تسعى الدول الثلاثة إلى محاولة تقويض نفوذ تركيا الإقليمي من خلال حرمانها من حقها في التنقيب عن الغاز في حوض شرق المتوسط.

 يعقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ، في الوسط ، مؤتمرا صحفيا مع رئيس قبرص الرومية نيكوس أناستاسيادس ، اليسار ، ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس ، القاهرة ، مصر ، الثلاثاء ، 8 أكتوبر 2019
 يعقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ، في الوسط ، مؤتمرا صحفيا مع رئيس قبرص الرومية نيكوس أناستاسيادس ، اليسار ، ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس ، القاهرة ، مصر ، الثلاثاء ، 8 أكتوبر 2019 (AP)

في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2019 أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن القوات الأمريكية بدأت الانسحاب من مناطق بشمال شرق سوريا بعد اتصال هاتفي أجراه مع نظيره الأمريكي دونالد ترمب، وبعد ذلك بيوم صدّق البرلمان التركي على تمديد التفويض للحكومة بتنفيذ عمليات عسكرية خارج الحدود في سوريا والعراق لتعلن تركيا في 9 أكتوبر/تشرين الأول بدء عملية عسكرية طال انتظارها شمالي شرقي سوريا بهدف إقامة منطقة آمنة.

في التوقيت نفسه تقريباً كان قصر الاتحادية في القاهرة يستضيف القمة الثلاثية السابعة بين مصر وقبرص الرومية واليونان في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2019، التي لا يمكن قراءتها بمعزل عن التطورات الإقليمية وبخاصة عملية نبع السلام التركية شمال شرق سوريا والتحركات التركية للتنقيب عن الغاز قبالة سواحل قبرص التركية بخاصة أن البلدان الثلاثة الشريكة في القمة تقف على جبهة متناقضة ولديها خلافات مع أنقرة في قضايا عدة. ذلك فضلاً عن قيام مصر في سياق آخر بدعوة لاجتماع للجامعة العربية لإدانة العملية التركية. وهذا يزيد من تعقيد العلاقات التركية المصرية إذ تصبح مصر عاملاً مشتركاً في تجمعين يتحركان ضد تركيا أحدهما منتدى شرق المتوسط والدول الرئيسية في الجامعة العربية.

على الرغم من أن الدول الثلاثة (مصر وقبرص الرومية واليونان) تحاول أن تستفيد من التعاون الثنائي بين كل واحدة منهما في أكثر من مجال فإن العامل المشترك البارز الذي يجمعهم هو تشكيل كتلة مضادة لتركيا. وقد ظهر هذا الأمر بشكل واضح في تأسيس القمة الثلاثية في نوفمبر/تشرين الثاني 2014 في القاهرة بعد توتر شديد في علاقات تركيا ومصر.

تشترك الدول الثلاث في خلافها مع تركيا وتقوم بالاستفادة من تجمعها في محاولة مراكمة قوتها إزاء القوة التركية في محاولة لمنع تركيا من تنفيذ سياستها التي تتعارض مع حكومات هذه البلدان، بخاصة في ملف التنقيب عن الغاز في محيط جزيرة قبرص والخلافات حول الجزر مع اليونان، وكذلك حرمان تركيا من أن تكون محطة لنقل الطاقة بين الشرق الأوسط وأوروبا. فضلاً عن سياسات كيدية بسبب دعم تركيا سياسات مختلفة خلال ثورات الربيع العربي وما بعدها.

وفي الحقيقة، لا يمكن الحديث عن قدرة هذه الدول الاستفادة من سياساتها المناوئة لتركيا. فدولة بحجم تركيا التي تملك إمكانيات كبيرة وموقعاً استراتيجياً مميزاً لا يمكن تجاهلها. وعاجلاً أم آجلاً على هذه القوى الثلاث اجتراح سياسة أخرى أكثر تصالحية مع أنقرة إذا أرادت أن تستثمر في أمن الطاقة.

تحاول الدول الثلاث أن تتضامن مع بعضها بطريقة تظهر وكأنهم في تحالف. ظهر هذا في زيارة لرئيس قبرص الرومية إلى مصر ست مرات بعد 30 يونيو/حزيران 2013، وهو أمر غير مسبوق لأي رئيس قبرصي سابق، ولم يحدث في تاريخ العلاقات بين البلدين، كما قام عسكريون مصريون بزيارة قبرص الرومية لتوقيع اتفاقيات عدة وإجراء تدريبات عسكرية.

ويمكن القول بأن عقد القمة الثلاثية في هذا التوقيت يساهم في إضافة الضغوط على تركيا التي تكثفت مع بدء العملية العسكرية التركية شمالي شرقي سوريا، كما أن القمة شهدت تلويحاً بالعقوبات المدعومة من الاتحاد الأوروبي على تركيا في ظل تلويح الكونغرس الأمريكي بعقوبات على تركيا أيضاً.

ويأتي تأكيد أن القمة في إطار مبادرة شرق المتوسط التي طرحتها مصر في عام 2014 دليل إضافي على أن القمة الثلاثية تستهدف تركيا بشكل واضح. فقد قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق حسين هريدي في تصريح في 8 أكتوبر/تشرين الأول: إن القمة الثلاثية تعقد في إطار مبادرة شرق المتوسط (إعلان القاهرة)، التي طرحتها مصر في 8 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2014، بهدف التعاون والتنسيق بين الدول الثلاثة في قضايا الغاز والطاقة والموارد النفطية في شرق المتوسط والمجالات كافة. وأشار إلى أن الدول الثلاثة تسعى لتعزيز التعاون والاستقرار في شرق المتوسط (...)، لافتاً إلى أن القمة تعتبر رسالة لتركيا، وهي أنه على الرغم من الظروف المعقّدة في المنطقة، فإن الدول الثلاث لا تزال متمسكة بهذه المبادرة وأهدافها.

وقد كان استبعاد تركيا من مبادرة منتدى شرق المتوسط وهي أهم دولة في دول منطقة شرق المتوسط مؤشراً واضحاً على نية الدول المجتمعة على استهداف تركيا ومنعها من الاستفادة من موارد الطاقة المكتشفة شرق المتوسط حتى تبقى تركيا معتمدة على دول أخرى في أمن الطاقة بما يحرمها من تعزيز مكانتها وقوتها الإقليمية والدولية.

وفي سياق التزامن يمكن أن نشير إلى زيارة أخرى لافتة للانتباه وهي الزيارة التاريخية الأولى لوزير خارجية سعودي إلى قبرص الرومية، إذ زار وزير الخارجية السعودي إبراهيم العساف قبرص الرومية، وقد أشار العساف إلى أن بلاده تدعم مشروعية قبرص الرومية وسيادتها في تصريح فُهم على أنه إشارة إلى الخلاف بين قبرص الرومية وتركيا بشأن مستقبل الجزيرة والتنقيب عن الغاز، وقد أشار الصحفي السعودي عضوان الأحمري بوضوح إلى أن زيارة وزير الخارجية السعودي كانت نكاية بتركيا.

مع قرب تلاشي التهديد الذي كان يؤرق تركيا والذي يمثله التواجد الإرهابي في شمال سوريا متمثلاً بمليشياYPG وتنظيم داعش فإن عدداً من الأطراف الدولية والإقليمية حريصة أن تبقى تركيا تحت الضغط والاستنزاف، ولذلك تحاول مجموعة الدول الثلاثة تعقيد الأمور على تركيا من خلال إثارة الأزمات شرق المتوسط. لأن تركيا إذا ما استطاعت تحويل الموارد الطبيعية من الطاقة الموجودة في حوض شرق المتوسط إلى قوة حقيقية فإن تأثيرها ومكانتها في المنطقة سوف يتضاعف بشكل كبير.

المصدر: TRT عربي