مع إطلاق تركيا عمليتها العسكرية "درع الربيع" في شمال سوريا لحماية المدنيين وردع مليشيات بشار الأسد، يجب على حلف شمال الأطلسي الاضطلاع بمسؤولياته تجاه أحد أعضائه وتقديم الدعم اللازم.

      الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يخاطب اجتماعًا لحلف شمال الأطلسي في أنقرة، تركيا، الاثنين 6 مايو/أيار 2019
      الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يخاطب اجتماعًا لحلف شمال الأطلسي في أنقرة، تركيا، الاثنين 6 مايو/أيار 2019 (AP)

شهد شهر فبراير/شباط 2020 توتراً غير مسبوق بين تركيا والنظام السوري وداعميه، خصوصاً روسيا، على خلفية التصعيد في إدلب الذي أدَّى إلى استشهاد 36 جنديّاً من الجيش التركي، وذلك وَفْقاً لتصريح للرئيس أردوغان في خطاب له في قصر دولمة بهتشة، هذا بالإضافة إلى تشريد عشرات الآلاف من المدنيين السوريين جرَّاء الهجمات الوحشية التي يشنّها النظام السوري ومن ورائه المليشيات الشيعية بدعم جوي من روسيا.

أدَّى هذا التصعيد إلى مواجهات مباشرة بين الجيش التركي ومليشيات النظام السوري التي تدعمها روسيا، وهو ما يتطلب دعم حلفاء أنقرة خصوصاً حلف شمال الأطلسي "الناتو" الذي يعتبر أن ردع روسيا واحدة من أهم وأبرز دعائم سياسته الدفاعية، خصوصاً أن تركيا تُعَدّ حليفاً استراتيجيّاً للحلف وتمتلك ثاني أكبر جيش فيه.

بناء على ذلك توجهت تركيا إلى الحلف من خلال تفعيل المادة الرابعة من ميثاق الناتو من ناحية، ومن ناحية ثانية حاولت التنسيق بشكل ثنائي مع أهمّ دول الناتو مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، لإطلاق مفاوضات رباعية في 5 مارس/آذار لتحقيق مزيد من الضغط على روسيا.

وقد دعت تركيا إلى اجتماع طارئ لحلف الناتو في مقره في بروكسل بعد استشهاد عشرات من جنودها في إدلب، وجاءت الدعوة التركية في إطار المادة الرابعة من ميثاق الناتو، وهو ما اعتُبر خطوة جادَّة من تركيا، لأن تدخلات الناتو السابقة في كوسوفو أو أفغانستان أو ليبيا أو العراق جاءت بموجب المادة الرابعة لا المادة الخامسة التي تعتبر أن الهجوم على أحد أعضاء الحلف يُعتبر هجوما على الجميع، والتي يركز عليها كثير من المراقبين.

وتنص المادة الرابعة وَفْقاً لما هو منشور على الموقع الرسمي لحلف الناتو، على أنه "يمكن لأي عضو من الحلف أن يطلب التشاور مع الحلفاء كافة، عند شعوره بتهديد حيال وحدة ترابه أو استقلاله السياسي أو أمنه". ويأتي هذا التشاور للحصول على دعم ملموس لأحد أعضاء الحلف الذي يتعرض للتهديد، ولكن اجتماع الناتو الذي عُقد بتاريخ 28 فبراير/شباط 2020 لم يسفر إلا عن التضامن اللفظي مع تركيا وتقديم العزاء لها، وإدانة الغارات الجوية العشوائية للنظام السوري وروسيا.

هذا بالإضافة إلى الإعلان عن استمرار بعض أنواع الدعم التي لا تراها تركيا كافية، من قبيل مراقبة حدود الحلف الجنوبية الغربية بطائرات "الأواكس" ومتابعة التطورات على الحدود من كثب.

لم يكُن هذا هو ما تريده تركيا من حلف الناتو بكل تأكيد، لقد كان المطلوب إسهاماً عمليّاً، سواء من خلال طلعات جوية رادعة أو نشر بطاريات دفاع جوي -مثل الباتريوت- أو بالحد الأدنى إنشاء منطقة حظر جوي. لكن الحلف لم يترجم تنديده بسلوك روسيا وتضامنه مع تركيا إلى فعل ملموس على الأرض.

يدرك الجميع أن الحلف لم يقدّم لتركيا دعماً ملموساً حتى الآن، وقد دفع هذا الأمر أحد الصحفيين إلى سؤال أمين عامّ الحلف ينس ستولتنبرغ نفسه عن الدعم الملموس الذي سيقدَّم لأنقرة فلم يكُن الجواب إلا مبهماً من قَبيل: "الناتو يدعم تركيا، والحلفاء يدرسون إمكانية فعل المزيد من أجلها"، وَفْقاً لما نشرته وكالة الأناضول.

في الحقيقة لا يمكن الحديث عن أن أزمة إدلب هي بداية التعاطي الباهت لحلف الناتو مع تركيا، فالأمر يعود إلى قبل ذلك بكثير خصوصاً منذ بداية الأزمة السورية ومواجهة تركيا للتنظيمات الإرهابية على حدوها، وهو ما شكّل أيضاً تهديداً للحدود الشرقية للحلف.

وفي لحظة من اللحظات كان هذا الموقف الباهت من الحلف وراء سعي أنقرة لفتح قنوات أخرى، خصوصاً مع روسيا لتأمين احتجاجاتها الأمنية، على وجه التحديد تلك المتعلقة بمنظومات الدفاع الجوي وعلى رأسهاS-400، فضلاً عن تفكير تركيا الجدّي في الانضمام إلى منظمة شنغهاي.

ولم تُخفِ تركيا امتعاضها من سياسة الناتو الحالية، فقد قال رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية فخر الدين ألطون في تصريح له في 2019 نقلته صحيفة ديلي صباح، إن "حلف الناتو بحاجة إلى استراتيجية جديدة تعالج التحديات والصعوبات المتزايدة".

لا يتعامل بعض دول الناتو بجدّية مع التهديدات التي تتعرض لها تركيا، ولا تريد أن تشارك في تحمُّل المسؤولية، ومع هذا فقد بدا التحرك الأخير من الناتو أفضل نسبيّاً من ذي قبل، إذ نقل بعض الشخصيات الدبلوماسية وَفْقاً لما أفاد به الصحفي التركي مراد يتكن وجود تعهدات بدعم تركيا من 4 دول، هي الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا.

ضمن هذا الدعم على سبيل المثال نقل واشنطن بطارية باتريوت لها من ألمانيا إلى تركيا، وإرسال أنظمة حرب إلكترونية من بريطانيا وإيطاليا. وتشمل الوعود كما أشار الكاتب التركي مراد يتكن، تطبيق منطقة حظر جوي على خط هاطاي-غازي عنتاب-كيليس، وهو ما يمكن أن ينهي التفوق الجوي الروسي في الجهة المقابلة في سوريا. ولكن هذه الدول لا تفضّل حدوث مواجهة بين الناتو وروسيا.

وتَبقَى هذه الوعود حبراً على ورق ما لم تُنَفَّذ على الأرض، ولا تزال الآمال بتحرُّك عملي قليلة، وكما قال الباحث التركي المتخصص في الشأن الأوروبي أوغوز غونغورماز في حديث مع TRT عربي فإنه "في حال أراد الناتو إبعاد تركيا عن روسيا وكسب ثقة تركيا، فعليه أن يتفهّم احتياجات تركيا الأمنية ويعمل على مساعدتها على درئها بدلاً من التعامل بانتهازية مطلقة وإخضاع ما يجري في إدلب لحسابات مشتريات السلاح أو ترك تركيا وحدها في مواجهة روسيا من باب إيصال رسالة بأن هذا بسبب السياسة الاستقلالية التركية".

إن ما يجري في إدلب هو اختبار حقيقي على المحك يتعلق بحياة ملايين الأشخاص وببيئة أمنية جديدة في سوريا، وهذا لا يتناسب مع ما عبرت عنه ممثلة الولايات المتحدة في الناتو كاي بيلي هاتشينسون، التي أمَلَت أن تكون الضربة التي تعرضت لها القوات التركية في إدلب مفيدة لكي تعرف أنقرة شريكها". كما أعلنت رغبتها في أن تحثّ هذه الأحداث أنقرة على التخلي عن استخدام منظومة الدفاع الروسيةS-400، وذلك وَفْقاً لتقرير نشرته صحيفة الغارديان.

من الواضح أن التصعيد الروسي بدعم النظام ضدّ تركيا هو خيار مدروس من موسكو ولم يكُن صدفة أو خطأ ميدانيّاً، وقد قال الباحث التركي فاتح موصلو في حديث مع TRT عربي: "لعل المنتظَر من الحلف الذي صُمّم بالأساس لمواجهة الاتحاد السوفييتي وروسيا لاحقاً أن يدرك صعود التدخل الروسي في المنطقة سواء في ليبيا أو سوريا ومصر وحتى دول الخليج، سيسبب له الكثير من المشكلات، ولكن الحلف يربط أي خطوة عملية له بالاعتداء على الأراضي التركية".

إن الإشكالية بين الحلف وتركيا في جزء كبير منها تكمن في أن عدداً من دول الحلف لا تنظر إلى المخاطر الأمنية التي تتعرض لها تركيا على أنها مشكلات تمسّ الحلف، وأضاف موصلو أنه لا بد للحلف أن يقرأ أن تركيا لم تعد تتحمل الكلفة الداخلية والأمنية لموجة جديدة من اللاجئين، ومِن ثَم لا بد أن تساعد دول الحلف، بخاصة الأوروبية منها تركيا، في هذا المجال، ولكن في العالَم الواقعي اليوم لا يمكن للدول أن تتحرك إلا بعد أن تتأثر من تداعيات هذه السياسة السلبية، وقد حاولت تركيا شرح ذلك عمليّاً من خلال عدم إعاقة تدفق اللاجئين نحو أوروبا.

مع كل هذه السلبية من دول الناتو فإن تركيا ستبقى عضواً مهمّاً فيه. هذا وستعمل تركيا على تغيير في المعادلة التي أشار إليها الباحث الاستراتيجي التركي حسن بصري يالجين في دراسة أكاديمية له نشرها مركز سيتا للدراسات في مايو/أيار 2019 بعنوان "أزمة حلف الناتو"، أن تركيا ستحافظ على وجودها في الناتو، لا باعتبارها تركيا التي يستفيد منها الناتو، بل باعتبارها تركيا التي تستفيد من الناتو.

المصدر: TRT عربي