الشهر الماضي، والذي عبرت فيه عن سعيها لتطوير علاقات جيدة. وعقب إعلان استعادة طالبان للحكم، أعلنت دعمها لخيارات الشعب الأفغاني.

روسيا تتخلص من منافسها في آسيا

رغم أنه لم تعد تربطها حدود جغرافية بروسيا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، إلا أن أفغانستان لطالما كانت تمثل منطقة جيوستراتيجية مهمة، بفضل موقعها في قلب آسيا الوسطى، ومشاركتها حدوداً مع ثلاث جمهوريات سوفيتية سابقة (اوزبكستان وطاجكستان وتركمنستان)، وباعتبارها أيضاً أقصر معبر بري إلى أسواق جنوب آسيا.

وبالتالي فإن وجود القوات العسكرية الأمريكية في أفغانستان، شكل تهديداً مباشراً للمصالح الروسية في جمهوريات آسيا الوسطى، ومنافساً اقتصادياً وخطراً أمنياً.

من جهة أخرى، فإن موسكو تضع على قائمة أولوياتها في المرحلة القادمة ضمان إمدادات النفط والغاز من المنطقة، والسيطرة عليها بشكل كامل، باعتبار أنها تسيطر بشكل كامل تقريباً على إمدادات الغاز الطبيعي الضخمة من تركمانستان وتشتريه بأسعار تفضيلية وتعيد بيعه إلى أوروبا بأسعار السوق. كما تتزاحم في الوقت ذاته مع بكين في تعزيز الاستثمارات بأفغانستان.

ولكن ورغم أن موسكو تمكنت من التخلص من نفوذ وتوسع منافسها الأول وخصمها في آسيا، ورغم التطمينات التي أبدتها طالبان وأشار إليها السفير الروسي ديمتري جيرنوف بأن قادة طالبان ضمنوا للجانب الروسي بأنه لن يمسوا شعرة واحدة لدبلوماسي روسي" وأكدوا لهم بأنه يمكنهم العمل باطمئنان، لا تخفي روسيا مخاوفها من عدم الاستقرار الأمني، وتحول أفغانستان إلى بؤرة توتر في آسيا.

وتشاركها في هذه المخاوف بكين، التي تخشى نتائج الفراغ الأمني، ولا تزال حذرة في التعامل مع حركة طالبان.

ويرجح خبراء ومحللون أنه ربما كعادتها ستحاول الولايات المتحدة الاستثمار في النقطة الأمنية ورفع شعار محاربة الإرهاب ودعم حقوق الإنسان، لضمان استمرار موطئ قدم لها في أفغانستان.

وإن كانت تتزاحم موسكو وبكين على بسط نفوذها في منطقة حيوية ستعزز من نفوذها وفرص التطور الاقتصادي، الذي كانت تستثمر فيه الولايات المتحدة، فإن الأخيرة قد تعمل على رسم استراتيجية جديدة لها بهدف مواجهة هذا التهديد.

TRT عربي