بعد اغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، والتصعيد الأمريكي ـ الإيراني الذي تلا ذلك، يُطرح سؤالٌ بارز: كيف تحاول تركيا احتواء الأزمة بين الطرفين قبل اشتدادها؟

وضع اغتيال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في غارة جوية بالعراق، التطورات في منطقة الشرق الأوسط على صفيح ساخن، بخاصة أن ذلك أشعل من جديد فتيل الأزمة بين إيران وأمريكا، التي كانت ساحتها الأراضي العراقية، المكان الذي قُتل فيه سليماني.

وحرصاً على أن لا يمتدّ لهيب تلك الأحداث ويتصاعد بشكل كبير، سارعت تركيا إلى محاولة احتواء الأزمة بين الطرفين قبل اشتدادها، إذ حثّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأحد، نظيره الإيراني حسن روحاني، خلال اتصال هاتفي معه، على ضرورة عدم التصعيد مع الطرف الأمريكي، خشية أن يكون لذلك عواقب وتبعات على المنطقة ككل.

ولم يقتصر الأمر على أردوغان، إذ حذّر وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو بدوره من أن اغتيال سليماني من شأنه أن يهدِّد الأمن والسلام في المنطقة، مؤكّداً في ذات الوقت أن بلاده ستواصل بذل الجهود مع دول أخرى لتخفيف التوتر بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية.

هذه الأزمة سيكون لها ارتدادات ربما إيجابية أو أخرى سلبية على تركيا لكن أنقرة في جميع الأحوال لديها المرونة والخبرة وقابلية اللعب على التوازنات وحتى التناقضات في المنطقة.

محمود عثمان، كاتب ومحلل سياسي

وفي هذا السياق أجرى الرئيس أردوغان اتصالات هاتفية مع نظرائه في إيران وفرنسا والعراق وقطر ورئيس وزراء بريطانيا، كما أنه سيجري اتصالات أخرى مع زعماء وقادة آخرين، لبحث تلك المسألة.

ووسط تلك التصريحات من الرئاسة والديبلوماسية التركية، يتصدَّر الواجهة السؤال الأبرز: كيف ستتعامل تركيا مع هذه الأزمة، بخاصة أن تركيا من دول جوار إيران والعراق؟

الكاتب والمحلل السياسي محمود عثمان، يرى أنه "مِما لا شكّ فيه أن هذه الأزمة سيكون لها ارتدادات ربما إيجابية أو أخرى سلبية على تركيا، لكن أنقرة في جميع الأحوال لديها المرونة والخبرة وقابلية اللعب على التوازنات وحتى التناقضات في المنطقة".

ورأى عثمان أن "انحسار النفوذ الإيراني في العراق قد يفيد تركيا اقتصاديّاً، بخاصة أن تركيا هي البوابة الرئيسية للعراق في جميع تعاملاته التجارية، وعندما يستقرّ الوضع في العراق وتكون هناك حكومة عراقية أقل تبعية لإيران، فهذا يكون في صالح تركيا أيضاً".

ويرى مراقبون أنه إلى جانب التحرك التركي لإخماد حدّة التوتر الإيراني الأمريكي، وتدخُّل أطراف أخرى، لا بد من أن تتضافر جهود عدة لحماية المنطقة من تبعات أي تصعيد محتمَل عقب مقتل مسؤول رفيع وهامّ في إيران.

وهذا ما أشار إليه الباحث في التاريخ والسياسة عمر آل حسون، بقوله إن "تركيا معنية بشكل كبير في الصراع الدائر بين إيران وأمريكا على الساحة العراقية"، مضيفا لـTRT عربي أنها "منوط بها أي حل سلمي في المنطقة، وحريصة على عدم زيادة تدهور الأمور في دول الجوار، فسوريا التي تتدخل فيها إيران دُمّر ثلاثة أرباعها، مِما أجبر أهلها على النزوح إلى تركيا وسبّب نوعاً من الضغوط على البلاد، والمدن العراقية السنية هاجر أكثر من نصف أهلها إلى تركيا بسبب التدمير الإيراني، فشكّل عبئاً كبيراً تحملته تركيا وحدها دون تدخُّل من أحد".

وفي وقت يرى فيه مراقبون أن مقتل سليماني سيُلقِي بظلاله على المنطقة كلها، رأى آخرون أن تركيا من الدول التي تعمل على تأمين الاستقرار في المنطقة.

تركيا تربطها اتفاقات استراتيجية مع أمريكا وعلاقات مع الجارة إيران ومِن ثَم فإن أي مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران ستنعكس سلباً على تركيا بشكل مباشر.

علي تمي، عضو مكتب العلاقات في تيار المستقبل الكردي

وفي هذا الصدد قال عضو مكتب العلاقات في تيار المستقبل الكردي في سوريا وعضو العلاقات في المجلس الوطني الكردي المعارض علي تمي، إنه "لاشك أن تركيا كدولة ستتضرر من أي مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران، والسبب الأول هو الموقع الجغرافي لتركيا لمنطقة الصراع والتوتر، ومن المحتمل أن تتصاعد حدة التوتر في سوريا والعراق وأن تؤدِّي إلى موجات نزوح جديدة نحو تركيا التي أصبحت البلد الآمن لمعظم اللاجئين حول العالَم".

وثانياً، حسب تمي في حديثه لـTRT عربي، فإن تركيا تربطها اتفاقات استراتيجية مع أمريكا، وعلاقات مع الجارة إيران، ومِن ثَم فإن أي مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران ستنعكس سلباً على تركيا بشكل مباشر، مِمَّا يدفع أنقرة إلى نهج سياسة الحياد والنأي بالنفس في صراع كهذا".

وتجدر الإشارة إلى أنه حسب مراقبين، فإن منشأ الصراع بين إيران وأمريكا يستند إلى إثبات نفوذهما في العراق.

وفي هذا الإطار يقول المحلل السياسي محمود عثمان، إن "هدف أمريكا هو استرداد العراق من إيران، في حين تحاول طهران التشبث بنفوذها هناك".

المصدر: TRT عربي