بينما تدعو القيادة المركزية الحالية بزعامة أمين عام اتحاد الشغل نور الدين الطبوبي لتنقيح القانون الأساسي تمهيداً لعهدة نقابية جديدة، يرفض شق آخر من القيادات الوسطى يقودها الكاتب العام لنقابة التعليم الثانوي التي تعتبر صلب المنظمة، لسعد اليعقوبي الأمر

على وقع صراع داخلي حادٍّ حول مبدأ الحفاظ على الديمقراطية والتداول السلمي للمواقع القيادية، بات اتحاد الشغل التونسي الذي يعد أكبر صرح نقابي بالبلاد، في عين عاصفة يتقاذفها شقان، يدافع كل منهما عن شرعيته وحقه في الوجود وقيادة المنظمة العريقة.

فبينما تدعو القيادة المركزية الحالية التي يتزعمها الأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي لتنقيح القانون الأساسي تمهيداً لعهدة نقابية جديدة، يرفض شق آخر من القيادات الوسطى التي يقودها الكاتب العام لنقابة التعليم الثانوي، التي تعتبر صلب المنظمة، لسعد اليعقوبي، الأمر، ويعتبرونه ضرباً لنهج الديمقراطية، ومبدأ التداول السلمي للمسؤولية النقابية التي تعد السمة الأبرز للمنظمة الشغلية.

للمزيد اقرأ:
لماذا صمت الرئيس التونسي عن التطبيع الإماراتي؟

ولا يستمد اتحاد الشغل الذي أسسه الزعيم النقابي الراحل فرحات حشاد في 20 يناير/كانون الثاني 1946، أهميته من دوره الاجتماعي والاقتصادي، من خلال الحفاظ على حقوق العاملين والطبقات الكادحة فحسب، بل إن المنظمة لعبت على مر الحكومات المتعاقبة دوراً في مقاومة الدكتاتورية قبل الثورة، وساهمت بعدها في إدارة الحوار بين الفرقاء السياسيين وتجنيب البلاد سيناريو الفوضى، على إثر موجة الاغتيالات السياسية في 2013، لتتوج بالحصول على جائزة نوبل للسلام بأكتوبر/تشرين الأول 2015، مناصفة مع ثلاث منظمات وطنية أخرى -اتحاد الصناعة ورابطة حقوق الإنسان وهيئة المحامين، ساهمت مجتمعة في رعاية حوار وطني رباعي أخرج البلاد من أزمتها الخانقة.

وينضوي تحت راية اتحاد الشغل أكثر من 700 ألف منخرط وفق مصدر من النقابة لـTRT عربي، إذ لا توجد أرقام رسمية، ويقدر عدد النقابات القطاعية صلب الاتحاد بنحو 40 هيكلاً نقابياً بالقطاعين الخاص والعمومي، يشمل جميع المجالات الحيوية من صحة وتعليم ونقل واقتصاد وإعلام وأمن.

المؤتمر الاستثنائي والفصل 20

صراع القيادة المركزية وبقية الهياكل النقابية الوسطى والقاعدية انطلقت شرارته بعد إعلان القيادة عن توجهها لتنقيح الفصل 20 من القانون الأساسي، الذي حدد المدة النيابية لأعضاء المكتب التنفيذي بدورتين متتاليتين بهدف التمديد للقيادة النقابية الحالية، والعمل على ذلك من خلال تنظيم مؤتمر استثنائي اعتبره الشق الرافض غير قانوني.

وسارع أكثر من مئتي نقابي إلى الإمضاء على عريضة احتجاجية مطلع الشهر الحالي، تحت عنوان "لقاء القوى النقابية الديمقراطية.. تكريساً للديمقراطية ورفضاً للانقلاب"، للتنديد بما وصفوه انقلاباً على المسار الديمقراطي داخل المنظمة، من خلال التوجه نحو تعديل القانون الأساسي.

الموقعون اعتبروا أن "الاتحاد العامّ التونسي للشغل على عتبة حقبة مفصلية من تاريخه قد تكون تداعياتها الأخطر على الإطلاق"، كما نبهواإلى أنالإقدام على تنقيح الفصل 20 عبر عقد مؤتمر استثنائي غير انتخابي لا يمكن إلا أن "يُعد انقلاباً أخلاقياً وقانونياً على تشريعات المنظمة، وضرباً للمسألة الديمقراطية في صلبها وهو ما يمكن أن يرتب تداعيات خطيرة على المنظمة داخليّاً ووطنيّاً ودولياً"، وفق نص العريضة.

ويرفض القيادي النقابي لسعد اليعقوبي بشكل نهائي دعوات القيادة المركزية ومكتبها التنفيذي لعقد مؤتمر استثنائي غير انتخابي بهدف تعديل الفصل 20 من القانون الأساسي للمنظمة، مشدداً في حديثه لـTRT عربي على أن "الاتحاد ليس حكراً على أسماء بعينها وأن من يحاول تلخيصها في القيادات الحالية يعمد إلى تقزيمها وتقزيم نضالات منخرطيها".

للمزيد اقرأ:
في تونس: هل الفرنكوفونية شرط لتولّي المناصب؟

اليعقوبي اتهم القيادات الحالية بمحاولة احتكار السلطة والانقلاب على الديمقراطية والتداول السلمي للمسؤولية النقابية بالمنظمة، منبهاً إلى أن تعديل الفصل 20 إن جرى ليس إلا خطوة استبدادية تعيد المنظمة العريقة التي ناضلت ضد الدكتاتوريات إلى الوراء، ويشدد في السياق ذاته على أنه سيواصل برفقة زملائه "معركة الديمقراطية" صلب المنظمة وعدم تغيير القانون الأساسي أو الدعوة لعقد مؤتمر استثنائي في الغرض على الرغم من تصويت أغلبية النقابيين لذلك.

دعم للاستقرار

على الجانب الآخر، تتعلل القيادات المركزية النقابية بأن القانون الأساسي للمنظمة ليس "قرآناً منزلاً" ويمكن تعديله إذا اقتضت الحاجة، مبررين ذلك بمخاوفهم من تداعيات مغادرة عدد هام من القيادات الحالية الوازنة دفعة واحدة، وما قد يحدثه من اضطراب في سير عمل المنظمة بالنظر إلى الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتأزم الذي يتطلب قيادات ذات حنكة وخبرة بالوضع السياسي والاقتصادي.

ويرى العضو في اتحاد الشغل والكاتب العام السابق، مهدي عبد الجواد في حديثه لـTRT عربي أن عملية تجديد المكتب التنفيذي للمنظمة الشغيلة كل سنتين من شأنه أن يخلق "شللاً مفاجئاً بعمل المنظمة ويستنزف الطاقات البشرية والمادية"، وبرر دعوته برفقة آخرين لتنقيح القانون الأساسي بهدف تمكين القيادات الحالية من التمديد في عهدتها، كونها اكتسبت تجربة مهمة بعد أن رافقت عملية الانتقال الديمقراطي بعد الثورة وكان لها دور بدعم الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي.

ويشير عبد الجواد إلى أن القانون الأساسي للمنظمة "ليس قرآناً منزلاً" وبأنه جرت صياغته في إطار زمني وتاريخي معين انتفت أسبابه، منتقداً الشق الداعي لعدم تعديله ومتهماً إياه بالتواطؤ مع بعض الأحزاب لاختراق المنظمة النقابية.

الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل سمير الشفي أكد في تصريح إعلامي محلي أن المنظمة الشغيلة لن تتأثر بالخلافات داخلها، وأنها ستظل محافظة على وحدتها وتماسكها، مقللاً من موجة الاستنكار والاحتجاج حول تعديل القانون الأساسي، ووصفها بأنها شكل من أشكال التعبير الديمقراطي في المنظمة.

المجلس الوطني لاتحاد الشغل كان قد صدَّق الأربعاء بالأغلبية على الدعوة لعقد مؤتمر استثنائي غير انتخابي، ما يعني حسب مراقبين، المرور بقوة نحو تعديل القانون الأساسي والتمديد للمكتب التنفيذي الحالي لعهدة جديدة على الرغم من استنكار الشق المناوئ، وهو ما قد ينبئ بتواصل معركة القيادة وآليات التداول السلمي للمسؤولية النقابية صلب المنظمة الشغيلة.

المصدر: TRT عربي