بعد إعلان الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي انسحابه من الحياة السياسية، تُطرح أسئلةٌ حول حدود هذا الانسحاب، وهل يشمل الشأن العامّ في البلاد بجميع تجلياته الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية؟

في خطوة فاجأت خصومه قبل أنصاره، أعلن الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي -74 عاماً- انسحابه من الحياة السياسية ومن رئاسة الحزب الذي أسّسه، لينهي بذلك مسيرة سياسية حافلة، بدأها بالنضال ضدّ الدكتاتورية زمن المخلوع بن علي، وصولاً إلى اعتلائه كرسي الرئاسة في 2011، ليكرّس بعدها ثقافة التداول السلمي للسلطة في البلاد.

المرزوقي سبق أن انتخبه في 13 ديسمبر/كانون الأول 2011 المجلس التأسيسي آنذاك رابعَ رئيس للجمهورية، ليسلّم بعدها مقاليد السلطة للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي في 31 ديسمبر /كانون الأول 2014، بعد أن خاضا معاً سباق الانتخابات الرئاسية، في سابقة للتداول السلمي على السلطة بين رئيس منتخب وآخر متخلٍّ، لم تعرفها تونس والعالم العربي.

وقال المرزوقي في خطاب مصور وتدوينة مطوَّلة تَوجَّه بها إلى الشعب التونسي عبر حسابه الرسمي على فيسبوك الأحد، إنه "يغادر الساحة السياسية مرفوع الرأس ومرتاح الضمير"، مُقِرّاً بمرارة الهزيمة التي مُني بها هو وحزبه في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة.

الحقوقي والرئيس السابق، لم يُخفِ خلال كلمته مخاوفه على مسار الانتقال الديمقراطي وعدم استكمال تحقيق أهداف الثورة، العودة مجدَّداً إلى الدكتاتورية، محذّراً من بعض أصوات السياسيين التي بدأت تنادي بتعديل دستور ما بعد الثورة، والعودة إلى النظام الرئاسي بدل النظام البرلماني شبه المعدل حاليّاً.

كما دعا الشعب التونسي إلى التجند لحماية ثورته، واستكمال إرساء الهيئات الدستورية، وفي مقدمتها المحكمة الدستورية المعطلة منذ سنوات، وإلى مراجعة القانون الانتخابي الحالي، ومحاربة الفساد والضرب بيد من حديد على الفاسدين، مشكّكاً في قدرة الحكومة الجديدة والطبقة السياسية الحالية على محاربة الفساد.

اعتزال السياسة أم المناصب؟

انسحاب المرزوقي من الحياة السياسية في تونس فيما تعيش البلاد على وقع مخاض عسير لتشكيل الحكومة، وصفه بعض القيادات السياسية بالخسارة الكبرى بالنظر إلى مسيرة الرجل، سواء كان في الحكم أو المعارضة، وهو الذي ظلّ "حارساً أميناً" لمسار الثورة التونسية ومبادئها، وشوكة في حلق المتآمرين عليها، في وقت شهِدَت فيه دول عربية هبَّت فيها رياح التغيير نكسات وانقلابات عسكرية.

وشكّك كثيرون في قرار المرزوقي اعتزال الحياة السياسية، وهو المناضل الحقيقي حين كان للنضال ثمن غالٍ يُدفع زمن الدكتاتورية، كما أن تشبُّع الرجل بقيم الثورة ومبادئها ودفاعه المستميت عن حقوق الشعوب في التحرُّر من الدكتاتورية والطغيان لا يمكن أن يكون له وقت أو صلاحية.

وشكّكَ القيادي بحركة النهضة عبد اللطيف المكي عبر تدوينة مؤثرة في مضيّ المرزوقي فعليّاً في قراره اعتزال الحياة السياسية، مرجّحاً أن يكون قراره متعلقاً باعتزال المناصب الرسمية في الدولة والأحزاب والمنافسة عليها،مخاطبا إياه بالقول: "أعلنتَ أنك اعتزلت الحياة السياسية، ولا أظنك تفعل، فالسياسة عندنا نضال، وأنت وأمثالك لا يعتزلون النضال إلى آخر رمق في الحياة ما داموا مقتدرين".

هزيمة ثقيلة

ويُجمِع طيف سياسي واسع على أن من أهمّ أسباب تعجيل المرزوقي في اتخاذ قرار اعتزال الحياة السياسية، الهزيمة الثقيلة التي مُنِيَ بها في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، والتي اختار التقدُّم لها رغم دعوات من داخل حزبه والمقرَّبين له لإفساح المجال للمرشَّح قيس سعيّد الذي حظي حينها بإجماع شعبي من القوى الثورية، وتُوّج بعدها بأغلبية كاسحة، فيما اكتفى المرزوقي بالمرتبة 11 من جملة 26 مرشَّحاً، وبنسبة تصويت لم تتجاوز 11 بالمئة، كما لم يظفر حزبه "الحراك" بأي مقعد في البرلمان الجديد.

كما أن الخلافات الداخلية والانشقاقات التي عصفت بقيادة حزبه الأول "المؤتمر من أجل الجمهورية" الذي كان يمثّل القوة الثانية الضاربة بعد النهضة في انتخابات المجلس التأسيسي في أكتوبر/تشرين الأول 2011، ساهمت في اهتزاز صورة المرزوقي وشعبيته، ليؤسس بعدها حزب "حراك شعب المواطنين" في 2014، ثم حزب "حراك تونس الإرادة" في 2015، مما ساهم في إضعاف تماسك هذه الأحزاب التي لم يكُن لها أي وزن سياسي أو برلماني يُذكر وعرفت بدورها موجة تصدعات.

انسحاب المرزوقي من الحياة السياسية لا يعني بالضرورة انسحاباً من الشأن العامّ في البلاد بجميع تجلياته الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية وفق ما يراه المحلّل السياسي سامي براهم في حديثه لـTRT عربي، معتبراً أن الدور الذي سيلعبه المرزوقي في المستقبل لا يقلّ أهمية عن دوره سابقاً وهو في السلطة، باعتباره شخصية وطنية وفكرية وحقوقية لها وزنها وتاريخها.

ولفت براهم إلى أن المرزوقي وإن أعلن استقالته من رئاسة حزبه "حراك تونس الإرادة"، لم يستقِلْ من عضويته له، مما يعني أنه أبقى خيطاً رابطاً بالحزب وبالشأن السياسي، وشدّد على أن رمزية المرزوقي النضالية والدور الذي لعبه في حماية الثورة التونسية في ظرف محلي ودولي دقيق، سيجعله مواصلاً في نفس النهج مع اختلاف موقعه، ليناضل كحقوقي وكمفكّر ضدّ عودة الاستبداد ومحاولات الرجوع إلى الوراء.

قرار محزن

وبكلمات لم تخلُ من التأثر، وصف القيادي بحزب "الحراك" وأحد رفقاء درب المرزوقي، البشير النفزي، قرار الرئيس السابق اعتزال الحياة السياسية في تونس، بـ"المؤلم والمحزن"، مشيراً في حديثه لـTRT عربي إلى أن الرجل لا يزال قادراً على العطاء السياسي، بالنظر إلى مساهمته الكبيرة في إرساء الجمهورية الثانية، وفي تحصين الثورة من أعداء الداخل والخارج المتربصين بالتجربة التونسية في الوطن العربي.

ويرى صديق المرزوقي أن مشوار الرئيس السابق سواء في الحكم أو المعارضة، لم يكُن سهلاً كما يعتقد كثيرون، بل كان مليئاً بحملات السبّ والشتم والتخوين والترذيل من الطبقة السياسية المحسوبة على النظام القديم والدولة العميقة، ومن الإعلام الموالي لها، لكن الرجل ظلّ صامداً طوال تلك السنوات، ومتمسّكاً بمبادئه ونظافة يده، وسابحاً ضد التيار.

ويقر النفزي في المقابل، بأن المرزوقي قد يكون أخطأ تقدير اللحظة السياسية والمزاج الشعبي حين تَرشَّح مجدَّداً للانتخابات الرئاسية الأخيرة، وخاضها في منافسة مباشرة مع الرئيس قيس سعيد، وما يمثّله ذلك من تقليص لحظوظه، لكنه شدّد على أن الرئيس السابق تَحمَّل بعد ذلك مسؤوليته السياسية بشجاعة، واختار توقيت انسحابه وفق ما يمليه عليه ضميره وعقله.

وحول وجهة الرئيس السابق القادمة رجّح القيادي في الحراك أن يواصل المرزوقي مسيرته الفكرية ككاتب ومفكّر ومنظّر للثورات العربية وللدفاع عن الحريات العامة، وهو الذي سبق أن اختارته مجلة "التايم" الأمريكية من بين مئة شخصية مؤثرة في العالم، وأيضاً مجلة "فورين بوليسي" من بين أفضل مئة مفكّر عالمي.

المصدر: TRT عربي