القيادات الأبرز في جماعة الإخوان المسلمين في مصر عقب ثورة يناير/كانون الثاني 2011 (Archive)

عاد التساؤل مجدّداً حول فرص عودة سبل الحوار الذي قد يفضي إلى مصالحة بين قادة جماعة الإخوان المسلمين والإدارة المصرية تحت حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي اختفى خلال الفترة الماضية بعد أن ظلّ يُطرَح مراراً في أعقاب الإطاحة بحكم الرئيس الراحل محمد مرسي منتصف عام 2013.

بوادر غير مسبوقة

على غير المتوقّع جاءت بادرة إرساء حوار بين القاهرة وجماعة الإخوان المسلمين، هذه المرة على لسان الرئيس السيسي، إذ قال على الهواء مباشرة السبت في اجتماع أُجري لإطلاق استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان بالبلاد لأول مرة: "المجتمع على مدى الـ90 والـ100 سنة يُصبغ بفكر محدّد معيّن"، مضيفاً أنّ "عنصراً ينخر في جسد الدولة" طيلة الفترة التي ذكرها، وهو ما أجمع مراقبون على قصده جماعة الإخوان التي أحيت عام 2018 ذكرى مرور 90 عاماً على تأسيسها.

وما زاد من حالة الزخم حول التكهّن بوجود شيء ما يهدف إلى إجراء "حوار أو مصالحة"، هو ما تابع به الرئيس المصري قائلاً: "أنا لست مختلفاً مع هؤلاء، لكن بشرط أن يحترموا مساري ولا يتقاطعوا معي ولا يستهدفوني (..) سأقبل فكره، لكن لا يفرضه علي، ولا يضغط به علي، لست أنا كشخص، ولكن على مصر والمجتمع".

وسرعان ما جاء رد على لسان أحد أبرز رجال الجماعة التاريخيين وهو رجل الأعمال والقيادي البارز يوسف ندا، إذ صرّح الثلاثاء بأنّ "الباب مفتوح للحوار مع رئاسة النظام المصري"، على حد تعبيره.

فيما أشار ندا إلى أهمية تجنب وضع شروط مسبقة قبل الإقدام على إجراء الحوار، مفيداً بأن تلك الشروط قد تفسده، لافتاً إلى أهمية "إنهاء معاناة المسجونين من النساء والرجال ومعاناة أسرهم" باعتبار ذلك أحد النتائج التي يجب تحقيقها حال أُجري الحوار مع الإدارة المصرية.

جدير بالذكر أنّ ندا يُصنّف حسب البعض الرجل الأول فيما يُسمى "التنظيم الدولي (الافتراضي) لجماعة الإخوان المسلمين"، فهو المفوّض السابق للشؤون الدولية والعلاقات الخارجية للجماعة، وشاهد عيان على أحداث ما يزيد على نصف قرن من الغضب والثورة والحروب وحوادث الإرهاب العالمي والأزمات الدولية المعقّدة، وتوسّط في عديد المحافل في علاقات وأزمات إقليميّة، أهمها كان بين الإخوان والثورة الإيرانية، والسعودية واليمن، والسعودية وإيران، وبين الحكومة الجزائرية و"جبهة الإنقاذ"، وأزمة اجتياح العراق للكويت، حسب ما ورد تفصيلياً في كتابه "من داخل الإخوان المسلمين".

الدور الأمريكي والمقاربة الإقليمية الجديدة

نشرت صحيفة "واشنطن بوست" ومجلة "بوليتيكو" الأمريكيتين الأسبوع الجاري تصريحات لمساعدي وزارة الخارجية والكونغرس أفادت بأنّ إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن قررت "فرض شروط جديدة على المساعدات العسكرية التي تُقدّم سنوياً لمصر وتعليق جزء من حزمة المساعدات المشروطة حتى تنفيذ مطالب الولايات المتحدة المتعلقة بملف حقوق الإنسان".

وأردف المسؤولون الأمريكيون بأن البيت الأبيض يعتزم تقديم 170 مليون دولار من أصل 300 مليون دولار (حزمة المساعدات المشروطة)، وتحديد أوجه الاستفادة منها في "مكافحة الإرهاب وأمن الحدود ومنع انتشار الأسلحة" حصراً.

على أن تُقدَّم 130 مليون دولار المتبقية بشروط، هي: أن تُنهي مصر فوراً استمرار المحاكمات المطوّلة ضد منظمات حقوقية ومؤسسات المجتمع المدني، المعروفة باسم "القضية 173"، بالإضافة إلى إسقاط التّهم والإفراج الفوري عن 16 شخصاً قدمّت واشنطن لائحة بأسمائهم للقاهرة في يونيو/حزيران الماضي، حسب المصدر.

ويرى متابعون للشأن المصري أنّ توجه إدارة بايدن يختلف كُليّاً عما كان عليه البيت الأبيض إبّان حكم ترمب، فلم يتورّع الأخير عن نعت نظيره المصري علنّاً بـ"ديكتاتوري المفضّل"، وهو ما يعكس عدم اكتراث الإدارة الأمريكية حينئذ بالوضع الحقوقي والمناشدات الدوليّة المتكررّة بشأن تقارير خلصت إلى وجود انتهاكات وجرائم وإعدامات خارج نطاق القانون على يد السلطات المصريّة بحق المعتقلين السياسيين في البلاد.

وبجانب تصريحات واشنطن الأخيرة التي يتعشّم فيها المعنيون بملف حقوق الإنسان في مصر أن تدفع القاهرة نحو اتخاذ بعض الإصلاحات السياسية المتعلّقة بالمعارضين، يذهب البعض إلى أن تحالفات القاهرة الجديدة ومواقفها الإقليمية المغايرة التي سلكتها الإدارة المصرية خلال العام الجاري قد تصب في نهاية المطاف بتحسّن الوضع الحقوقي في مصر.

فبدءاً من التقارب المتزايد مع أنقرة، مروراً بالدور الملحوظ في القضية الفلسطينية ومساعي التوصّل إلى اتفاق هدنة وقف إطلاق النار بين إسرائيل وفصائل المقاومة الفلسطينية في غزة، وصولاً إلى تفاهم مع الدوحة جاءت ذروته بلقاء الرئيس المصري مع أمير قطر تميم بن حمد، وتوقيع البلدين اتفاقاً جديداً خلال الأسبوع الجاري، يذهب مراقبون إلى أن تلك العوامل قد تدفع الإدارة المصرية إلى موقف أكثر اعتدالاً بحق معتقليها السياسيين، وذلك بفعل الضغوط الإقليمية والأمريكية التي تهدف إلى تحسين الوضع الحقوقي في مصر.

تغيُّر استراتيجي أم غزل عابر؟

تعتبر المساعي الرامية إلى خلق أرضية توافق ومصالحة بين جماعة الإخوان والحكومة المصرية بأنها ليست وليدة اللحظة، إذ سبق الحديث ليوسف ندا شخصياً بشأن "مصالحة مشروطة"، وجاء ذلك عام 2018 عندما ذكر قيادي الجماعة أنّه تلقّى "اتصالات خلال السنوات الثلاث الأخيرة (2015-2018)، من شخصيات بارزة بمصر لم يفصح عن أسمائها، لحل الأزمة السياسية" بين الجماعة وإدارة الرئيس السيسي.

وأجمع المحللون على أن الرئيس المصري حتماً يقصد الإخوان المسلمين بتصريحاته الأخيرة، وحسب أستاذ العلوم السياسية خيري عمر فإن العنصر الوحيد الموجود في مصر منذ 90 عاماً هو "فكر الإخوان"، مُشيراً إلى ملاحظته اختلافاً ملحوظاً في كلمة الرئيس السيسي في ما يتعلق بالجزء الخاص بحركة الإخوان المسلمين".

غير أن الخبراء اختلفوا على مغزى التصريحات، وإن كانت تعكس إرادة حقيقيّة من قبل الإدارة المصرية نحو إجراء حوار أو مصالحة مع الجماعة، التي حظرها النظام المصري وصنّفها "إرهابية" منذ الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي في يوليو/تموز 2013، أم أنّها أتت في إطار ملاغاة أو غزل لحظي، فيما وصف البعض تصريحات السيسي بأنّها "حمالة أوجه".

فحسب الكاتب الصحفي والمعارض المصري جمال سلطان فإن الرئيس المصري "فتح باب المصالحة مع الإخوان" بموجب كلمته، وأردف في تغريدة له على موقع تويتر بأنّ السيسي "أعلن القبول بوجودهم، لكن بثلاثة شروط، التسليم بسلطته وشرعيته، وألا يقفوا في طريقه أو ينازعوه الحكم، ولا ينتقدوه".

في المقابل يشير المحلّل السياسي ذو التوجّه الليبرالي سليم عزوز إلى أن الرئيس المصري يُعرف عنه الاسترسال في الحديث العفوي، قائلاً إنّه "من العبث أخذ كلامه على محمل الجدّ، لأن مجمل حديثه دائماً ما يكون وليد اللحظة، ولا يعبر عن تفكير عميق أو خطط أو استراتيجيات"، على حد تعبيره.

ووسط ما يصفه مراقبون "بتمزّق قيادة الإخوان بالخارج" وانهماكها في نزاعات داخلية، وغياب قيادة موحّدة تعبّر عن صوت الجماعة، يستبعد عزوز أن تتوافر نيّة حقيقية من الإدارة المصرية لإجراء أي حوار، مضيفاً أن القيادة ذات الثِقل والنفوذ في قرار الجماعة قابعة في السجون المصرية مثل المرشد العام محمد بديع والقيادي المؤثّر خيرت الشاطر، التي وفقاً للمحلل السياسي "لا يملك أحد في الجماعة القدرة على المزايدة على قراراتها".

فيما يذهب آخرون إلى صعوبة قبول تمثيل الجماعة في الرسالة الصادرة عن يوسف ندا، فالقيادي والمفوّض السابق للشؤون الدولية للجماعة لا يعبّر عن صوت الجماعة المُمَزّق لسنوات، كما لم يصدر بيان حتّى اللحظة من أيّ من قيادات الإخوان بشأن رسالة ندا.

TRT عربي