منذ انتشار وباء فيروس كورونا في تركيا، اتخذ الحكومة الكثير من الإجراءات لدعم الشرائح الفقيرة، وحماية الاقتصاد جنباً إلى جنب مع الإجراءات الصحية من أجل الحد من الوباء والقضاء عليه.

سيد جميل بويوركان يشارك في تركيب الماهيا على قمة أحد مآذن مسجد
سيد جميل بويوركان يشارك في تركيب الماهيا على قمة أحد مآذن مسجد "يني" الجديد في إسطنبول (Reuters)

أعلنت تركيا عن الإصابة الأولى بفيروس كورونا يوم 11 مارس/آذار الماضي، وسارعت بعد ذلك في اتخاذ التدابير والاحتياطات اللازمة لحماية مواطنيها والمقيمين على أراضيها، إذ قررت تعليق الدراسة في المدارس والجامعات بعد يوم واحد فقط.

كما قررت إغلاق أماكن الازدحام بعد أربعة أيام، وتوالت القرارات بعد ذلك بإغلاق أماكن التجمعات مثل المقاهي والسينمات وصالونات الحلاقة، والمولات التجارية وغيرها من الإغلاقات الاحترازية.

ترافق ذلك مع العديد من الإجراءات الصحية التي استطاعت بعد أقل من شهرين ونصف من بداية ظهور المرض من السيطرة على انتشاره وهبوط الحالات المصابة إلى أقل من ألف حالة يومياً في 20 مايو/أيار الحالي، وذلك بعد إجراء ما يزيد على مليون وستمئة ألف اختبار خلال تلك الفترة، وجهود جبارة من الفرق الطبية التركية التي انطلقت من بنية أساسية قوية للقطاع الصحي شُيدت وفق خطط سابقة خلال الـ20 عاماً الماضية.

وزاوجت تركيا في فترة المكافحة ضد الفيروس بين الإغلاق الجزئي والكلي، والحظر الشامل والمؤقت، مما قلل الخسائر الاقتصادية للمؤسسات والشركات والأفراد بصورة نسبية مقارنة بباقي دول العالم، كما واجهت هذه الخسائر بمجموعة من الحزم والتدابير الاقتصادية لمساندة المتضررين من عمليات الإغلاق، وعلى رأسهم الأسر منخفضة الدخل، التي قررت الدولة منحهم 1000 ليرة شهرياً، كما رفعت الحدّ الأدنى لمعاشات التقاعد إلى 1500 ليرة تركية.

وبلغ مجموع الحزمة التركية لمواجهة التداعيات 100 مليار ليرة تركية (15.4 مليار دولار)، إذ علّقت ضريبة الإقامة السياحية حتى نوفمبر/تشرين الثاني القادم، لدعم قطاع السياحة الذي يمثّل 12% من الاقتصاد التركي، وأُجل سداد ديون الشركات المتضررة من الوباء لمدة لا تقلّ عن 3 أشهر، كما أجلت ضريبة القيمة المضافة ومدفوعات الضمان الاجتماعي لمختلف القطاعات. وكذلك خفضت ضريبة القيمة المضافة للطيران المحلي من 18% إلى 1%.

وترافق مع هذه التدابير الناجحة مجموعة من الجهود الأخرى، استعداداً لإعادة الحياة الاقتصادية إلى زخمها، إذأعلنت وزارة الثقافة والسياحة التركية مباحثات رسمية مع 70 دولة حول العالم، من أهمها ألمانيا وبريطانيا وهولندا وبلجيكا واليابان وروسيا والتشيك، بهدف جذب السياح منها عقب افتتاح الموسم السياحي لهذا العام.

وأكد وزير السياحة التركي في الخطابات المرسلة إلى هذه الدول، احتواء تركيا للأجواء السياحية المناسبة، والظروف اللازمة لذلك، كما أشار إلى أهم التدابير المتخذة للحفاظ على السياح والعاملين في القطاع.

كما أعلنت تركيا عودة نشاط السياحة العلاجية من 20 مايو/أيار، والسماح باستقبال مرضى 31 دولة، وكان الرئيس أردوغان صرح بأن "تركيا ستفتتح مستشفى مطار أتاتورك وسنجاق تبه أمام السياحة العلاجية، مع نهاية عيد الفطر السعيد".

وتجدر الإشارة إلى أن كلا المشفيين أقيما مؤخراً لمواجهة احتمالية تزايد أعداد المصابين بالفيروس بما يفوق طاقة المشافي المتاحة.

وكانت الخطوط الجوية التركية أعلنت عن استئناف رحلاتها بتاريخ 4 يونيو/حزيران للرحلات الداخلية، و10 يونيو/حزيران للرحلات الخارجية، كما أعلنت وزارة الداخلية في تعميم أرسلته إلى 81 محافظة عن السماح للمسنين فوق 65 عاماً بالسفر الذين مُنعوا من الخروج لفترة طويلة، بالذهاب إلى مسقط رأسهم في اتجاه واحد.

كما افتتح الرئيس أبراج جسر "جناق قلعة 1915" معلناً أن تركيا ستواصل الارتقاء لتصبح مركزاً إقليمياً في مجال النقل، من خلال العديد من المشاريع. كما أعلن منذ أيام عن توليد الكهرباء من سد إليصو على نهر دجلة، وهو المشروع الذي يُعتبر حلماً لتركيا منذ 70 عاماً وضع حجر أساسه الرئيس أردوغان في 2008 كسد ومحطة كهرومائية.

وفي إطار مواجهة تركيا للهجمات المتوالية ضد العملة المحلية، كان التحرك الحاسم من هيئة التنظيم والرقابة المصرفية التركية، بفرض حظر على معاملات 3 بنوك أجنبية، وهي "بي إن بي باريبا" (BNP Paribas SA)، و"سيتي بنك" (Citibank NA)، و"يو بي إس" (UBS AG)، بسبب عدم الوفاء بالتزاماتها تجاه البنوك المحلية دفع مقابل ما اشترته من العملات الأجنبية، وهو ما تسبب في انخفاض سعر الليرة التركية وتخطيها حاجز 7.27 ليرة مقابل الدولار الواحد.

وبالإضافة إلى ذلك أعلن مسؤولو الخزانة بالبنك المركزي التركي عن إجرائهم محادثات ثنائية مع نظرائهم من اليابان وبريطانيا بشأن إنشاء خطوط مبادلة بالعملة المحلية، وليست هذه المرة الأولى التي تعلن فيها تركيا رغبتها في إجراء المعاملات التجارية مع بعض الدول بالعملة المحلية، فسبق الإعلان عن اتفاق مماثل بين روسيا وتركيا في أغسطس/آب 2018، وعن اتفاق مماثل مع قطر في الشهر نفسه، وسبقهما اتفاق في السياق ذاته مع إيران في أكتوبر/تشرين الأول 2017.

وجاءت آخر هذه الاتفاقات قبل أسبوع، إذ اتفق البنك المركزي التركي ونظيره القطري، على رفع مبلغ المقايضة الثنائية بينهما إلى ما يقابل 15 مليار دولار من عملتَي البلدين، وأكد بيان الاتفاق على أن الهدف الأساسي هو تسهيل التجارة بالعملات المحلية ودعم الاستقرار المالي بين البلدين.  

وتزامن ذلك مع الإعلان عن ارتفاع الصادرات الزراعية التركية خلال الربع الأول من العام الحالي بنسبة 2.9% على الرغم من تعطّل سلاسل التوريد العالمية بسبب كوفيد-19.

وعلى الرغم من خسائر الاحتياطي النقدي التركي الذي فقد حوالي 50 مليار دولار منذ بداية العام وبما نسبته 15.5% من الإجمالي، فإن تلك الإجراءات المتنوعة والحاسمة أدت إلي تعويض الليرة التركية نسبة من خسائرها فكسرت حاجز 6.80 للدولار الواحد، وهو ما يعتبر نجاحاً كبيراً في ظل الظروف الراهنة، ولا تزال الليرة تنتظر ارتفاعات أخرى لا سيما بعد تدوير عجلة النشاط الاقتصادي بكامل طاقتها من جديد.

جهود كبيرة قامت بها السلطات التركية خلال الشهرين الماضيين للتخفيف من التداعيات الاقتصادية السلبية التي تسبب فيها انتشار الفيروس على القطاعات الاقتصادية كافة، وقد أينعت ثمار تلك الجهود وباتت جاهزة لموسم الحصاد، الذي تنتظره 16 ألفاً و900 شركة واصلت نشاطها جزئياً في فترة حظر التجول وتنتظر العودة الكاملة خلال الفترة القادمة لجني الثمار والعودة بالاقتصاد إلى الانتعاش.

المصدر: TRT عربي