لا تتوانى عبير موسي سليلة النظام السابق، عن المجاهرة بعدائها الدائم للثورة واستهداف التجربة الديمقراطية في تونس، التي أوصلتها إلى كرسي البرلمان.

وتبوَّأت منصباً قيادياً في حزبها بعد أن كانت حسب شهادة زملائها في مهنة المحاماة مجرد "مخبرة " لدى نظام الرئيس السابق بن علي، مكلَّفة كتابة التقارير البوليسية ضد المعارضين.

قبل الثورة انخرطت عبير العمدوني موسي، أصيلة، محافظة باجة بالشمال الغربي للبلاد التونسية، في صلب هياكل التجمع الدستوري المنحلّ، بالتوازي مع ممارستها مهنة المحاماة التي بدأتها متدربةً في أحد مكاتب مستشاري زين العابدين بن علي، حسب شهادة زميلها المحامي والناشط المعارض سابقاً لنظام بن علي حسني الباجي، في حديثه لـTRT عربي.

بلطجة وإفساد لاجتماعات المحامين

التحقت موسي في التسعينيات بـ"خلية المحامين التجمعيين" التي تضمّ مجموعة من المحامين الذين طوّعهم النظام السابق لبسط نفوذه على هيكل العدالة وقطاع المحاماة بشكل خاصّ، اضطلعوا بكتابة التقارير الأمنية والوشاية ضد زملائهم من المنتقدين لديكتاتورية النظام واستهدافه الأصوات الحرة.

تدرجت المحامية الشابَّة حينها في "عالم الوشاية"، وفق شهادة الأستاذ الباجي، من محامية تجمُّعية قاعدية كُلّفت في مرحلة أولى بمهمة التشويش على أنشطة فرع المحامين بتونس لتنتقل بعدها إلى "البلطجة"، إذ يستحضر زميلها واقعة اعتدائها على عميد المحامين في 2005 بهدف إفساد الجلسة الخارقة للعادة، بعد أن افتكت منه المصدح خلال إلقائه كلمة أمام المحامين، لتُحال بعد ذلك إلى مجلس التأديب وتُوقَف عن مزاولة نشاط المحاماة، لتستأنف الحكم بعدها مستفيدة من ولائها للنظام وهيمنته على سلك القضاء.

شهادة الأستاذ الباجي عن بلطجة موسي والدور الذي وُكِلَ إليها من النظام لإفساد أنشطة المحامين، أكدها زملاء آخرون في سلك المحاماة والقضاء على غرار عبد الستار المسعودي وسعيدة قراش وبشرى بلحاج حميدة وإيمان البجاوي وسنية الدهماني وكلثوم كنو وبشر الشابي.

أغدق نظام بن علي على موسي كثيراً من الامتيازات المادية والمعنوية، سواء بإفرادها وباقي المحامين التجمعيين بمهمة الترافع في قضايا مؤسسات الدولة على غرار شركات التأمين والاتصالات والصناديق الاجتماعية أو من خلال تدرجها في المناصب ضمن التجمع الدستوري المنحلّ، لتتولى في 2009 خطة الأمينة العامة المساعدة المكلَّفة شؤون المرأة ضمن الإدارة المركزية للتجمع الدستوري.

تقرير هيئة الحقيقة والكرامة

ورد اسم عبير موسي في التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة الذي سلّط الضوء في أحد أجزائه على اختراق حزب التجمع المنحلّ لهيئة المحامين بهدف السيطرة على القطاع، إضافة إلى الامتيازات المادية التي كان النظام يمنحها لموسي وغيرها من المحامين التجمعيين مقابل الخدمات المسداة، إذ ورد في صفحة 139 من التقرير أنه "وقع مكافأة عبير موسي التي تميزت بالاعتداء على زملائها خلال الجلسات العامة بمبلغ 125.526 ألف دينار (46 ألف دولار) سنة 2009 فقط".

بعد اندلاع الثورة الشعبية التي أطاحت بنظام بن علي وهروبه إلى السعودية في 14 يناير/كانون الثاني 2011، توارت عبير عن الأنظار بعد أن استماتت في الدفاع عن الرئيس الراحل لآخر نفس، إذ يستذكر التونسيون الفيديو الشهير لها برفقة مجموعة من النساء المنخرطات في حزب التجمع المنحلّ وهي تغني وتردّد شعارات مناشدة من قبيل "الله أحد الله أحد بن علي ما كيفو حد"، كما طردها في شهر مارس/آذار من نفس السنة زملاؤها المحامون من المحكمة إثر صدور حكم قضائي تاريخي يقضي بحلّ حزب التجمع الدستوري.

أعلنت سليلة النظام السابق للرأي العامّ في مقال نشرته بجريدة الشروق المحلية بتاريخ 12 فبراير/شباط 2011 استقالتها من الإدارة المركزية لحزب التجمع الدستوري، كما أشادت بالثورة التونسية وقدّمَت تعازيها لعائلات الشهداء، ودعت إلى محاسبة الفاسدين والمرتشين داخل الحزب وخارجه وتقديم الاعتذار للضحايا.

دخول للبرلمان

عادت عبير العمدوني بعدها إلى النشاط الحزبي، فترشحت في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2014، في الانتخابات التشريعية على رأس قائمة "الحركة الدستورية" إلا أنها فشلت، لتعيد الكرَّة سنة 2019 وتترشح للانتخابات مستفيدة من إسقاط البرلمان لقانون العزل السياسي لبقايا النظام السابق، وتنقيحات القانون الانتخابي، لتدخل بعدها قبة البرلمان نائبةً ورئيسةَ كتلة وازنة تروّج لكونها الوريثة الشرعية للحركة الدستورية وتجاهر بعدائها الشديد لحركة النهضة والتوجهات الإسلامية لتشكّل حالة من الاستقطاب الثنائي الحادّ.

وكان تقرير صدر منذ يومين لمنظمة "بوصلة" الرقابية المتخصصة في مراقبة نشاط النواب أكدت فيه تصدُّر كتلة عبير موسي "لدستوري الحر" الكتل الأكثر ممارسة للعنف في البرلمان، فيما سبق أن اتخذ مكتب المجلس قراراً تأديبياً بشأنها بعدم التدخل وأخذ الكلمة خلال ثلاث جلسات عامة بسبب خرقها النظام الداخلي للمجلس.

تاريخ أسود

في هذا الإطار استنكر مساعد رئيس مجلس النواب، المكلَّف بالإعلام في البرلمان، ماهر مذيوب، في حديثه لـTRT عربي، ما تفعله النائبة، معتبراً أنها باتت مكلَّفة مهمة منذ أول جلسة للبرلمان حين أصرت على أداء القسم وتلاوة الفاتحة فردياً برفقة كتلتها.

مذيوب أكد أن عبير لم تتقدم منذ دخولها البرلمان بأي مبادرة تشريعية، مقابل إصرارها على إفساد جلسات البرلمان واجتماعات مكتب المجلس، وحرصها على تقديم لوائح لسحب الثقة من رئيس البرلمان، والعمل على إسقاط اتفاقيات هامة فقط لأنها تتعلق بقطر وتركيا والولايات المتحدة.

نائب رئيس البرلمان نفى عن عبير ما تروّجه بانتمائها إلى الحركة الدستورية، مؤكداً أنه كان مؤسس "منظمة طلبة التجمع من أجل الديمقراطية والتقدم"، وأن الحزب الدستوري شُوّه بعد اختراق الأمنيين والمخبرين أمثال عبير موسي له، وبشهادة زملائها في سلك المحاماة، حسب قوله.

تواصل رئيسة الدستوري الحر "عربدتها" داخل البرلمان، حيث لم تترك جلسة عامة إلا أحدثت فيها الهرج والتشويش، ووصل بها الأمر إلى جلب "مكبّر صوت"، في مشهد أثار سخرية التونسيين والنواب، لكن كل هذا لم يمنعها من أن تكون حسب ملاحظين أكبر المستفيدين من تعميق الاستقطاب الثنائي واللعب على وتر تهديد الدولة المدنية الحديثة، وترويج خطر "الإسلام السياسي"، إذ أظهرت نتائج سبر آراء تَصَدُّر حزبها نيات التصويت في الانتخابات التشريعية القادمة متقدماً على حركة النهضة.

TRT عربي