مثّل فوز أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد في الانتخابات الرئاسية التونسية بنسبة 72% على حساب منافسه نبيل القروي حدثا فارقاً ليس على المستوى المحلي فحسب بل على المستوى الدولي أيضاً.

لاقى فوز قيس سعيد أصداء واسعة لدى الرأي العام لاسيما الصحافة الغربية، التي ركزت قبل انتخابات الدور الأول في الخامس عشر من سبتمبر/أيلول الماضي على بعض المرشحين الآخرين، معتبرة أن المنافسة ستنحصر بينهم غير مضمنة رجل القانون في الحسبان.

فرنسا وصعود قيس سعيد إلى سدة الحكم

وبالنظر لأهم المواقف الدولية من صعود قيس سعيّد إلى سدة الحكم فإن فرنسا تُعتبر أول المعنيين الخارجيين بالشأن الداخلي التونسي بحكم ارتباطها التاريخي كمحتل سابق للبلاد لمدة 75 سنة، وارتباطها الاقتصادي كشريك أول لتونس حالياً خاصة في مجال الثروات الطبيعية.

فضلاً عن كونها حليفاً سياسياً يرى الكثيرون أنه يتجاوز حدوده ليصل إلى ممارسة الوصاية غير المباشرة والمباشرة أحيانا. وهو ما تكرس خاصة في عهدَي الرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي من خلال إبرام اتفاقيات سياسية واقتصادية تصب في صالح فرنسا والاتحاد الأوروبي، أبرزها اتفاقية "الأليكا" للتبادل التجاري والتي يُجمع كثير من خبراء الاقتصاد أنها لم تجلب إلا الضرر للسوق التونسية.

أول الردود الفرنسية على الفوز الكاسح لقيس سعيّد جاءت عبر صحيفة لوموند التي عنونت مقالاً لها بـ"فوز المحافظ قيس سعيد في انتخابات الرئاسة التونسية مُثقل بنقاط الاستفهام" ولعل هذا العنوان هو التعبير الحقيقي للموقف الفرنسي والغربي عموماً إزاء فوز الرجل الذي جاء من خارج المنظومة، ومن خارج التوقعات ليكون طفرة انتخابية قضت على كل الأسماء البارزة التي راهن الغرب عليها، مثل وزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي ورئيس الحكومة يوسف الشاهد اللذين يندرجان ضمن المدرسة الليبيرالية التي يدعمها الغرب. وهما من سخّرا في حملتيهما الانتخابية كل الإمكانيات الإشهارية والإعلامية حتى أن عديد الملاحظين رأوا أن المشهد الإعلامي التونسي منقسم بين دعم مرشحيْن من المنظومة باستثناء نبيل القروي الذي استخدم قناته الخاصة نسمة للترويج لنفسه.

لوموند ختمت مقالها بالقول "سيتعين على أوروبا أن تتعامل مع تونس الجديدة التي ربما تخيلتها من خلال منظور نموذجها الليبرالي"وهو ما يحيلنا ربما إلى سياسة حذرة قد تنتهجها أوروبا على المستوى الدبلوماسي في الفترة القادمة خاصة أن سعيّد الذي ركز في خطابه على الوضع الداخلي للبلاد لم تتجل توجهاته المتعلقة بالسياسة الخارجية بعد، وهو الذي يخوّل له القانون الهيمنة على الدبلوماسية الخارجية عبر تعيين وزير الخارجية.

التطبيع مع إسرائيل خيانة عظمى

بالرغم من المواقف الشحيحة لقيس سعيّد فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية والدولية إلا أن موقفه من القضية الفلسطينية كسر نمطية التعامل مع القضية الأهم في المنطقة بل في العالم لتبلغ كلماته ليلة المناظرة كل مكان حيث قال " مصطلح التطبيع هو مصطلح خاطئ ابتدع عام 1977 والكلمة الصحيحة هي "الخيانة العظمى" ونحن في حالة حرب مع كيان غاصب قتل وشرد الملايين ومن يتعامل معه فهو متهم بالخيانة العظمى".كلمات جريئة حارقة أعادت توجيه البوصلة إلى المنحى الصحيح في وقت تتيه فيه رؤية الشعوب لمستقبل فلسطين في ظل سياسة حكام عرب يمضون على قدم وساق نحو التطبيع مع"إسرائيل".

وقد بدا جلياً أن ما قاله سعيّد أزعج إسرائيل ما دعا الصحفي الإسرائيلي إيدي كوهين ليغرد عبر حسابه ناصحاً التونسيين بانتخاب نبيل القروي معتبراً قيس سعيّد رجل الماكينة الإخوانجية على حد تعبيره.

لكن الملاحظ في تلك المناظرة أن كلمات سعيّد عن التطبيع لم تكن موجهة إلى الضمير العام فقط. بل كانت مقصودة كل القصد ضد منافسه الذي تلاحقه تهمة التطبيع.

فنبيل القروي قبلها بأيام معدودات صدرت وثائق في موقع وزارة العدل الأمريكية تكشف أنه تعاقد مع إحدى شركات الضغط والتي يترأسها الصهيوني آري بن ميناشي ضابط الاستخبارات الإسرائيلية السابق والذي أجرى لقاء صحفياً تم بثه يوماً واحداً قبل المناظرة تحدث فيه عن لقاءاته بالقروي والأموال التي أخذها منه مضيفاً أنه ضغط مع الحكومة الأمريكية من أجل إخراج نبيل القروي من السجن ومستحضراً محطات من تاريخه الشخصي كمستشار لرئيس حكومة الاحتلال أبرزها كتابته بخط يده اتفاقية أوسلو على حد قوله.

تصريحات بن مناشي تضمنت مُعطى مفاده أن الولايات المتحدة الأمريكية أرادت بشكل أو بآخر نبيل القروي على حساب قيس سعيّد إلا أن الإعلام الأمريكي في المقابل وعلى غرار ما كتبته صحيفة نيويورك تايمز وصحيفة واشنطن بوست أشاد بالتجربة التونسية، وبكيفية صعود رجل جامعي بحملة فقيرة إلى الحكم متغلباً على أعتى الماكينات وأصحاب المال والنفوذ.

قيس سعيّد والمحاور العربية

مع إعلان فوز حركة النهضة في الانتخابات التشريعية بدا المشهد التونسي كعادته فريداً ووحيداً بين الأقطار العربية لاسيما التي خاضت شعوبها تجربة الربيع، وانتهت إلى انتكاسات بنسب متفاوتة على غرار ما حصل في مصر وسوريا واليمن وليبيا.

ففوز حزب إسلامي رفقة مجموعة حزبية تنتصر للثورة التونسية لم يكن سوى رسالة مسبقة قبل أسبوع من انتخابات الجولة الثانية للرئاسة بأن الرئيس سيكون كذلك من طينة مشابهة تنتصر للثورة وللثوار. وكان ذلك فعلاً بفوز كاسح لمن اعتبره الشارع التونسي مرشح الثورة بامتياز قيس سعيّد.

نتائج باركتها سريعاً حكومة الوفاق الليبية عن طريق فايز السراج والذي، على ما، يبدو استحسن قول سعيّد حينما تحدث عن رغبته زيارة ليبيا في أقرب فرصة.

من جهة أخرى أجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتصالاً بقيس سعيّد هنأه فيه بالفوز وهو ما فعله بدوره أمير دولة قطر، أما حركة حماس فقد أصدرت بياناً ثمنت فيه خطاب سعيّد تجاه القضية الفلسطينية.

ولئن دلت هذه المباركات والتهاني على شيء فإنها تدل على أن سعيّد ومنذ يومه الأول كرئيس سيدفع ثمن ولائه للربيع العربي، وسيكون في خانة غير المرحب بهم لدى التحالف العربي الثلاثي المناهض للربيع (مصر، السعودية، الإمارات) ولعل ما عنونته صحيفة البيان الإماراتية "إخوان تونس يقفزون إلى مركب قيس سعيّد" في عنوان لا يبتعد كثيراً عما عبر عنه إيدي كوهين خير دليل على الرؤية الإماراتية للرجل وللمشهد التونسي عموماً.

المصدر: TRT عربي