ذكر الرئيس أردوغان الأحد الماضي في لقاء متلفز، أن "تركيا ستغلق قاعدتي إنجرليك وكوراجيك، إذا استدعت الضرورة وعندما يحين الوقت المناسب". ما عواقب هذا التهديد التركي؟

التهديد بإغلاق أهم قاعدتين عسكريتين جويتين لواشنطن وحلف شمال الأطلسي (ناتو) اللتين مركزهما الأراضي التركية، هو العنوان الأبرز للتصريحات شديدة اللهجة التي صدرت من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والتي أرسل من خلالها رسالة مفادها أن "صبر تركيا بدأ ينفد وأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام فرض أي عقوبات ضدها، أو فرض أي إملاءات عليها".

الأحد الماضي ذكر الرئيس أردوغان في لقاء متلفز، أن "تركيا ستغلق قاعدتي إنجرليك وكوراجيك، إذا استدعت الضرورة وعندما يحين الوقت المناسب".

وتأتي تلك التهديدات التركية على خلفية التحرك في مجلس النواب والكونغرس الأمريكيين للتصويت وتشريع عقوبات ضدّ تركيا تارة بشأن إطلاقها عملية عسكرية شرقي الفرات، وتارة على خلفية مزاعم ارتكاب تركيا ما يسمى "مجازر جماعية بحق الأرمن عام 1915"، وتارة أخرى بسبب شرائها منظومة الصواريخ الدفاعيةS-400 من روسيا، الأمر الذي استنكرته ونددت به ورفضته بشدة الدبلوماسية التركية، مهددة باللجوء إلى سياسة التعامل بالمثل.

وتستخدم الولايات المتحدة الأمريكية قاعدةإنجرليك الجوية التي مركزها ولاية أضنة جنوبي تركيا، في حين يستخدم الناتو قاعدة كوراجيك العسكرية التي مركزها ولاية ملاطيه شرقي تركيا، في حين أن التهديد التركي بإغلاقهما يطرح عديداً من التساؤلاتحول أبعاد وتأثير ذلك على الولايات المتحدة الأمريكية وعلى دول حلف الناتو.

إغلاق القواعد يعني خروج الناتو من المنطقة

وفي ما يتعلق بالرد على تلك التساؤلات، يرى الخبير العسكري العقيد زياد حاج عبيد، أن "هاتين القاعدتين الجويتين على الأراضي التركية لهما أهمية استراتيجية في المجال العسكري لحلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية، إذ توفران الدعم الجوي من أجل تنفيذ عمليات عسكرية في المنطقة، وصد أي هجوم محتمل على مناطق البحر المتوسط ومناطق البحر الأسود ومن اتجاه إيران، لذا فهما الذراع الطويلة لحلف الناتو".

تأتي تلك التهديدات التركية على خلفية التحرك في مجلس النواب والكونغرس الأمريكيين للتصويت وتشريع عقوبات ضدّ تركيا تارة بشأن إطلاقها عملية عسكرية شرقي الفرات.

ويشير حاج عبيد في تصريحاته لـTRT عربي إلى أن "إغلاق القاعدتين يعني خروج حلف الناتو من المنطقة لأن القواعد الأمريكية في العراق مهدَّدة من إيران ويمكن اغلاقها خلال ساعات أو أن تضربها المليشيات الإيرانية".

أما أمريكا فـ"تحاول أن لا تخسر علاقاتها مع تركيا، فبين الجانبين تعاون اقتصادي كبير، ولكن سياسة واشنطن مؤخراً أضعفت تلك العلاقات، يضاف إلى ذلك دخول الجانب الروسي طرفاً بديلاً، الأمر الذي زاد تعقيد الموقف بعد صفقة صواريخ S-400".

ويؤكّد حاج عبيد أنه "رغم قوة أمريكا عسكريّاً واقتصاديّاً، فلا مصلحة لها في إغلاق تلك القواعد الجوية وستسارع لاحتواء الموقف والتهديدات التركية في أسرع وقت ممكن، لأنه ليسلأمريكا مصلحه في تأجيج الخلاف مع تركيا".

خسارة لكل الأطراف

ويرى مراقبون أنه في حال أغلقت تركيا هذه القواعد العسكرية الجوية، فإنها قد تحرم أمريكا من قوة استراتيجية تمتلكها في الشرق الأوسط، كما قد تحرم هذه الخطوة حلف الناتو من موقع جغرافي استراتيجي على مضيق البوسفور، هو الممر المائي الأهم في المنطقة، لذا فمن مصلحة كل تلك الأطراف المحافظة على علاقاتها مع تركيا.

إلا أن المحلل السياسي هشام اسكيف، يرى أن "تركيا وأمريكا ستخسران كثيراً من المصالح المتبادلة بينهما في حال نفّذَت أنقرة تهديداتها، لكن أمريكا والناتو سيتأثران أكثر، بحيث سيخسران حامي الجبهة الجنوبية من غريمة الناتو، ألا وهي روسيا".

ويرى اسكيف، في حديثه لـTRT عربي أنه "رغم كل الخلافات، فإن تركيا وأمريكا وباقي دول الناتو تجمعها مصالح استراتيجية أقوى من الاختلاف على التفاصيل، ومِن ثَم سيتوصلون إلى أرضية مشتركة تخدم مصالحهم".

روسيا وإيران من أكثر المستفيدين

في الوقت نفسه يرى مراقبون آخرون أن على أمريكا إعادة النظر في سياستها تجاه تركيا لكونها الحليف الاستراتيجي الأقوى في المنطقة.

وفي هذا الصدد يقول المحلل السياسي مصطفى سيجري، إن "مثل هذه التصريحات التركية يجب أن تدفع الجانب الأمريكي إلى أن يعيد سياسته بما يخصّ المنطقة عموماً وتركيا خصوصاً".

مثل هذه التصريحات التركية يجب أن تدفع الجانب الأمريكي إلى أن يعيد سياسته بما يخصّ المنطقة عموماً وتركيا خصوصاً.

مصطفى سيجري، محلل سياسي

ويشير سيجري إلى أنه "في حال نفَّذَت تركيا تلك التهديدات فإننا سندخل في مرحلة صعبة جدّاً، وقد تكون غير معروفة النتائج، فالمشهد معقَّد في المنطقة، ويستدعي ذلك تصرُّفاً على قدر عالٍ من المسؤولية، سواء من الجانب الأمريكي أو من جانب حلف الناتو".

ويلفت سيجري الانتباه إلى أنه "لا يمكن إغفال المصلحة الروسية في حال ذهبت العلاقة التركية-الأمريكية إلى مزيد من التصعيد، لأن روسيا ستكون أكثر المستفيدين من هذا الإجراء في حال تطبيقه، كما لا يمكن أن نغفل النشاط الإيراني في المنطقة، وبكل تأكيد سوف يزداد وسيكون أحد الأطراف المستفيدة من توتر العلاقات التركية-الأمريكية وأيضاً مع حلفاء الناتو عموماً".

تركيا تعتمد على دورها الإقليمي المحوري

وفي وقت يتحدث فيه محللون عن أثر التهديدات التركية السلبي على المصالح الأمريكية وعلى حلف الناتو، فإنرئيس المسار العسكري في مركز طوران للدراسات، الباحث العسكري رشيد حوراني، يرى أن تركيا باتت اليوم تعتمد على ثقلها ودورها المحوري أكثر من الاعتماد على الناتو أو أي طرف آخر.

وفي هذا الصدد يقول حوراني لـTRT عربي، إنه "يتبين أثر التهديد التركي من منحيين: الأول يتمثل في مكانة تركيا الدولية والإقليمية وعضويتها في حلف الناتو التي يعتبرها العقل المدبر له في أفغانستان، ويعتمد على قاعدة أنجرليك في التخطيط والتنفيذ لعملياته هناك، والاتفاقيات الدولية التي تسمح لها بالتدخل لحماية أمنها القومي التي صاغتها وأبرمتها بعيداً عن الناتو، بل وفق ما يحقِّق مصالحها".

ويضيف حوراني أن "هذا الأمر يتعزز من خلال المنحى الثاني، وهو العمليات العسكرية الاحترافية التي نفّذها الجيش التركي، سواء في سوريا أو العراق وحاليّاً في ليبيا دون إشراك الناتو، بمعنى أن الدولة التركية باتت تعتمد على دورها المحوري وثقلها الإقليمي والدولي أكثر من اعتمادها على عضويتها في الناتو رغم حاجتها إليه، وهو ما يظهر بوضوح من خلال التحالفات والمحاور التي تنشئها مع دول أخرى لتحقيق مصالحها وسياساتها".

أمريكا بحاجة إلى علاقة متوازنة مع تركيا أكثر من أي وقت مضى

أما الكاتب والباحث في الشؤون السياسية الدكتور أيمن خالد، فيعتبر أن "وضع تركيا الداخلي وطبيعة سياستها الخارجية وموقعها الاستراتيجي، كلها عوامل تؤهلها لاتخاذ قرارات بحجم ما تصرح به تجاه أي تهديد سواء من الولايات المتحدة الأمريكية أو من غيرها".

ويضيف خالد في تصريحه لـTRT عربي، أن "حاجة الولايات المتحدة الأمريكية إلى علاقات متوازنة مع تركيا اليوم هي أكثر منها في أي وقت مضى، وتركيا تدرك هذا الأمر، وهذا ما يفسر تمسكها بصفقة وتشغيل منظومةS-400 الدفاعية الروسية، كي لا تبقى أسيرة القرار الأمريكي وضمن دائرة الضغط والتدخلات في شؤونها الداخلية".

حاجة الولايات المتحدة الأمريكية إلى علاقات متوازنة مع تركيا اليوم هي أكثر منها في أي وقت مضى وتركيا تدرك هذا الأمر.

أيمن خالد، كاتب وباحث في الشؤون السياسية

ويرى خالد أن "عنصر التوازن والتكافؤ الإقليمي والدولي، ساعد تركيا على قوة اتخاذ القرارات الاستراتيجية عالية التأثير وبحجم إغلاق قاعدتي إنجرليك أو كوراجيك"، معرباً عن اعتقاده بأن "الولايات المتحدة الأمريكية تنظر بعين الاعتبار إلى التصريحات التركية، وهي لن تتخلى عن علاقاتها المتوازنة مع تركيا، بسبب عدة أمور متعلقة بتوازن القوى العالَمي، ووجود تركيا التي تعتبر خط التماس مع روسيا وأوروبا والشرق الأوسط وآسيا".

يُذكر أن تصريحات وتهديدات أردوغان شديدة اللهجة تصدرت واجهة الأحداث وواجهة أخبار الصحف العربية والعالَمية، حتى إن الصحف الإسرائيلية بدأت تتحدث عن هذا الأمر، كما أن صداها كان له الأثر الأكبر إذ سارع وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر للتصريح لوسائل إعلامية الثلاثاء، بأنه سيبحث مع نظيره التركي خلوصي أكار مقصد تصريح الرئيس التركي ومدى جديته في ما يخصّ إغلاق قاعدتي إنجرليك وكوراجيك العسكريتين، مضيفاً في ذات الوقت أن وضع قاعدة كوراجيك يجب بحثه في إطار حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وأنه علينا أن لا ننسى أن تركيا دولة ذات سيادة، ولها كامل الحق في مسألة إبقاء قوات الناتو وقوات بلدان أجنبية على أراضيها من عدمه"، على حد تعبيره.

المصدر: TRT عربي