بعد أن اختار رئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي استبعاد الأحزاب من حكومته المقبلة، يرى مراقبون أن المشهد السياسي في تونس بات مفتوحاً على سيناريوهين، فإما أن يمنح البرلمان الثقة في هذه الحكومة أو يسقطها ويمضي في الاستعداد لانتخابات تشريعية مبكرة.

بينما تشرف المهلة الدستورية لرئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي على الانتهاء، يتصاعد الحديث بين الأوساط السياسية عن صعوبات جمة تلاحق الرجل لتشكيل حكومته في ظل تباين المواقف بين الأطراف المشاركة في المشاورات، وتلويح أحزاب كبرى بالذهاب نحو انتخابات تشريعية مبكرة في حال لم يراعِ المشيشي التوازنات الانتخابية، في حين اختار هو المضي نحو تشكيل حكومة كفاءات مستقلة.

المشيشي يحسم قراره

رئيس الحكومة المكلف حسم بعد نحو أسبوعين من انطلاق مشاوراته مع الأطراف السياسية والمنظمات الوطنية والشخصيات المستقلة موقفه من الحكومة القادمة، بإعلان نيته المضي نحو تشكيل حكومة كفاءات مستقلة، مبرراً قراره خلال مؤتمر صحافي أمس الاثنين بصعوبة تشكيل حكومة سياسية في ظل غياب الانسجام بين الفرقاء السياسيين.

وكان رئيس الجمهورية قيس سعيّد، الذي جاهر مراراً بمعارضته لمنظومة الأحزاب، وتحميل نواب البرلمان في أكثر من خطاب له مسؤولية الواقع السياسي والاقتصادي المتأزم في البلاد، قد اختار شخصية المشيشي غير المتحزبة والقريبة من دوائره لتشكيل الحكومة، وسط مخاوف طرحتها بعض الأحزاب على غرار حركة النهضة، وحركة الشعب، وقلب تونس، والتيار الديمقراطي، من ذهاب المشيشي نحو حكومة كفاءات مستقلة تقصي الأحزاب السياسية، ولا تراعي التوازنات التي أفرزتها الانتخابات التشريعية.

يتصاعد الحديث بين الأوساط السياسية عن صعوبات جمة تلاحق هشام المشيشي لتشكيل حكومته في ظل تباين المواقف بين الأطراف المشاركة في المشاورات
يتصاعد الحديث بين الأوساط السياسية عن صعوبات جمة تلاحق هشام المشيشي لتشكيل حكومته في ظل تباين المواقف بين الأطراف المشاركة في المشاورات (AFP)

مجلس شورى حركة النهضة شدد في بيان نشر الاثنين على ضرورة أن تراعي الحكومة القادمة دور الأحزاب وأوزانها داخل البرلمان، وأن تأخذ بعين الاعتبار نتائج الانتخابات التشريعية التي تعكس إرادة الناخبين، وتحوز على أوسع دعم سياسي ممكن، مؤكداً ضرورة مضي رئيس الحكومة في تشكيل حكومة سياسية.

خيار حل البرلمان

ووسط هذا التباين بين موقف الأحزاب السياسية التي تتبنى خيار الحكومة السياسية، وموقف المشيشي الذي اختار الذهاب نحو حكومة كفاءات مستقلة غير متحزبة، تعد فرضية الذهاب نحو حل البرلمان ومن ثم الذهاب نحو انتخابات تشريعية مبكرة، بحسب مراقبين، ورقة ضغط ما فتئت تلوح بها عدة أحزاب، سواء في الحكم أو المعارضة، في حال لم تستجب حكومة المشيشي لتطلعاتها أو خياراتها.

ويتيح الفصل 89 من الدستور التونسي الحق لرئيس الجمهورية في حل البرلمان والدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة، في حاللم يمنح أعضاء مجلس نواب الشعب الثقة للحكومة، في أجل أدناه خمسة وأربعون يوماً وأقصاه تسعون يوماً.

وفي هذا الصدد وصف النائب عن حركة النهضة في البرلمان بلقاسم حسن في حديثه مع TRT عربي دعوات بعض الأحزاب إلى إقصاء حركة النهضة من الحكومة القادمة بالمسألة العبثية، معرباً عن استغرابه من إقصاء الحزب الأول الفائز في الانتخابات التشريعية، داعياً رئيس الحكومة إلى تحمل تبعات خياراته.

اقرأ أيضاً:

تونس ما بعد فشل محاولة سحب الثقة.. الفائزون والخاسرون؟

النائب عن حركة النهضة أعرب عن استعداد الحركة لجميع السيناريوهات، بما فيها حل البرلمان والذهاب نحو انتخابات تشريعية مبكرة، في حال لم تحظَ حكومة المشيشي بثقة نواب الشعب، مشدداً على ضرورة أن يكون لهذه الحكومة حزام برلماني قوي تستند إليه لضمان استمراريتها لخمس سنوات قادمة.

وجدد محدثنا رفض حزبه خيار حكومة كفاءات مستقلة، لافتاً إلى أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتدهور في البلاد يتطلب حكومة وحدة وطنية سياسية، تتحمل مسؤولية خياراتها وتستجيب لما أفرزه صندوق الاقتراع.

حركة النهضة تستعد لجميع السيناريوهات، بما فيها حل البرلمان والذهاب نحو انتخابات تشريعية مبكرة
حركة النهضة تستعد لجميع السيناريوهات، بما فيها حل البرلمان والذهاب نحو انتخابات تشريعية مبكرة (AA)

زهير المغزاوي أمين عام حركة الشعب المشاركة في الائتلاف الحكومي الحالي، دعا في حديثه لـTRT عربي رئيس الحكومة المكلف إلى الذهاب نحو حكومة كفاءات سياسية تراعي التوازنات داخل البرلمان، وتحترم نتائج الانتخابات التشريعية، بعيداً عن منطق المحاصصة الحزبية والابتزاز السياسي.

المغزاوي شدد بالمقابل على رفض حزبه الانضمام إلى حكومة تضم حركة النهضة، حتى إن كان الثمن سقوط حكومة المشيشي في البرلمان، مضيفاً أن حزبه لا يرى مانعاً من الذهاب نحو انتخابات تشريعية جديدة بهدف إعادة التوازنات السياسية داخل البرلمان.

خيار رئيس الحكومة المكلف بالذهاب نحو حكومة كفاءات مستقلة تقطع مع هيمنة الأحزاب وتقصيها من المشاركة في الحكومة، اعتبره كثيرون صفعة مدوية لا سيما للأحزاب التي ساندت اختيار رئيس الجمهورية لشخصية هشام المشيشي على رأس الحكومة القادمة، على غرار التيار الديمقراطي وحركة الشعب، كما جعلتها أمام خيارين أحلاهما مر فإما التصويت على حكومة لا تشارك فيها أو إسقاطها، وهو ما يعني مباشرة منح صلاحية لرئيس الجمهورية لحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة.

أمين عام منظمة اتحاد الشغل نور الدين الطبّوبي حث خلال تصريحات إعلامية سابقة رئيس الحكومة المكلف، هشام المشّيشي، على تكوين حكومة كفاءات وطنية مصغرة، بهدف معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها الحكومات المتعاقبة، كما دعت أحزاب غير ممثلة في البرلمان رئيس الحكومة إلى تشكيل حكومة كفاءات ضيقة تنكب على حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وتلغي دور الأحزاب التي أثبتت فشلها وفق تقديرها.

المصدر: TRT عربي