رغم تصنيف تونس من بين أفضل 10 بلدان في مجابهة جائحة كورونا وتجاوزها الأزمة بأخف الأضرار إلا أن فترة الحظر، وإغلاق الحدود ألقت بظلالها على الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

رئيس الحكومة التونسية إلياس الفخفاخ
رئيس الحكومة التونسية إلياس الفخفاخ (AFP)

صيحة فزع أطلقها رئيس الحكومة التونسية إلياس الفخفاخ إزاء الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه البلاد.

فخلال كلمته في الجلسة البرلمانية العامة المخصصة للحوار مع الحكومة 25 يونيو/ حزيران، قال الفخفاخ إن تونس تعيش وضعاً اقتصادياً خطيراً لم تشهده منذ سنوات طويلة، لا سيما مع تسجيل أقل نسبة نمو عرفتها البلاد منذ الثورة بـ -6%.

أرقام تنذر بأزمة

رغم تصنيف تونس من بين أفضل 10 بلدان في مجابهة جائحة كورونا وتجاوزها الأزمة بأخف الأضرار إلا أن فترة الحظر، وإغلاق الحدود ألقت بظلالها على الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

الفخفاخ أفصح عن حقيقة الوضع بالأرقام والمعطيات حيث فُقد قرابة 130 ألف موطن أشغالهم، تضاف إلى 650 ألف عاطل عن العمل، مع تسجيل نقص في موارد الدولة بأكثر من 5000 مليون دينار، وارتفاع المديونية إلى أكثر من 60% بمبلغ يقدر بـ92مليار دينار (32مليار دولار) بحسب ما أورده في تصريحات الفخفاخ.

وفي سياق حديثه عن الأزمة ذكر رئيس الحكومة أن الوضع الاقتصادي كان صعباً قبل جائحة كورونا، واليوم تفاقمت الأوضاع إلى الأسوأ فهناك 4 ملايين تونسي "حوالي ثلث الشعب" يعانون الفقر.

احتقان وخطة إنقاذ

وعلى ضوء المعطيات التي قدمها رئيس الحكومة يرى مراقبون أنها واقع أصبح ينذر باحتقان اجتماعي بدأت تطفو تجلياته على السطح مؤخراً في عدة جهات من البلاد خاصة في محافظة تطاوين التي شهدت احتجاجات تطالب بالتنمية والتشغيل.

احتقان الشارع لم يفوّته الفخفاخ في خطابه قائلاً إنه في كلّ مرة تشهد البلاد احتجاجات على خلفيّة تنمويّة، نقدم حلولاً ترقيعية، ونحدث شركات بستنة وغراسة كمسكّنات للوضع.

وعقب الفخفاخ بأن "أسلوب الترقيع الذي اعتمدته الحكومات السابقة انتهى ويجب تغييره"، كما قال إن "الحكومة أعدت خطة إنقاذ لإعادة بناء الاقتصاد الوطني، وإن المعركة القادمة هي معركة إنقاذ الدولة"، على حد تعبيره.

حكومة الفخفاخ وإدارة الأزمة

الكاتب والمحلل السياسي أبو لبابة سالم قال إنه رغم صيحة الفزع التي أطلقها الفخفاخ إلا أنه أكد أن الأمل في الإنقاذ موجود، وهناك ثقة في قدرة التونسيين على تجاوز الصعوبات معتبراً أن السياسي الذي لا يعطي جرعة أمل لشعبه الأفضل له أن يستقيل.

كما اعتبر سالم في حديثه لموقع TRT عربي أن رئيس الحكومة رغم الانتقادات التي تطاله من المعارضة فإنه شخصية واقعية ورجل اقتصاد وسياسة يقود حكومة هويتها ديمقراطية اجتماعية تضم 4 أحزاب إصلاحية وتريد التغيير، لكنها غير متجانسة، وهناك خلافات أيديولوجية بينها، وهو ما يحول دون عملها بالنجاعة المطلوبة.

أما الكاتب والباحث سمير حمدي فقد اعتبر أن الفخفاخ قدم خطاباً تهويلياً رغم أنه مبني على وقائع. غير أنه لم يتضمن ما يكفي من التطمينات للشارع من خلال وضع خطط إنقاذ اقتصادي عاجلة على حد تعبيره.

وقال حمدي إنه إذا استثنينا مبالغة رئيس الحكومة في تصوير المعونات الاجتماعية زمن الحجر الصحي على أنها إنجاز فمن الصعب القول إن هناك إضافة فعلية في الإدارة الحكومية للأزمة.

كما تطرق حمدي في حديثه لـ TRT عربي للمشهد الحكومي معتبراً أن مشكلة الحكومة الحالية افتقادها للتجانس، وشعور رئيس الحكومة أنه لا يملك القرار من ذاته بما يمنحه الثقة بالنفس. فهو بين مطرقة الفضل الرئاسي الذي جاء به للسلطة، وسندان الأحزاب التي تعتبره قادماً من حزب غير برلماني ولا يملك حضوراً شعبياً على حد تعبيره.

وأضاف حمدي أنه في ظل التجاذب الحزبي، وغياب التضامن الحكومي، وفوضى البرلمان، والعجز الرئاسي المزمن فمن الصعب أن تنجز الحكومة شيئاً إذا استمرت. فهي حكومة محاصصة، وتوافقات، وصفقات، وتنازع نفوذ وصلاحيات، وبالتالي هي وجه من وجوه الأزمة السياسية في البلاد على حد وصفه.

جذور الأزمة والحلول المطروحة

الكاتب سالم قال إن حكومة الفخفاخ ورثت تركة ثقيلة فجذور الأزمة في تونس تعود إلى زمن ما قبل الثورة حيث تسيطر عائلات معروفة على الاقتصاد، وهناك مراكز نفوذ لها أذرع إعلامية تعرقل مسارات الإصلاح منذ 10 سنوات.

حكومة الفخفاخ ورثت تركة ثقيلة فجذور الأزمة في تونس تعود إلى زمن ما قبل الثورة حيث تسيطر عائلات معروفة على الاقتصاد

الكاتب والمحلل السياسي أبو لبابة سالم

كما زادت جائحة كورونا الأمر تعقيداً بسبب هشاشة الاقتصاد، إضافة إلى التضحيات المالية لمساعدة مليون و100 ألف تونسي قدمتها الحكومة فترة الحجر الصحي لفائدة الفئات الفقيرة والمتضررة.

أما عن الحلول التي طرحها الفخفاخ في كلمته فقد رأى سالم أنها قد تساهم جزئياً في تأجيل الأزمة خاصة مع خطة الإنعاش الاقتصادي التي ستتواصل طالما بقي خطر كورونا قائماً.

وقال سالم إن خطة الحكومة في دفع الاقتصاد والنمو من خلال رفع العراقيل عن المشاريع المعطلة التي تقدر كلفتها بـ3 مليارات دينار، والتركيز على الجهات الداخلية التي بدأت تحركات احتجاجية، وغلياناً اجتماعياً من شأنها أن تكون حلاً ولو جزئياً.

وختم سالم حديثه بأن دفع الاستثمار الداخلي وجلب الاستثمار الخارجي مرتبط بمكافحة الفساد الذي تحدثت عنه تقارير دولية خاصة في مجال الصفقات العمومية، لذلك أولوية الحكومة من أجل إصلاح الوضع هي الحرب على الفساد.

المصدر: TRT عربي