إننا نعيش في زمن يمكن أن أسميه "عصر الاستباحة الرقمية"، وهو عصر ليس فقط نكون فيه خاضعين لنوع من الرقابة الشاملة بحيث يتم جمع بياناتنا بدقة على مدار الساعة، أو ما يسمى بـMass Surveillance، بل إننا لا ندري على وجه الدقة أين يتم تخزين هذه البيانات.

لم يعد يمر يوم من غير أن نسمع فيه عن اختراق إلكتروني ما هنا أو هناك أدى إلى انتهاك خصوصية المستخدمين، ويكشف عن بعض التكتيكات الجديدة التي تنتهجها الشركات والحكومات على حد سواء، في سياسة تُعرف بـ"غرف البيانات الشخصية للأفراد".

فمؤخراً قُوضيَت شركة فيسبوك بتهمة التجسس على مستخدمي تطبيق إنستغرام، هذه المرة من خلال الاستخدام غير المصرح به لكاميرات هواتفهم المحمولة، وعلى الرغم من أن فيسبوك رفضت هذه الاتهامات ورجعت الأمر إلى خطأ تقني، فإن الأمر يفضح إلى أي حد أصبحت خصوصية المستخدمين هشة، وأننا ضحية مراقبة كثيفة وشاملة على مدار الساعة.

أقرأ أيضا:
المجلس الأعلى للرقابة في فيسبوك.. نظرة من كَثَب

إننا نعيش في زمن ما يمكن أن أسميه "عصر الاستباحة الرقمية"، وهو عصر ليس فقط نكون فيه خاضعين لنوع من الرقابة الشاملة واللصيقة بحيث يتم جمع بياناتنا بدقة لا متناهية على مدار الساعة، أو ما يسمى بـMass Surveillance، بل إننا لا ندري على وجه الدقة أين يتم تخزين هذه البيانات، ومن يتصرف بها، فقد يأتي أحد العاملين بشركة لتكنولوجيا المعلومات، ويستخدم ميزة الولوج التي يتمتع بها بحكم وظيفته للتجسس على المستخدمين من باب المتعة والتسلية، وقد وقع هذا فعلياً في كثير من المرات، كانت ضحاياها غالباً من النساء اللائي تعرضن لما يمكن أن يُسمّى بـ"التحرش الإلكتروني".

والأسوأ من ذلك كله هو أنه وفي العديد من الحالات يتم بناء نموذج معلوماتي عن المستخدم يخالف الحقيقية التي هي/هو عليها، وهو ما يضعها/يضعه في حالة من الانفصام الرقمي بحيث تتكون عنها/عنه هوية تلصق بها/به ما لا يتطابق مع هويتها/هويته الحقيقية أو الهوية التي عملت/عمل على مدار حياتها/حياته على تكوينها. فالبيانات مهما بلغت دقتها تبقى عمياء. فلا يعني أنك تبحث عن نوع ما من السجائر أنك مدخن، ربما فقط تبحث لغرض معرفة الأسعار ومقارنتها بسلعة أخرى، وبذلك يتم تكون شخصية رقمية عنك هي شخصية مدخن، وتخضع عندها لكم من الإعلانات عن التدخين الأمر الذي ربما يؤثر على نفسيتك تجاه تبني عادة التدخين.

ففي اللحظة التي تكون فيها أونلاين على شبكة الإنترنت فأنت عرضة للاستباحة الرقمية. جميع مواقع الويب التي تدخل إليها، وجميع الإعلانات التي تقرؤها، وجميع الأماكن التي تذهب إليها، وجميع الأشخاص الذين تتواصل معهم، والوقت الذي تستغرقه في مكان ما، أو في الحديث مع شخص ما، وجميع اتصالاتك، ومدة هذه الاتصالات وتوقيتاتها، كل ذلك وأكثر يتم رصده ومراقبته وتخزينه على شكل بيانات رقمية في واحد من السيرفرات العملاقة التي تتبع إحدى شركات تكنولوجيا المعلومات سواء كانت أمازون، أو IBM، أو مايكروسوفت أو ألفابيت-جوجل، وهي أكبر أربع شركات تمتلك خدمة التخزين السحابي عالمياً.

ليس هذا وحسب، بل إن جهازك المحمول قادر على تخزين تحركاتك حتى وأنت خارج خدمة الإنترنت، كما أن منصات السوشيال ميديا مثل فيسبوك تقوم بتخزين حتى المحادثات التي قمت بحذفها من قائمة الماسنجر الخاص بك، أو أولئك الأشخاص الذين قمت بحذف صداقتهم من قائمة حسابك.

اقرأ أيضا:
من هيروشيما إلى بيروت .. عار الإنسان وفخ التكنولوجيا

إن تقنيات التعرف على الصوت أو التعرف على الوجه تجعل المراقبة تصل إلى أماكن لم يكن أحد يتخيل الوصول إليها سابقاً. إن شركات تكنولوجيا المعلومات ومن خلفهم الأجهزة الأمنية المتخصصة في الحكومات تسعى من خلال هذه التقنيات إلى تحقيق ليس مجرد المراقبة الشاملة بل أيضاً المراقبة الكثيفة.

فجمع البيانات الخاصة بك وحصدها من قبل هذه الكيانات لا يتعلق فقط بتتبع النقرات التي تقوم بها على جهازك الموصول بالإنترنت وحسب، بل يتعدى ذلك إلى رصد تقاسيم وجهك وتموجات صوتك. إننا نتحول مع هذه التقنيات إلى بصمات رقمية، وهي بصمات، للأسف، مفروضة علينا ولا نملك حرية الانفلات منها. إننا بحق ننتقل سريعاً من نموذج البينابتكون والمراقبة الشاملة التي نظر إليها ميشيل فوكو إلى مجتمع التحكم والسيطرة الذي نظر إليه الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، ولكنها سيطرة مشتتة ومفككة، وإنما سيطرة محكمة وشاملة.

ومع الحوسبة السحابية، وإنترنت الأشياء، ومحاولات إدماج الآلة بالإنسان كما يسعى إلى ذلك الملياردير الأمريكي إيلون ماسك من خلال اختراع شريحة حاسوبية BCI تُزرع في دماغ الإنسان وقادرة على التحكم في بعض الوظائف الحيوية فيه، فضلاً عن علاج بعض الأمراض المزمنة، ستصبح جميع البيانات مدمجة بأعصاب الإنسان لا متوقفة على مفاصله عندما ينقر على الفارة كما يحدث الآن!

إننا مقبلون على عصر تصبح القرصنة فيه غير متوقفة على الواجهات الحاسوبية الإلكترونية، بل تتعداها إلى الإنسان ذاته من خلال اعتراض أفكاره والتعرف عليها وربما العبث بها وتوجيهها. إنني لا أخشى من فكرة استبدال الآلة بالإنسان، ما أخشاه هو أن يتم الإدماج بينهما بحيث تنتقل خصائص الآلة إلى الإنسان، وبذلك تتضاءل المعاني الإنسانية في الحياة الأمر الذي يضعنا أمام عصر فرانكشتاين ولكن هذه المرة لن نكون بصدد وحش من بقايا جثث، بل وحش مركب من إنسان وآلة.

على جانب آخر تشكّل هذه الاستباحة الرقمية، والمراقبة الكثيفة، وجمع البيانات الدقيق، العصب الاقتصادي الذي تقوم عليه الماكينة الرأسمالية من جهة، والرصيد الرقمي الذي تبني عليه الحكومات سياساتها في إحكام السيطرة على المجتمعات ومراقبتها من جهة أخرى. إذاً، لا تشكل البيانات ترفاً أو فائضاً عن الحاجة، بل هي أساس الربح، والتحكم في هذا العصر.

لقد كشفت فضيحة المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي الأمريكي إدوارد سنودين عام 2013 عن حجم النهم الذي تكتنزه الحكومات في أوصالها تجاه جمع البيانات عن مواطنيها أو غيرهم. صحيح أن الرقابة وجمع المعلومات والبيانات ليس بالأمر الجديد، بل عادة صاحبت الإنسان طوال تاريخه، ولكن المدى الذي وصلت إليه تقنيات التجسس في عصر الإنترنت جعل الحكومات تصل إلى نهم غير مسبوق في التاريخ تجاه جمع البيانات ورصدها وتحليلها. وما كان في السابق فانتازيا الخيال السياسي كما في "الأخ الأكبر" من رواية جورج أورويل 1984، أصبح اليوم حقيقة معيشة بكل تفاصيلها. خذ على سبيل المثال العاصمة البريطانية لندن التي تعد واحدة من أكثر المدن في العالم التي تخضع للمراقبة الشديدة على وجه الأرض إذ تتمتع بوجود أكبر عدد من كاميرات المراقبة CCTV لكل فرد من السكان، مقارنة بغيرها من مدن العالم المتقدم. فالتقديرات تشير إلى وجود أكثر من 500 كاميرا منتشرة في جميع أحياء وشوارع لندن.

وإذا كان الحديث هنا يجري في حق الدولة الديمقراطية الرائدة وهي المملكة المتحدة والولايات المتحدة وتجاوزها جميع القوانين التي تحد من الاعتداء على خصوصية الأفراد، وتعقبهم في كل خطواتهم، فلنا أن نتخيل كيف يكون الحال في الأنظمة الشمولية أو الدكتاتورية.

وقد شكّلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر نقطة تحول في سلوك الولايات المتحدة تجاه سياسة التعقب والمراقبة الحثيثة. فقد شرعت وكالة الأمن القومي بالتجسس المحلي في 14 سبتمبر/أيلول 2001 أي بعد ثلاثة أيام من الهجمات كما تروي جوليا أنغوين في كتابها"سلطة شبكات التعقب"، وذلك عندما وافق مدير الوكالة مايكل هايدن، على اعتراض أي اتصال هاتفي، ودون مذكرة تفتيش، يُجرى من الولايات المتحدة بأرقام هاتفية محددة في أفغانستان تُعتبر إرهابية، أو يتم تلقيه في الولايات المتحدة من أرقام هاتفية من أفغانستان تُعتبر إرهابية. وفي 26 أيلول/سبتمبر، وسع هايدن الأمر ليغطي كل أرقام الهاتف في أفغانستان.

وبعد ذلك، ومن أجل جعل البرنامج أكثر شمولية، عمل هايدن مع نائب الرئيس ديك تشيني على وضع مسودة قرار أقرها الرئيس لاحقاً عُرفت بعنوان"إجازة رقابة إلكترونية معينة للنشاطات في فترة محددة لاكتشاف ومنع أعمال إرهابية داخل الولايات المتحدة". وقد سمح هذا القانون لكل من وكالة الأمن القومي بأن تجمع البيانات من خارج الولايات المتحدة، في حين أطلق يد FBI في جمع البيانات من داخلها.

أسقط لاحقاً شرط تحديد الوقت من القانون، وبدلاً من أن يكون التجسس لفترة محددة أصبح غير محدد بزمن. وفي هذا السياق أيضاً سعت وكالة الأمن القومي إلى تحقيق تعاون مع شركات الإنترنت والهواتف. وقد أشار بعض التقارير إلى أن الاتصال تم مع سبع شركات رفضت ثلاث منها فقط هذا النوع من التعاون.

لقد عُدت تجارة التجسس من التجارات الرائجة التي تُدر على أصحابها الكثير من المال. فقد انبرى العديد من الشركات التكنولوجية في تطوير برمجيات التجسس وبيعها للحكومات مقابل عقود بمئات الملايين من الدولارات. وقد كان العالم العربي واحداً من الوجهات المحببة لهذه الشركات، خصوصاً مع وجود رغبة كبير لدى حكومات المنطقة في امتلاك أحدث البرامج تطوراً في عالم التجسس، للإبقاء على هيمنتها في المراقبة والسيطرة.

فعلى سبيل المثال، باعت الشركة البريطانية العملاقة BAE Systems أحد أبرز أنظمة التجسس المسمى Evident للعديد من الحكومات العربية، ومنها تونس والإمارات والسعودية وعمان والبحرين والجزائر والمغرب.

لقد كشفت شبكة BBC في تحقيق لها عام 2017، كيفية عمل هذا البرنامج، من خلال مقابلة أحد العاملين السابقين في الشركة مِن مَن كان لهم دور في تطوير هذا البرنامج، إذ قال: "ستكون أيّة حكومة تمتلك هذا البرنامج قادرة على اعتراض أيّة حركة عبر الإنترنت. وإذا أرادت المراقبة عبر أراضي الدولة بأكملها، فيمكنها ذلك. ويمكنها أيضاً تحديد موقع الأشخاص استناداً إلى بيانات أجهزتهم الذكية. كما يمكنها متابعة الأشخاص من حولهم. ويعد البرنامج متقدماً في خدمة التعرف على الصوت، وعملية فك التشفير".

لقد أثبت الكثير من الدراسات والتقارير اعتماد الحكومات العربية على الشركات الغربية الموجودة في الدول الديمقراطية في امتلاكها لبرامج التجسس، فالسلطات المصرية إبان حكم حسني مبارك استخدمت تكنولوجيا التعقب من خلال برامج اشترتها من شركة Narus الأمريكية، وذلك من أجل التجسس على النشطاء المصريين في ذروة الاحتجاجات عام 2011.

لقد امتلكت الحكومة المصرية أحد أهم البرمجيات التجسسية التي طورتها هذه الشركة ويُدعى NarusInsight، وهو برنامج يزود مشغلي الشبكات والأمن بالقدرة على الحصول، بإدراك متكامل وآني، على جميع العمليات التي تعبر من خلال شبكاتهم في أي ظرف كان.

وللمفارقة، فقد فازت الشركة بجائزة من وزارة الأمن الداخلي الأمريكية عام 2010، في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تحث السلطات المصرية على زيادة الإصلاحات الديمقراطية.

ليس هذا وحسب، فقد أظهرت تقارير أن السلطات المصرية كانت قد اشترت أيضاً برنامجاً يُدعى FinFisher الذي طورته شركة بريطانية تُدعى Gamma International UK Ltd. وإذا أردنا تتبُّع الشركات الغربية التي اعتادت أن تبيع برمجياتها للتجسس للدول العربية، فربما تطول القائمة. فتوجد شركات مثل شركة Websense وBlue Coat وPalo Alto Networks وIntel’s McAfee وSmartFilter والشركة الكندية Netsweeper، وهي كلها شركات ساهمت من خلال صفقات تجارية في تزويد الحكومات العربية بتقنيات التجسس.

وفي وقت سابق، رفعت WhatsApp دعوى قضائية ضد شركة المراقبة الإلكترونية الإسرائيلية NSO Group، في محكمة اتحادية في الولايات المتحدة، مدعية أن تكنولوجيا التجسس التي تنتجها الشركة قد استخدمت في خدمتها للمراسلة الفورية في حملة واسعة النطاق استهدفت الصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان. وأكدت WhatsApp المملوكة لـFacebook في الدعوى القضائية، أن برنامج مجموعة NSO كان يهدف إلى إعداد استخدام WhatsApp للتجسس على أكثر من 1400 شخص في 20 دولة.

إن ما نتحدث به الآن ما هو إلا رأس جبل الجليد، وإن المخفي والمستور من برامج التجسس وتقنياتها، وحجم البيانات التي يجري تعقُّبها لا يزال مخفياً، ونحتاج إلى الكثير من العمل والجهد من أجل الكشف عنها ورصدها، ومن ثم العمل على تقييدها والحد منها. إننا في زمن الاستباحة الرقمية، زمن تصبح فيه البيانات أهم من الإنسان، وأكثر قيمة منه.

المصدر: TRT عربي