اتّجهت دول عربية خلال الأسابيع القليلة الماضية إلى تطبيع العلاقات مع نظام الأسد (Sana/Reuters)

على الرغم من الفظائع الإنسانية وجرائم الحرب التي انتهجها النظام السوري على مدار عقد كامل منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، وما تبع ذلك من تشريد ونزوح لما يزيد على نصف الشعب السوري، ومقتل ما لا يقل عن نصف مليون سوري، واختفاء أكثر من 100 ألف شخص، اتجهت دول عربية إلى تطبيع العلاقات مع نظام بشار الأسد.

ويرى مراقبون أن وتيرة التطبيع المتسارعة تعكس إيعازاً وضوءاً أخضر من واشنطن حصلت عليه بعض الدول العربية للتقارب مع نظام الأسد.

نهج إدارة بايدن المغاير تجاه سوريا

تفرض الولايات المتحدة عقوبات على نظام الأسد بموجب قانون "قيصر" الأمريكي الذي دخل حيّز التنفيذ في 17 يونيو/حزيران 2020، وذلك من خلال تجميد مساعدات إعادة إعمار سوريا، وملاحقة أفراد وكيانات متّصلة بالنظام السوري ومُثبت تورّطها في جرائم وانتهاكات بحق الشعب السوري.

وحذّر القانون مستثمري الشرق الأوسط من أنّ واشنطن ستبدأ التحرّك لمنع تدفّق استثمارات لنظام الأسد.

و"قيصر" هو اسم استُخدِم لإخفاء الهوية الحقيقية لعسكري سوري سرّب صور سجناء تعرّضوا للتعذيب حتى الموت في سجون نظام الأسد بين عامَي 2011 و2013. فيما وثّق المصور مجهول الهوية نحو 55 ألف صورة كان لها صدى مدوٍّ، دليلاً على جرائم الحرب التي ارتكبها النظام السوري بما فيها من القتل والتعذيب المنهجي.

وعندما وصلت إدارة جو بايدن إلى رئاسة البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني من العام الجاري، كانت حكومات الشرق الأوسط مترقبة إلى حد كبير دعم بايدن لقانون قيصر وقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2254 لعام 2015.

ويدعو قرار مجلس الأمن إلى وقف إطلاق النار بكل الأراضي السورية وإلى مفاوضات حول تسوية سياسية تتضمّن السعي نحو "حكم شامل غير طائفي ذي مصداقية"، إضافة إلى صياغة دستور جديد، وعقد انتخابات وطنية حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة.

لكن على أرض الواقع ومنذ وصول إدارة بايدن إلى السلطة لم تدفع الدبلوماسية الأمريكية على نحو جاد لتطبيق قرار مجلس الأمن أو تنفيذ قانون قيصر، بل انتهجت دبلوماسية هادئة اللهجة وتوقّفت عن انتهاج أية مساعٍ لإسقاط نظام الأسد.

قطار التطبيع العربي بضوء أخضر أمريكي؟

حسب مراقبين أعطى ذلك النهج الأمريكي غير الحازم بشأن إسقاط حكم الأسد الضوء الأخضر ضمنياً لبعض الدول العربية لتطبيع علاقاتها مع نظام الأسد.

شهدت الأشهر القليلة الماضية عديد التطورات، إذ حضر وزير الخارجية السوري فيصل المقداد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك في شهر سبتمبر/أيلول المنصرم، وتخلّل ذلك لقاءات ودية للمقداد مع وزراء خارجية كل من مصر والأردن وتونس والجزائر والعراق وعُمان، كما أسفرت اللقاءات عن تعهّد وزير الخارجية المصري سامح شكري بالمساعدة في "استعادة مكانة سوريا في العالم العربي".

وسعى الأردن على نحو خاص لتسريع وتيرة التقارب مع نظام الأسد ففتح "معبر جابر" الحدودي مع سوريا، ثم أعاد إحياء مشروع "خط الغاز العربي" الذي يُنقَل بموجبه الغاز الطبيعي المصري إلى لبنان عبر الأردن وسوريا، ما سيؤدّي بالتأكيد إلى مدفوعات نقدية للأسد.

وبدلاً من اعتراض ذلك نصحت إدارة بايدن الدول المشاركة في المشروع بأنّه يمكنها تجنّب عقوبات قانون قيصر عن طريق تمويل الصفقة من خلال البنك الدولي، ما يراه متابعون "يعزّز بشكل أساسي ثغرات في قانون قيصر الأمريكي".

وتُوِّجت العلاقات بين النظام السوري والأردن باتصال رأس النظام بشار الأسد بالعاهل الأردني هاتفياً، ما يعكس دلالة واضحة على أن مسار العلاقات بين البلدين قد أخذ أبعاداً سياسية أكبر بكثير من الشق الاقتصادي.

ويعدّ الاتصال بين ملك الأردن ورئيس النظام السوري الأول من نوعه منذ اندلاع الأزمة في عام 2011.

كما شهدت الفترة الماضية فتح كل من الإمارات والبحرين سفارتيهما في دمشق، لتنضمّا بذلك إلى مجموعة من الدول العربية صاحبة التمثيل الدبلوماسي مع النظام السوري حالياً مثل مصر والأردن والعراق وعُمان والجزائر.

سياسة "عدم التدخّل" أم تمهيد لتطبيع أمريكي؟

على الرغم من استمرار بعض الجهود الدبلوماسية الأمريكية والأممية في سوريا، غير أنّ تلك الجهود مجتمعة لا تخرج بتعبير تشارلز ليستر مدير برامج سوريا ومكافحة الإرهاب والتطرف في معهد الشرق الأوسط الأمريكي، عن إطار "الإسعافات الأولية" التي تعالج العرض لا المرض.

ويوضّح ليستر في مقاله المنشور بمجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أنّ المكوّنات الوحيدة الواضحة لسياسة إدارة بايدن في سوريا باتت ترتكز على "ضمان وصول المساعدات الإنسانية ومواجهة تنظيم داعش الإرهابي".

ويعتبر الخبير بمعهد الشرق الأوسط أنّ تقديم المساعدات ومحاربة الإرهاب "مجرّد وسائل إسعافات أولية" تعالج أعراض الأزمة السورية، بينما تسمح للأسباب الجذرية، وهي استمرار حكم بشار الأسد وجرائمه المروعة، بالتفاقم.

ويرجِع محلّلون النهج الأمريكي الجديد في سوريا إلى "استراتيجية عدم التدخّل" التي تتبعها إدارة بايدن فيما يتعلّق بالنزاعات والحروب الخارجية، وهو ما يعكسه أيضاً انسحاب أمريكا الصادم من أفغانستان والتبعات الوخيمة التي نتجت عنها، ويصنِّف ليستر تلك الاستراتيجية باعتبارها جزءاً من فلسفة أوسع تُسّمى "الاستقرار المفوَّض" تجاه الشرق الأوسط، إذ تُمنح الدول الإقليمية إذن ضمني لمحاولة حل القضايا الإقليمية الحادة بنفسها بأقل قدر من التدخّل الأمريكي.

وعلى الرغم من أنّ نتاج ذلك قد يكون في كثير من الأحيان غير مستساغ بالنسبة إلى واشنطن، فإنّ هذا النهج من الناحية النظرية يمكّن إدارة بايدن من التركيز على القضايا التي تعتقد أنها ذات أهمية أكبر، مثل المنافسة مع الصين. فيما يراه آخرون تهميداً من الرئيس الأمريكي نحو تطبيع بلاده مع سوريا وإنهاء عزلتها الدولية.

TRT عربي