منذ اشتداد العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على إيران بسبب مشروعها النووي وسياستها المهدد للاستقرار في المنطقة تسعى إيران بشكل حثيث للخروج من ورطتها الاقتصادية عبر العراق.

بوابة معبر شلمشة الحدودي بين العراق وإيران 
بوابة معبر شلمشة الحدودي بين العراق وإيران  (Reuters)

في وقت تتعرض فيه المصالح الاقتصادية الإيرانية للتهديد بسبب عقوبات الخزانة الأمريكية واتهامها لرجالات إيران بالإرهاب والفساد، تحاول إيران بناء اقتصادها الرديف في العراق للتخفيف من خسارتها المالية، وتتعامل الحكومة الإيرانية مع أجندتها السياسية باستغلال الأحزاب الموالية لها لتثبيت وتمرير الصفقات وأهمها النفطية والاستثمارية منها.

مناقصات وتهريب النفط

تتعرض موانىء العراق إلى اختراق إيراني عبر شركات غير مسجلة في الحكومة العراقية، ولكنها تعمل تحت غطاء فصائل مسلحة بإشراف الأحزاب السياسية التي ترعى المصالح الإيرانية وتمرر الصفقات والمناقصات النفطية لصالح شركات إيرانية.

بهذا الصدد تحدث المحلل السياسي سعد المنصوري لموقع TRT عربي قائلاً "تشير معلوماتنا الاستقصائية إلى أن حزب الفضيلة الذي يتزعمه محمد اليعقوبي يتغلغل عن طريق قواته العسكرية التي تسمى بـ "لواء الشباب الرسالي"، داخل عدة مؤسسات في البصرة محاولاً منح المناقصات وعقود النفط لشركات إيرانية أبرزها شركة النفط الوطنية الإيرانية".

كما أضاف المنصوري أن "إيران وسّعت نفوذها عن طريق الأحزاب السياسية الشيعية وسيطرت برجالها ومسلحيها العراقيين على الشركة العامة لموانئ العراق، وشركة نفط الجنوب، وشركة الحفر والتنقيب، ومصفى الشعيبة، وشركة البتروكيمياويات وشركة الأسمدة وشركة الحديد والصلب وشركة الغاز وغيرها، مما جعل إيران تحصل على مبالغ طائلة تدخل إلى خزينتها، دون أن تستطيع الحكومة العراقية محاسبتها أو وضع حد لذلك لأنها تمارس نشاطها الاقتصادي بحماية من أحزاب سياسية متنفذة وأهمها تحالف سائرون وائتلاف دول القانون".

أما الخبير الاقتصادي مصعب السليمان فتحدث عن تهريب النفط بشكل مخالف للقانون قائلاً: "يتم تهريب النفط الإيراني من حدود كرمانشاه الإيرانية ليمر بمحطات وشركات بيع تجارية في محافظات كركوك، وديالى ونينوى وصولاً إلى أراضي إقليم كردستان، حيث تصل عمولة تمرير الصهريج الواحد من النفط إلى 1500$"، وأن كميات التهريب تقدر بنحو ألفي صهريج يومياً (كل قافلة تضم 400 شاحنة)، تمر عبر المناطق المتنازع عليها بين حكومة بغداد وإقليم كردستان، ليتم بيع النفط الإيراني عبر العراق بما يسمى بمزاد العملة بسعر أقل من السوق".

منافذ الفساد عبر الحدود

ويمتلك العراق 22 منفذاً حدودياً برياً وبحرياً مع الدول المجاورة له، وأهمها تلك التي مع إيران. لكن الحكومة العراقية تعاني من أزمة فساد الحدود الأمر الذي أدى إلى توجيه الاتهامات لقياديين في الحرس الثوري الإيراني يتحكمون بالمنافذ عبر تعاونهم مع فصائل الحشد الشعبي.

في هذا السياق تحدث الخبير العسكري مؤيد الجحيشي لـ TRT عربي قائلاً: " تحاول إيران فرض سيطرتها العسكرية والتلاعب بمقدرات الشعب العراقي، فحسب تقديراتنا يخسر العراق سنوياً 6 مليارات دولار بسبب عمليات الفساد في منافذه الحدودية والتي تصب في خزانة إيران. إذ تتنوع أشكال الخسارة التي تسببها سيطرة هذه الأحزاب الموالية لإيران من تهريب للنفط إلى تهريب المخدرات، والسماح بمرور البضائع الفاسدة ومنتهية الصلاحية ".

من جانب آخر تواصل مراسل TRT عربي مع المتحدث الرسمي باسم هيئة المنافذ الحدودية في العراق "علاء الدين القيسي" الذي نفى سيطرة أحزاب أو مسلحين على هذه المنافذ، مؤكداً تبعيتها للحكومة العراقية بشكل كامل، إلا أنه صرّح بوجود عمليات فساد تحدث هنا وهناك، حيث تسعى الدولة لمحاسبة المسؤولين عنها، على حد تعبيره.

عمليات غسيل الأموال

كشفت تسريبات استقصائية عن تورط إيران بتهريب العملة الصعبة من العراق نحو إيران، وذلك لإمدادها بالأموال للتخفيف من العقوبات الأمريكية على حساباتها البنكية بالإضافة إلى إحراز تقدم كبير في الحصة الإيرانية على حساب الحصة العراقية من القطاع المالي، حيث يوجد لدى إيران الآن حوالي 11 مصرفاً يعمل في العراق بشكل مستقل.

وقد تلقت TRT عربي تصريحات من قيادي في منظمة بدر، والذي طلب عدم الكشف عن اسمه بسبب انشقاقه عن الفصائل المسلحة المتعاونة مع إيران: " إيران تعزز موقفها الاقتصادي باستغلال العراق لمصالحها، حيث تحاول إيران تمرير عمليات تزوير وتهريب الأموال بمبالغ ضخمة عبر الحدود العراقية الإيرانية، ثم يتم توصيلها إلى أيادي حزب الله في مطار بيروت، بعدها يتم تحويلها في حسابات الحرس الثوري في طهران".

ومن جهته تحدث الخبير المالي جاسم الدليمي عن تحركات إيران في إيجاد بدائل لاقتصادها في العراق، قائلاً: "أحد أهم الأساليب التي تستخدمها إيران هو إغراق السوق العراقية بالدينار المزور لشراء الدولار وبيعه بأسعار زهيدة لبنوك إيرانية، وذلك بغطاء من محافظ المركزي العراقي علي العلاق، أحد أكثر المقربين من رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي، والذي أصر شخصياً على تعيينه محافظاً للبنك المركزي رغم الاعتراضات وقضايا الفساد بحقه".

كما كشف الدليمي أن "هذه الأموال المزورة تهرب عبر المنافذ الحدودية دون مرورها بمراكز التفتيش، وتدخل إلى العراق بحوزة المسافرين الإيرانيين خلال زيارتهم للأماكن المقدسة في كربلاء والنجف".

تجارة المخدرات

وبهذا الخصوص تحدث الحقوقي حيدر الحسيني لـTRT عربي بالقول إن: "لدينا تقارير تشير إلى ازدهار زراعة المواد المخدرة في العديد من المحافظات، وخاصة كربلاء والبصرة وبابل وميسان وذي قار وغيرها، حيث تعود عائدات هذه المزارع إلى سياسيين عراقيين موالين لإيران، الأمر الذي يسهل على إيران نشاطها الاقتصادي بإشراف مختصين إيرانيين في تجارة المخدرات".

وأضاف الحسيني، "يُمنع المواطنون العاديون من الاقتراب من الأراضي التي تزرع فيها المخدرات مع وجود مشرفين وإداريين إيرانيين ومقاتلين آخرين عراقيين لحماية هذه المزارع، حيث إن كل من يصور هذه الأراضي يتعرض للاعتقال أو القتل أو التهجير، وهذا الإجراء التعسفي أصاب سكان منطقة جرف الصخر في بابل، الذين تم تهجيرهم بذريعة التعاون مع داعش الإرهابي عام 2014، حيث تم الاستيلاء على أراضيهم وزراعة المخدرات فيها وتدمير بيوتهم والآن يقبعون في مخيم اللطيفية في حزام العاصمة بغداد".

في المقابل، أكد عضو مجلس محافظة كربلاء سندس الطريحي متحدثاً لـTRT عربي بالقول: "لا يمكن تصديق هذه الإشاعات المُراد بها تشويه سمعة الأحزاب الشيعية وتضليل بطولات الحشد الشعبي أيام التحرير، ونحن في مجلس المحافظة ننفي هذه المعلومات المسربة في الإعلام حول زراعة المخدرات في المحافظات الجنوبية".

الدور الأمريكي وتشديد العقوبات

الولايات المتحدة حذرت الحكومة العراقية من تعاونها مع شركات استثمارية وبنوك إيرانية متهمة بالإرهاب، كي لا تكون العواقب وخيمة على العراق.

وبهذا الصدد أعرب النائب في البرلمان العراقي أحمد الجبوري عن قلقه أثناء حديثه مع TRT عربي: "إزاء استمرار المشاريع الاقتصادية الإيرانية، الأخيرة والتي تحاول بناء اقتصاد رديف والهروب من العقوبات الأمريكية بدعم من أحزاب السلطة والفصائل المسلحة التي تفرض قوة إيران بالسلاح، وإذا ما استمرت هذه المشاريع فربما يتعرض العراق أيضاً للعقوبات الأمريكية تحت طاولة التعاون مع الجماعات الإرهابية الإيرانية التي وفقاً لاتهام الخزانة الأمريكية".

تحاول إيران جاهدةً التقليل من أزماتها الاقتصادية عن طريق بناء مشاريع تجارية عملاقة مستغلةً العراق لامتلاكه كميات كبيرة من النفط، وسيطرة الأحزاب الموالية لإيران على أهم الوزارات وهيئات الاستثمار، حيث تسعى إيران إلى الالتفاف على العقوبات الأمريكية، وإنقاذ شركاتها التجارية من الحصار المالي، وهذا يؤدي إلى زيادة معاناة المواطن العراقي الذي تُنهب حقوقه من خلال سياسيين وعسكريين عراقيين يعملون لصالح إيران التي ربما تورط العراق بأزمات سياسية جديدة في المنطقة.

المصدر: TRT عربي