بعدما كان هجوم حفتر يحظى بدعم غير معلن في الغالب من قبل حلف واسع من الدول، أصبح هذا الحلف اليوم مفككا نوعاً ما، ومتشككا بجدوى المراهنة على "الحصان الخاسر"، ولا يختلف هذا المشهد الدولي كثيرا عن المشهد الداخلي.

بعد تراكم الهزائم المتلاحقة لقوات خليفة حفتر على يد قوات الحكومة الليبية الشرعية في الأسابيع الأخيرة، وتبدد أحلامه بالسيطرة على العاصمة طرابلس، التي بدأ هجومه عليها منذ نحو 14 شهراً دون جدوى، أصبح الجنرال المتمرد عبئاً ثقيلاً على داعميه وأنصاره في الداخل ورعاته ومموليه الأجانب في الخارج.

فبعد أن كانت قوات حفتر والمليشيات الموالية له والمرتزقة الأجانب يسيطرون على بعض الضواحي الجنوبية لطرابلس ويدكون مناطقها السكنية بالصواريخ جواً وبراً ويثيرون الرعب بين سكان العاصمة المدنيين قبل شهور، باتت اليوم في أبعد مواقعها منذ انطلاق هجومها على المدينة في أبريل/أبريل من العام الماضي.

وبعد أن كان هذا الهجوم يحظى بدعم غير معلن في الغالب من قبل حلف واسع من الدول، بدءاً من أوروبا وأمريكا ومروراً بمحور الإمارات – السعودية والأنظمة العربية الموالية له، ووصولاً إلى روسيا الداعمة لحفتر على وجه الخصوص بمرتزقة فاغنر والعتاد العسكري، أصبح هذا الحلف اليوم مفككاً نوعاً ما، ومتشككاً بجدوى المراهنة على "الحصان الخاسر". وهذا المشهد الدولي لا يختلف كثيراً عن المشهد الداخلي؛ إذ بدأت العديد من الأطراف المحلية الداعمة لحفتر تتراجع بضع خطوات إلى الوراء، وتنأى بنفسها عنه.

ويشير مراقبون إلى أن المشهد العسكري الليبي الجديد الذي بات يجبر العديدَ من الأطراف الداخلية والخارجية إلى مراجعة حساباتها، لم يكن ليتشكل لولا عدة عوامل أثرت في رسم حدوده، يأتي في مقدمتها المساندة التركية الصريحة والحاسمة للحكومة الليبية المعترف بها دولياً والمنبثقة عن اتفاق الصخيرات بين طرفي الأزمة الليبية، والذي انقلب عليه حفتر لاحقاً، بدعم من حكومة الشرق الموازية، قبل أن ينقلب عليها هي أيضاً ما أثار الاضطراب في صفوف داعميه.

وبعد أن بدأ الجيش الليبي إلحاق سلسلة من الهزائم بقوات حفتر في الغرب ومحيط طرابلس وتكبيده خسائر فادحة، أعلن رئيس "برلمان طبرق" عقيلة صالح في أواخر أبريل/نيسان الماضي مقترحاً جديداً للتوصل إلى حل سياسي للأزمة، تتمثل أبرز بنوده في إعادة تشكيل مجلس رئاسي من 3 أعضاء بدل 9، بحيث يختار كل إقليم ممثله في المجلس بالتوافق أو الانتخاب، وتحت إشراف أممي.

التغير على الأرض بدا واضحاً منذ بدأ التعاون التركي الليبي ودخول الطائرات التركية والمدفعية الليزرية والأسلحة والعتاد الحديث ما جعل التفوق واضحاً لقوات حكومة الوفاق.

عصام الزبير، محلل سياسي

وبعد ذلك بأيام، أعلن حفتر تنصيب نفسه حاكماً على ليبيا وإسقاط اتفاق الصخيرات في خطوة انقلابية جديدة، لكنها تستهدف هذه المرة "برلمان طبرق" وحكومة الشرق الموازية اللذين كانا أكبر داعمَين له.

تراجع داخلي

وأعلن 11 من نواب "برلمان طبرق" قبل أيام رفض انقلاب حفتر، مؤكدين دعمهم الكامل لمبادرة صالح لحل الأزمة وقالوا في بيان إنها "تحمل حلولاً جذرية للأزمة الليبية، تتمثل في تشكيل السلطة التنفيذية على أساس الأقاليم الثلاثة التاريخية (طرابلس، برقة، فزان)".

ودعا نواب طبرق في بيانهم جميع الأطراف إلى "قبول المبادرة وعدم الالتفاف عليها أو تفريغها بالانتقائية التي أفسدت كل التسويات السياسية في ليبيا".

في سياق مماثل، قال عمدة مدينة بني الوليد نوير سالم نوير إنه بعد وصول منظومات الدفاع الجوي للمدينة، منح أعيان بني وليد مهلة لمليشيا حفتر، لمغادرتها حتى ظهر الأحد الماضي وإلا سيتم الهجوم عليها داخل مطار المدينة.

ومع فرار المرتزقة الروس من جبهات القتال في طرابلس والغرب الليبي وقاعدة الوطية، تجمع هؤلاء في مدينة بني الوليد ليستخدموا مطارها للانتقال إلى جبهات أخرى، حسب ما رصدت الحكومة. ومدينة بني الوليد تعد مركزاً لإحدى أكبر القبائل الليبية (الورفلة)، ويرفض أعيانها ومجلسها البلدي دعم هجوم حفتر على طرابلس، لكن عدداً من كتائب المدينة انحازت لحفتر، وتولت حماية مطار المدينة لصالح مليشياته والمرتزقة الأجانب.

الكاتب الصحفي والمحلل السياسي الليبي، عصام الزبير، يرى أن التغير على الأرض بدا واضحاً منذ بدأ التعاون التركي الليبي ودخول الطائرات التركية والمدفعية الليزرية والأسلحة والعتاد الحديث، ما جعل التفوق واضحاً لقوات حكومة الوفاق.

ويضيف "الزبير" في حديث مع TRT عربي أنه بفضل هذا التعاون والتسليح أصبح لا وجود لطيران حفتر فوق مصراتة وطرابلس بعد أن كان يستبيح أجواءهما، وبعد أن كان يغير على بعض المواقع وبعض المساكن بداخلهما، مع انتشار الخوف داخل العاصمة.

وحول أسباب ميل بعض داعمي حفتر الليبيين إلى التخلي عنه أو اتخاذ خطوات إلى الوراء، يتحدث المحلل السياسي الليبي عن "بدء تفكك نسيج قوات حفتر بعدما أدت معاركه إلى مصرع عدد كبير جداً من أبناء برقة الذين كانوا داعمين له"، ويؤكد أن "القبائل أصبحت تخاف على شبابها، وترى أن مشروعه لا يهدف إلى تحقيق سوى حلمه الشخصي بتسلم السلطة وأنه بعدما أتى بالمرتزقة أصبح لا يهمه أبناء القبائل ولا يعبأ بهم وأصبح يعاملهم بطغيان".

لسياسة الأمريكية في ليبيا تشهد تحولات "محدودة" حيث أبدت قلقها من الدخول الروسي إلى ليبيا.

خيري عمر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة صقاريا التركية

صحوة خارجية

تعد السودان من الدول الداعمة لحفتر وخاصة عبر المرتزقة الجنجويد، وذلك تماهياً مع الموقف السعودي الإماراتي، إلا أن نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو خرج في لقاء إعلامي الأحد الماضي تملص فيه من التعبير عن دعم حفتر، وقال إن السودان حاول التوسط في الأزمة الليبية وقبلتها الحكومة، فيما رفضها.

أما في روسيا، فكان موقفها واضحاً في رفض خطوة حفتر الانقلابية التي أعلن فيها نفسه حاكماً للبلاد، إلا أن تقارير إعلامية تحدثت عما هو أبعد من ذلك، إذ كشفت صحيفة روسبالت المحلية عن وجود "خلاف كبير بين وزيري الخارجية سيرغي لافروف والدفاع سيرغي شويغو حيال دعم حفتر. إذ تدعم وزارة الدفاع حفتر، في حين لا يدعمه الكرملين والخارجية "إطلاقاً". وبدأ الخلاف بحسب الصحيفة في اجتماع موسكو الذي وافق فيه السراج على هدنة برعاية تركية روسية، فيما تهرب حفتر من التوقيع عليها.

وكشف رئيس "برلمان طبرق" عقيلة صالح في لقاء مع قبائل العبيدات والمرابطين عن تواصل الروس معه، ودعوته لطرح مبادرة سياسية، خاصة وأن الوضع العسكري على شفير الهاوية.

أما في الغرب، فقد كان لافتاً تصريح متحدث الرئاسة التركي إبراهيم قالن مؤخراً، إذ أكد أن أوروبا وأمريكا لم تعدا تثقان بحفتر، وأنهما تقولان لتركيا ذلك إلا أنها لا تفصح عنه للرأي العام.

وتبدو واشنطن تحديداً أكثر ميلاً للتعبير عن موقفها ذلك بصورة غير مباشرة، وذلك بتتبع ما يصرح به السفير الأمريكي لدى طرابلس ريتشارد نورلاند الذي قال الاثنين الماضي إن "هناك قوى تسعى إلى فرض نظام سياسي جديد بوسائل عسكرية أو الإرهاب في ليبيا"، مبيناً في التصريح نفسه أن "الولايات المتحدة تفخر بالشراكة مع حكومة ليبيا الشرعية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، وكل من هم على استعداد لحماية الحرية والسلام".

وكان السفير الأمريكي قد أشاد في حديث هاتفي مع السراج بمساهمة الحكومة الليبية في "دحر الإرهاب وتحقيق السلام"، ولتأكيد "الحاجة الملحة لإنهاء التدفق المزعزع للاستقرار، من المعدّات العسكرية والمرتزقة من روسيا وغيرها". وأبلغ السفير نورلاند السراج أنه ينوي السفر إلى ليبيا بمجرد أن تسمح الظروف لتقديم أوراق اعتماده رسمياً.

حفتر تراجع "تكتيكياً" في خطوة تنصيب نفسه حاكماً لليبيا بعد أن قيل إنه ضغط روسي ونصائح مصرية بأن لا يقدم على هذه الخطوة.

عبد السلام الراجحي، كاتب وباحث ليبي

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة صقاريا التركية، خيري عمر، أن السياسة الأمريكية في ليبيا تشهد تحولات "محدودة" حيث أبدت قلقها من الدخول الروسي إلى ليبيا، ويضيف أن هذا التغير ليس حاسماً، إلا بقدر يكبح النفوذ الروسي في الأزمة الليبية.

ويضيف في حديث مع TRT عربي أن الموقف الدولي من قوات حفتر والموقف الأمريكي على وجه التحديد يقوم على أساس أنهم "لا يعملون على حل المشكلة الليبية، وأنهم يساندون حفتر ليس لقدرته على تأمين مصالح أوروبا وأمريكا فحسب، بل لأنهم يريدون من خلاله التحكم بالمسار السياسي في ليبيا، فالانتخابات قد تشكل لهم معضلة في إدارة هذا الملف".

لكن عدم تحقيق إنجاز سياسي عبر حفتر، كما يلاحظ الأكاديمي المصري، يدعو إلى إعادة النقاش حول صوابية استمرار دعمه، إذ إنه "لم يثبت حتى الآن حسن الإدارة حتى في السيطرة على العاصمة".

من جهته، يعتقد الكاتب والباحث الليبي، عبد السلام الراجحي، أن حفتر تراجع "تكتيكياً" في خطوة تنصيب نفسه حاكماً لليبيا بعد أن قيل إنه ضغط روسي ونصائح مصرية بأن لا يقدم على هذه الخطوة، والتأخر في اتخاذ الخطوة التالية يدل على أنه لن يستمر فيها وقد تكون "خطة باء"

ويعزو الراجحي، في حديث مع TRT عربي، هذا التراجع إلى حقيقة أن العديد من الدول تدعمه وكل دولة تعطيه نصائح وتعليمات مختلفة، ما يؤدي إلى تضاربها. ويقال إن خطوة تنصيب نفسه هو مشروع إماراتي ترفضه مصر وروسيا، بحسب الباحث الليبي.

لكن الراجحي لا يرجح أن تستسلم الدول الداعمة لحفتر إزاء حقيقة فشله في العديد من المحطات بهذه السهولة، بالنظر إلى "عدم وجود بديل حقيقي لديهم يمكن الاعتماد عليه".

المصدر: TRT عربي