إذا كانت السياسة هي فن إدارة الشأن العام وتسييره من أجل تحقيق مصالح الناس وحفظ حقوقهم، فإنها اليوم لم تعد تعتمد على البيانات والتصاريح الحكومية فقط، بل أصبحت عبارة عن سلعة ومنتج يُسوق لها.
فهنالك شركات متخصصة في العلاقات العامة والتسويق السياسي تقوم بعمل دعائي للاحزاب السياسية. وفي هذا الإطار يكتسي التسويق السياسي من خلال سياسة صناعة الصورة الذهنية ودور مواقع التواصل الاجتماعي أهمية كبرى، حيث فتح لمستخدميه فرصاً أكبر للتأثير والنجاح، وأعطى قيمة مضافة للتنافس السياسي بين الأحزاب السياسية.

الصورة الذهنية هي الخريطة التي يستطيع الإنسان من خلالها أن يفهم ويدرك ويفسر الأشياء؛ أي إن الصورة الذهنية هي الفكرة التي يكوّنها الفرد عن موضوع معين وما يترتب على ذلك من أفعال سواء سلبية أو إيجابية، وهي فكرة تكون عادةً مبنية على المباشرة أو على الإيحاء المركز والمنظم، بحيث تتشكل من خلالها سلوكيات الأفراد المختلفة.

التسويق السياسي كتقنية يعتمد على صناعة الصورة الذهنية من خلال التسويق عبر وسائل الإعلام والعلاقات العامة، وذلك بقياس حالة الطلب عند الجمهور. كما يدخل في صناعة هذه الصورة إدارة التقنية والأدوات المعتمدة على قواعد علمية مقتبسة من علوم أخرى؛ منها على الخصوص علوم الطب النفسي والعلوم السلوكية، وأيضاً بعض أنماط علم الاقتصاد التي لها علاقة بالحاجات والرغبات والعرض والطلب.

ففي الماضي قبل 50 سنة كانت تقنيات التسويق السياسي لصناعة الصورة غير متوفرة بالشكل الحالي، حيث كان الزعيم هو من يتدخل بكل عناصر قوته. فأيام الزعيم الألماني أدولف هتلر مثلاً لم تكن تقنيات التسويق الحديثة موجودة، فكان يحضر بقوته ويصنع صورته، ويعمل حزبه على حشد الجماهير، و كانت كاريزما الزعيم وقوة شخصيته هي التي تصنع صورته عند الجماهير.

صناعة الزعماء وتسويق صورتهم لدى الشعوب تقوم عليها جهات متخصصة في رسم الصورة كنشاط من أنشطة العلاقات العامة والدعاية السياسية، وهو أسلوب متعارف عليه يطلق على من يمارسه اسم "صانعي النجوم" أو خبراء الصورة الذهنية، إذ أصبحت صناعة الرؤساء مهنة متقدمة لها أصولها وقواعدها وبرامجها ومخططوها ومحترفوها وهواتها وعشاقها أيضاً، وهم من يقومون بصناعة صورة المرشحين للرئاسة، ثم يستمرون في رسم صور الرؤساء أنفسهم طوال فترة حكمهم.

وتبدأ صناعة الزعيم بآليات ووسائل وميكانيزمات يصور أنها طبيعية وتلقائية وفطرية وإنسانية، ولكنها كانت مخططة بطرق ذكية للغاية. خصوصاً مع وجود وسائل الإعلام المتطورة، وتطور الأفكار في المجال النفسي والاجتماعي والإعلامي.

تستطيع الاحزاب في الغرب بمنظومتها الإعلامية الهائلة وأجهزتها المتفوقة تسويق زعماء احزابها إلى الشعب. وبذلك نجد أن تسويق شخصية الحزب أمر هام وضروري قبل تسويق الأفكار التي تحملها تلك الشخصية. وانضم إلى هذه الصناعة الكثيرون؛ بدءاً من أطقم التلفزيونات وخبراء استطلاعات الرأي وعلماء النفس والاجتماع وخبراء لغة الجسد "Body language" أي الخطاب السياسي غير اللفظي المتعارف عليه أكاديمياً "بالسميولوجيا السياسية".

تبدأ صناعة الزعيم بآليات ووسائل وميكانيزمات يصور أنها طبيعية وتلقائية وفطرية وإنسانية ولكنها كانت مخططة بطرق ذكية للغاية خصوصاً مع وجود وسائل الإعلام المتطورة.

زهير عطوف
ومؤخراً دخل على الخطر خبراء وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى علماء السياسة والاقتصاد ومصممي الأزياء، وأصبح منصب الرئيس في أي بلد سلعة كأي سلعة تنتج أو يعاد إنتاجها ويتم الترويج لها، وكذلك بقية رموز الحزب وزعمائه. فصناعة الزعماء اليوم هي مهنة قائمة بذاتها باحتراف.

زعماء الدول الغربية مثل الولايات المتحدة الامريكية اليوم تساعدهم التقنيات الحديثة، فحينما يصعدون في المهرجانات الخطابية ويتكلمون دون ورقة، ويرتجلون ويحكون ببلاغة عن نقط محددة وقضايا مختلفة، يساعدهم في ذلك وجود شاشات يمكن أن يقرأ منها دون أن تظهر. كل هذا يدل على أهمية صناعة الصورة في السياسة، خصوصاً أن شعوب العالم عموماً تنظر بشكل مميز وبطريقة خاصة الى الموقع الأول في بلادهم -مثل الرئيس- ولذا يجب أن يمتلك مواصفات متميزة لتلبية الحاجة النفسية والثقافية عند الناس. فاليوم يشتغل متخصصوا التسويق السياسي بشكل دائم ومستمر على هذه الصورة لكي تكتمل.

عندما يترشح زعيم ما لمنصب سياسي في الغالب لا ينتخبه ناخبوه لاقتناعهم ببرنامجه الانتخابي وانتمائه الايديولوجي أو السياسي –رغم أهميتهما- بل هناك دوماً ما هو أهم وهي صورته في أذهان الجماهيره، وسامته، طريقة كلامه، مشيته، ومراقبة ملامح وجهه، حين يكتسي بالصرامة والجدية أو عندما يمزح.

إذن تصنع صورة القيادة والرئيس عبر مجموعة من العناصر؛ منها حياته الخاصة، فالرؤساء يلاحظ عنهم دائماً ما يصطحبون زوجاتهم معهم؛ لأن الشعب يهتم بهذه الصورة، وهي مظهر من مظاهر التماسك الاجتماعي، وجود زوجة الرئيس إلى جانبه دائماً يساعد على تشكيل هذه الكاريزما المحببة من طرف الشعوب لرؤسائهم.

تستخدم الاحزاب في تركيا "السوشيال ميديا" بشكل متميز وفعال وتعتبر من أثرى التجارب في الشرق الأوسط فيما يخص الانتخابات.

زهير عطوف

من جهة أخرى ونظراً لتطور العالم وتطور أساليبه التسويقية، أصبح اليوم ما يعرف بالتسويق السياسي عبر شبكة الإنترنت وخصوصاً منها مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كانوا قديماً يعتمدون على الترويج والتسويق لسلعة أو لمنتج سياسي على أرض الواقع وجهاً لوجه، أما اليوم فهم يروجون لسلعة ما ويسوقون سياسياً لمنتج ما عبر شبكات الإنترنت حول العالم كله، وليس فقط في محيط معين. وأصبح التسويق للحزب عبر شبكات التواصل الاجتماعي نوعاً من الأساليب الجديدة في عالم التسويق السياسي.

في هذا الإطار تستخدم الاحزاب في تركيا "السوشيال ميديا" بشكل متميز وفعال، وتعتبر من أثرى التجارب في الشرق الأوسط فيما يخص الانتخابات. استعمال الاحزب لوسائل التواصل الاجتماعي خصوصاً اليوتيوب والفايسبوك والتويتر وانستغرام جعل التفاعل مع الناخبين الأتراك الشباب أكثر سهولة، وجذب هذا النوع من التواصل جمهوراً جديداً.

كما أحدث استعمال "السوشيال ميديا" نوعاً من التماس مع الشرائح العمرية المختلفة البسيطة. والشباب التركي ينجذب أكثر إلى السياسي الذي يستخدم أدواتهم، فالشباب عندما يلاحظ أن الحزب يستخدم أدوات العصر، ويعدهم بمنتجات سياسية واعدة يكون التفاعل بشكل أقوى. وفي هذا الصدد رغم الاستعمال الفعال لوسائل التواصل الاجتماعي في التسويق السياسي من طرف الاحزاب التركية، حيث تسعى هذه الاحزاب إلى الحفاظ على الناخبين في المناطق الحضرية الأكثر تعلماً من الشباب والنساء.

وفي هذا السياق يولي حزب العدالة والتنمية أهمية قصوى لمجال التواصل الاجتماعي، إذ يملك "جيشاً إلكترونياً" مقره في إسطنبول، يحتوي على أكثر من 200 موظفاً، ومهمتهم إصدار الإعلانات الإلكترونية والفيديوهات القصيرة. كما تدار من هذا المقر صفحات الحزب وحساباته على الفايسبوك وإنستغرام ويوتيوب وتويتر. هذا الاخير احتل فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، المرتبة الرابعة بين أكثر قادة العالم متابعًة على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، بعدد متابعين وصل اكثر من 13و نصف مليون متابع، كما أصدر الحزب في الانتخابات البلدية الحالية أكثر من 150فيديو يبلغ متوسط المقطع أكثر من دقيقة.

احتل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المرتبة الرابعة بين أكثر قادة العالم متابعًة على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" بعدد متابعين وصل اكثر من 13 مليون ونصف.

زهير عطوف

أما في الولايات المتحدة الامريكية بعدما كانت الشوارع والميادين العامة أبرز ساحات الحملات الانتخابية التي يحاول السياسيون فيها إقناع الناخبين الامريكيين ببرامجهم الانتخابية، ويحثونهم على المشاركة في الانتخابات والتصويت لهم أو حتى مقاطعتها، تغيّر الواقع اليوم وتغيّر معه مكان هذه الحملات، فأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي كالتويتر أبرز أماكنها. وفي هذا السياق أثارت التغريدات التي بثها دونالد ترامب على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" أثناء حملته الانتخابية الرئاسية عام 2016، جدلاً واسعاً في الأوساط الأمريكية وخارجها. وتوضح الإحصاءات من موقع تويتر أنه قبل إجراء الانتخابات الرئاسية بنحو أسبوع، تم ذكر ترامب في تويتر أكثر من 5.8 ملايين مرة، وشارك فيها أكثر من 8.4 ملايين مشترك.

يستخدم ترامب موقع التويتر "كسلاح استراتيجي"، حيث استطاع أن يسوق لنفسه من خلال التويتر ويجعل منه نافذة التواصل المركزية المباشرة مع الجمهور الأمريكي، متجاوزاً بذلك أشكال الاتصال المختلفة، سواء الحديث عبر وسائل الإعلام التقليدية -التلفاز مثلاً- التي حظيت بمرتبة أقل في اهتماماته، أو عقد مؤتمرات صحفية مباشرة.

وحظي ترامب في حملته الانتخابية باهتمام وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية بشكل شبه يومي، كما أنه استخدم بفعالية حسابه في التويتر حيث كان لديه أكثر من 42 مليون متابع على هذا موقع. وقد صرح ترامب، في احد المرات أن استخدامه لوسائل التواصل الاجتماعي هو الذي أوصله إلى البيت الأبيض.

ختاما يمكن أن نقول أنه إذا كانت في الماضي الكاريزما الفطرية هي التي تصنع الزعيم السياسي، أما حاليا فلم يعد هناك حاجة أن تكون هذه الكاريزما الفطرية حاضرة بشكل كبير، فقد أصبح من الممكن صناعتها. واليوم نرى أن هناك صناعة للقيادات السياسية عن طريق فريق يعمل على مجموعة من آليات التسويق السياسي القائمة على سياسة صناعة الصورة الذهنية، ومواقع التواصل الاجتماعي.

TRT عربي