بعد مرور سنة على مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلده بتركيا، ما تزال صورة السعودية في أعيُن العالم تتلطّخ يوماً بعد يوم.

تحلّ خلال الأيام القليلة المقبلة الذكرى الأولى لمقتل الصحافي السعوديّ البارز جمال خاشقجي، بعد الجريمة الشنعاء التي كتبت نهايته داخل قنصلية بلده بتركيا، وفتحت في المقابل الأبواب أمام العالَم ليكون شاهداً على جريمة دولية مكتملة الأركان، شملت الاستدراج والتعذيب وإخفاء الجثة.

توالت الأيام وتعاقبت الفصول، وحلّ فصل الخريف، الشاهد على جريمة إسقاط ورقة خاشقجي من شجرة الحياة في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2018، ولتكشف ريحُه العاتية وسائل النِّظام السعوديّ في تكسير الأقلام المزعجة، وتجاوز كل الحدود الجغرافية -والأخلاقية- لإخراس معارضيه.

عاد الخريفُ مجدَّداً، معلناً موت شُجيراتُ التلميع السياسي التي زرعها وليّ العهد بن سلمان، تحت اسم الحداثة والانفتاح، كاشفاً عدم قدرتها على تغطيةَ شمس حقيقةِ ضلوعه في الجريمة التي ارتكبها مقربون منه ضد صوت حر وأعزل، لينتقل النِّظام السعوديّ إلى مستوى جديد من الفجاجة بأساليب "الدولة المارقة" التي تخرق كل القوانين الدولية وتنتهك حقوق مواطنيها، بتعريف المفكر نعوم تشومسكي.

الإدانة

تداعيات الحادثة، التي أقامت الدنيا ولم تقعدها، تتواصل، وتتوالى التقارير المُدينة لأعلى السلطات بالسعوديَّة وتحميلها مسؤوليتها، كان آخرها تقرير آنياس كالامار، المقررة الخاصَّة للأمم المتَّحدة المعنية بالإعدامات التعسفية والمنفذة خارج نطاق القضاء، الذي تحدث عن وجود "أدلة موثوقة تربط بين وليّ العهد السعوديّ الأمير محمد بن سلمان والجريمة والتغطية عليها".

وخلُص التقرير إلى أن مقتل خاشقجي "شكّل جريمة خارج إطار القضاء تتحمل دولة المملكة العربية السعوديَّة المسؤولية عنها"، مضيفا أن السعوديَّة لم تتخذ سوى "خطوات فاترة" لتحمل مسؤوليتها "من خلال المقاضاة والتعويضات"، مشيراً إلى أن المحاكمات السعوديَّة المغلقة لـ11 مشتبهاً به غير معروفي الهُوية لا تطابق المعايير الدولية ويجب وقفها".

غير أن الرياض التي اعترفت بالجريمة على مضض، رفضت التقرير واعتبرته يتضمن "مزاعم لا أساس لها".

في هذا السياق يقول محلل سياسي مختص في العلاقات الدولية: "مِمَّا لا شك فيه أن الحادثة بالطريقة البشعة التي تمت بها، صدمت العالَم، وأثرت وستؤثر على صورة السعوديَّة في العالَم، إذ كانت انتهاكاً لحقوق الإنسان وللشرعية الدولية، لأنها جرَت داخل منشأة دبلوماسية، وتمت داخل الحدود الجغرافية لدولة أخرى".

وأضاف المتحدث الذي فضّل عدم ذكر اسمه في تصريحه لموقع TRT عربي، أن السعوديَّة باعتبارها تحتضن القبلتين كانت لديها مكانة اعتبارية لدى المجتمع الإسلامي ومن خلالها رمزية دينية سقطت، مشيراً إلى أن هذا الاغتيال فتح الأعين لعدد من الدول من أجل تسليط الضوء على واقع الحريات والحقوق بهذا البلد الذي كانت تجامله الدول الغربية بسبب وزنه النِّفْطي والطاقي، لكن الآن يتم رصد ما يجري من خروقات وانتهاكات جسيمة".

صورة ملطخة

دماء الكاتب المزعج بجريدة "واشنطن بوست"، لطخت صورة المملكة السعوديَّة وهزتها لدى الرأي العامّ الدولي، بشكل لم تفلح معه حملات وخطابات التلميع من احتواء القضية، لتتزايد ضغوط الصحافة العالَمية والتقارير الحقوقية، ومعها التوجس الذي صار السمة الأبرز التي تطبع علاقات عدد من البلدان في تعاملها مع المملكة، خصوصاً مع استمرار جرائم حربها باليمن، وتواصل قمع وتعذيب العشرات من الحقوقيين والمعارضين السياسيين القابعين في السجن والمنفى.

منذ إعلان مقتل الصحفي السعوديّ بالقنصلية السعوديَّة في إسطنبول، ارتفعت حدة انتقادات عدد من البلدان الغربية للمملكة العربية السعوديَّة ومعه الدعوات لكشف خيوط الحادثة وملابساتها ومحاسبة المسؤولين عنها، مما سبّب توتراً في علاقتها الخارجية مع عدد منها، وصلت إلى حدّ المقاطعة السياسية والاقتصادية.

أزمات السعوديَّة الخارجية كثيرة خلال الحكم الفعلي لابن سلمان، غير أن الأزمة مع كندا كانت الأحدث، بعد أن وجّهَت كندا انتقادات للسعوديَّة بخصوص حقوق الإنسان، خصوصاً بعد اعتقال نشطاء مدنيين ومدافعين عن حقوق المرأة في السعوديَّة، وهو ما اعتبرته السعوديَّة تدخلاً في شؤونها الداخلية واتخذت قرارات تصعيدية تجاه كندا، مثل ترحيل الطلاب السعوديّين الذين يتابعون الدراسة هناك ووقف علاج المرضى والرحلات الجوية.

وعرفت العلاقات الألمانية السعوديَّة بدورها، توتُّراً كبيراً منذ مقتل جمال خاشقجي، إذ قطعت برلين جميع الصفقات العسكرية مع الرياض، مشترطةَ على المملكة إجراء محاكمات عادلة ونزيهة للفريق الذي اغتال خاشقجي لاستئنافها، كما وُجّهَت انتقادات إلى السعوديَّة بشأن تجاوزات تطال حقوق الإنسان والأوضاع الإنسانية المأساوية الذي نتجت عن حربها باليمن.

وإلى جانب كندا وألمانيا، لا تعرف علاقات السعوديَّة إقليميّاً بالمنطقة العربية والشرق الأوسط، الاستقرار، فبعد الحصار الذي فرضته على قطر، اتهمها لبنان بالمساس بسيادتها، بعد وضع رئيس الوزراء سعد الحريري قيد الإقامة الجبرية في قضية لم تتكشف خيوطها بعدُ.

هذا التحول الاندفاعي في السياسة الخارجية السعوديَّة بقيادة بن سلمان، جرّ عدداً من الانتقادات، إذ وُصفت بأنها "مغامِرة ومتهورة" بعد أن انتهجت أسلوب التأني خلال عقود، كما أن التوجه الجديد للدبلوماسية السعوديَّة، كان لا بد له من ثمن، يدفعه اليوم محمد بن سلمان، الذي تراجع حجم نفوذه وشعبيته، وظلَّ طيف خاشقجي يلاحقه أينما حلّ وارتحل.

فخلال عدد من زياراته يجد شعوب الدول التي يحط الرحال فيها تستقبله لكن بالمظاهرات، كما هو الشأن بتونس في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، خلال أول زيارة خارجية له بعد مقتل الصحفي السعوديّ، مع تظاهر مئات في تونس العاصمة ضد زيارته مرددين شعارات "ارحل يا قاتل". كما حظي وليّ العهد السعوديّ بنفس الاستقبال، خلال زيارة له الهند وباكستان، وخرجت مظاهرات ضد زيارته لنيودلهي وإسلام آباد، ورفع المتظاهرون صوراً له ويداه ملطختان بالدماء وعبارات تندّد بجريمة قتل خاشقجي والحرب على اليمن، في صور تعكس حجم ما اقترفته سياساته.

وفي ظل الورطة الخانقة التي تسبب فيها اغتيال الصحفي خاشقجي، قال الدبلوماسي الأمريكيّ السابق ديفيد بيرس إن بإمكان المملكة اتباع عدة خيارات، أهمُّها إدراك أن غياب القيود عن سلطة محمد بن سلمان خطأ فادح، وضرورة التوجه نحو إرساء نظام ملكي دستوري يكون أكثر تكريسا لمبادئ الديمقراطية، والخضوع للمساءلة.

وأوضح الكاتب في مقال رأي أن "أولى خطوات التقدم في المملكة، التي تطمح إلى الخروج من الأزمة التي خلّفها اغتيال خاشقجي وتلافي آثارها، تتمثل في إقرار محاسبة داخلية حتى لو استوجب الأمر مساءلة الملك سلمان لنجله بصفة مباشرة."

الواقع الحقوقي

واجهت السعوديَّة انتقادات حقوقية واسعة عقب مقتل الصحفي السعوديّ البارز، من طرف المنظَّمات الحقوقية والمنتظم الدولي، وتتواصل إلى اليوم، بعد إدانة السعوديَّة من طرف عدد من دول مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتَّحدة، على خلفية نفس الجريمة وانتهاكات حقوق الإنسان في البلاد.

وعلى الرغم من هذه الإدانات المتوالية للسجل المخزي لانتهاكات حقوق الإنسان، لا يبدو أن السعوديَّة تستفيد من الدرس، إذ تستمر سلطاتها في الاحتجاز التعسفي لنشطاء ومعارضين سلميين، قضوا فترات طويلة بالسجن دون محاكمة، وتتجلى تهمهم في انتقادهم السلطات أو الدعوة إلى إصلاحات سياسية وحقوقية.

وحسب منظَّمة هيومن رايتس ووتش، فقد واصلت السلطات السعوديَّة الاعتقالات، المحاكمات التعسفية، والإدانات بحق المنشقين والنشطاء السلميين، بما فيها حملة واسعة منسقة ضد ناشطات حقوق المرأة.

كما تحدث تقرير حديث لمنظَّمة العفو الدولية (أمنستي) أن المملكة العربية السعوديَّة تعاقب المدافعين عن حقوق الإنسان بالغرامة والسجن خمس سنوات بعدما لجأت بشكل منهجي إلى قانون مكافحة الإرهاب واستخدمت قانون مكافحة جرائم الإنترنت. ووصفت المنظَّمة السعوديَّة بـ"مملكة الوحشية"، وقالت إن القمع المنهجي لحقوق الإنسان ِفيها تكثف منذ تعيين الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد في يونيو/حزيران 2017.

وفي نفس السياق نشرت صحيفة الغارديان تقريراً لها خاصّاً بعنوان "تقارير طبية مسربة: سجناء سياسيون يعذَّبون ويجوعون في السعوديَّة"، يكشف تعرُّض سجناء سياسيين، بينهم نساء، لسوء التغذية والحروق والإصابات والجروح بحسب تقارير طبية مسربة تم تجهزيها لتقديمها للملك سلمان بن عبد العزيز.

وأضافت الصحيفة أن هذه التقارير تعتبر أول دليل موثَّق من قلب النِّظام السعوديّ يؤكّد تَعرُّض السجناء السياسيين في البلاد لكمّ هائل من التعذيب الجسدي والإساءة على الرغم من نفيها المتكرر تعرُّضهم لأي نوع من سوء المعاملة.

في هذا الإطار يقول عبد الإله الخضري، ناشط حقوقي، إن الحديث عن حقوق الإنسان في أية دولة "يستلزم وجود منظومة سياسية تراعي الحد الأدنى من قيم الديمقراطية، للأسف الشديد ما تشهده السعوديَّة انحدارٌ رهيب نحو أتون القهر والاستبداد، واستفراد فرد بمقدرات ومقومات وبمصير شعب".

وأضاف الحقوقي في تصريح لـTRT عربي، أنه في ظل غياب الديمقراطية، فصانع القرار الفعلي هناك يملك بين يديه من النفوذ والحماية ما يمكنه من تدمير معارضيه ومحوهم بخاشقجي، ولا يزال يتربص بالباقي".

الانتهاكات السعوديَّة لا تقتصر على مواطنيها، بل أيضاً على الشعب اليمني، الذي ارتكبت فيه جرائم ضد الإنسانية وانتهك على أرضه القانون الإنساني الدولي، منذ بدأ العمليات العسكرية ضد الحوثيين، مسقطة مئات المدنيين المنازل والأسواق والمستشفيات والمدارس والمساجد.

فمن الأشياء التي يمكن القول إن مقتل خاشقجي استطاع كشفها هي فتح عيون العالَم على المأساة باليمن، والوقوف على ما ترتكبه السعوديَّة من انتهاكات، فبالموازاة مع تزايد الضغط على السعوديَّة لتقديم إجابات حول تفاصيل مقتل خاشقجي، ارتفعت الأصوات التي تطالبها بوقف النزيف والعودة للمفاوضات.

في هذا الجانب انتقد الناشط الحقوقي ما اعتبره الصمت الدولي "الذي دفعته انتهازيته وأنانيته إلى غضّ الطرف عن البشاعات التي يقترفها بأسلحة الغرب عبر صفقات مليارية في اليمن، ونشر سمومه ببلدان عربية أخرى، رافعاً راية التحذير من فزاعة الإرهاب والمد الشيعي، علماً أن هذا القمع هو المصدر الحقيقي والواقعي في صناعة الإرهاب، للإجهاز على إرادة الشعوب، التواقة إلى الحرية والكرامة والديمقراطية والسلام".

تقول الناشطة الحقوقية أندريا براسو، نائبة مدير مكتب هيومن رايتس ووتش في واشنطن: "فات أوان إنقاذ جمال خاشقجي، لكن بالنسبة إلى مئات الأشخاص المسجونين بتُهَم ملفقة، والمعتقلين الذين يتعرضون للتعذيب، والمدنيين اليمنيين الذين يُهاجَمون بشكل متكرر، وكل امرأة وفتاة سعوديَّة لديها حقوق أقل من الرجل، لا يزال هناك أمل".

المصدر: TRT عربي