مبادرة السيسي كانت مجرد محاولة لكسب بعض الوقت إلى حين إعادة ترتيب الأوراق، وربما إلى حين الاتفاق على بديل لحفتر الذي بات يوصف في الصحافة الغربية بالجنرال المهزوم

مع توالي انتصارات قوات حكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها دولياً على مليشيات الجنرال الانقلابي خليفة حفتر أصبح واضحاً أن أيام الأخير في المعادلة الليبية باتت معدودة، أو على أقل تقدير أصبح شبه مؤكد أن آمال داعميه، وفي مقدمتهم أبو ظبي، لن تتحقق كلياً أو جزئياً على المدى القريب.

وكانت مبادرة السيسي مجرد محاولة لكسب بعض الوقت إلى حين إعادة ترتيب الأوراق، وربما إلى حين الاتفاق على بديل لحفتر الذي بات يوصف في الصحافة الغربية بالجنرال المهزوم، وأصبح على خلاف واضح مع بعض الموالين له داخل ليبيا عقب محاولته الانفراد بالحكم وإعلان نفسه حاكماً للبلاد.

من المؤكد أن السيسي كان يدرك منذ البداية أن المبادرة ستقابل بالرفض سواء من حكومة الوفاق أو من تركيا الداعم الرئيس لها، نظراً لأنه من غير المنطقي أن يُملي الطرف المهزوم شروطه على المنتصر وأن يقبل الأخير تلك الشروط.

إلا أنه ربما راهن على أن المبادرة ستلقى ترحيباً من المجتمع الدولي بضغط من فرنسا، نظراً لترحيب الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بأي دعوات للحوار والتخلي عن الحلول العسكرية، ممَّا سيشكل ضغطاً على طرابلس وأنقرة ويمنح الفرصة لداعمي حفتر لإعادة ترتيب أوراقهم.

وعقب فشل المبادرة المذكورة غير السيسي من لغة الخطاب، ولجأ إلى التلويح بإمكانية التدخل العسكري المباشر في ليبيا.

وقال السيسي أثناء تفقده وحدات الجيش المصري بالمنطقة العسكرية الغربية: "إن أي تدخل مباشر من الدولة المصرية في ليبيا باتت تتوافر له الشرعية الدولية"، مضيفاً أن مدينتي سرت والجفرة خط أحمر بالنسبة إلى مصر. وهو ما اعتبرته حكومة الوفاق الليبية عدواناً وتدخلاً في الشؤون الداخلية الليبية.

وسارعت الإمارات والسعودية بإعلان دعمهما تصريحات السيسي،وإن كانتا أبدتا ظاهرياً قبل ذلك تحمسهما لمبادرة السيسي لوقف إطلاق النار، معتبرتين ذلك "حق مصر للدفاع عن حدودها".

وقالت الرياض في بيان نشرته الوكالة السعودية الرسمية، إن السعودية تقف إلى جانب مصر وما سمته حقها في الدفاع عن حدودها وشعبها، وتعبر عن تأييدها لما جاء في تصريحات السيسي بشأن مزاعم "حق مصر في حماية حدودها الغربية" مع ليبيا. ودعت السعودية المجتمع الدولي إلى الاستجابة لدعوات السيسي.

كما عبرت أبو ظبي عن دعمها لخطاب السيسي، وقالت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية، في بيان: إن "دولة الإمارات تقف إلى جانب مصر في كل ما تتخذه من إجراءات". وأشادت بما اعتبرته "حرص القاهرة على حقن دماء الأشقاء من أبناء الشعب الليبي، وتهيئة الظروف العاجلة لوقف إطلاق النار، وبدء مفاوضات العملية السياسية الشاملة تحت رعاية الأمم المتحدة".

من جانب آخر رأت إدارة أبو ظبي، وإن كانت أبدت ظاهرياً تحمسها لمبادرة السيسي، أن الدعم الهائل الذي تقدمه لحفتر غير كافٍ، سواء الدعم المالي أو الدعم العسكري المتمثل في مده بمختلف أنواع الأسلحة الخفيفة، والثقيلة، الطائرات، والآليات، والمعدات العسكرية، والعناصر المقاتلة الذين جندتهم من السودان، وأيقنت أن هناك حاجة ملحة لتدخل قوة عسكرية كبيرة مثل الجيش المصري تدخلاً مباشراً في ليبيا لمنع قوات الوفاق المدعومة من أنقرة من استعادة كامل الأراضي الليبية، وهو ما يجعل الجيش المصري في مواجهة مباشرة مع تركيا، الأمر الذي من شأنه، كما يظنون، أن يستنزف أنقرة ومن ثم إعاقتها عن تحقيق أهدافها في شرق المتوسط.

دعوات الإمارات ومحاولاتها لتوريط الجيش المصري في مواجهات مباشرة على الأرض في ليبيا ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر كثافة خلال الفترة الأخيرة. وخاصة عبر لجانها الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي، وعبر الموالين لها من سياسيين وإعلاميين.

الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله أستاذ العلوم السياسية والمستشار السابق لولي عهد أبو ظبي، دعا في تغريدة له الجيش المصري إلى التدخل في ليبيا و"حسم معركة طرابلس"، قائلاً: "إذا لم يتمكن #الجيش_الوطني_الليبي من حسم معركة طرابلس قريباً فالجيش المصري وحده قادر خلال 24 ساعة من حسم معركة طرابلس، وانهاء معاناة سكانها وتحريرهم من سيطرة مليشيات مسلحة وأخرى إرهابية تسيطر على قرار حكومة الوفاق الفاقدة لأي شرعية".

وكان عبد الله قد قال في وقت سابق إنه يراهن على "دور حاسم" للجيش المصري في طرابلس.

وفي السياق ذاته، تم تدشين وسم (هاشتاج) بعنوان #الجيش المصري، وخلال فترة وجيزة ظهر الوسم مجدداً وأصبح من بين أكثر الهاشتاجات تفاعلاً على موقع تويتر. وكانت أغلب المشاركات فيه عبارة عن دعوات للجيش المصري إلى التدخل عسكرياً في ليبيا.

الملفت للانتباه أن أغلب المشاركات في الوسم كانت لحسابات سعودية وإماراتية وليست مصرية. كما تضمن الوسم مئات التغريدات المكررة لعبارة تقول نساند الجيش المصري باللغة الإنجليزية.

وفي مداخلة مع قناة TEN الفضائية، التي تبث من مصر ويملكها رجل أعمال إماراتي، قال المحلل السياسي السعودي أمجد طه الذي يُعرّف نفسه بأنه رئيس المجلس البريطاني لدراسات الشرق الأوسط والمعروف بقربه من المسؤولين في أبو ظبي، إن أغلب الدول العربية تدعم موقف السيسي، مدعياً أن من لم يقف إلى جوار مصر في موقفها ليس بعربي على حد قوله. وأكد طه دعم الرياض للسيسي.

وكان طه قد قام بنشر عدة تغريدات يدعو فيها الجيش المصري إلى التدخل في ليبيا بأسرع وقت، وتغريدات تؤكد أن الجيش المصري سينفذ ضربات في ليبيا قريباً.

هل يستجيب السيسي؟

رغم أن هناك تقارير تحدثت منذ بداية العام عن وجود خلاف في وجهات النظر بين القاهرة وأبو ظبي حول ضرورة التدخل العسكري في ليبيا، فإن السيسي يحاول الاستفادة قدر الإمكان من الوضع القائم.

ويرى سياسيون منهم عبد الله الأشعل، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أن السيسي لن يجازف بالتدخل المباشر في ليبيا، بل سيواصل أداء دور همزة الوصل والوسيط لتوصيل الدعم الإماراتي والسعودي.

على الصعيد الداخلي لا يمكن للسيسي أن يغامر بالإقدام على خطوة مثل هذه من شأنها إغضاب جنرالات الجيش إذا ورط القوات المسلحة في معركة تستنزف إمكاناتها، في ظل وجود مشكلتين أكثر خطورة تهددان أمن البلاد من الشرق والجنوب.

 إلا أن إدارة السيسي لطالما استخدمت ورقة "الأمن القومي" ودعم الجيش لمواجهة أعداء البلاد والمتربصين بها من أجل تثبيت دعائم حكمها، وصرف الأنظار عن أي قضايا داخلية يمكن أن تثير غضب الشارع.

وكثيراً ما يردد الإعلام الموالي للسيسي هذه الأيام عبارات أن "البلاد حالياً في حالة حرب" ضد الإرهاب، ولا يصح الحديث عن ملفات داخلية فرعية مثل ارتفاع الأسعار، أو ارتفاع نسب البطالة، وتردي الوضع الصحي.

ومنذ مطلع العام الجاري استغل نظام السيسي اتفاقية التعاون الأمني والعسكري بين تركيا والحكومة الليبية الشرعية المعترف بها دولياً، وإعلان تركيا عزمها إرسال قوات إلى ليبيا، لإلهاب حماسة الشارع المصري وإيهامه بأن البلاد على مشارف الدخول في حرب لحماية حدودها الغربية من الجماعات الإرهابية التي زعمت أن تركيا ستطلقها على مصر عند دخولها ليبيا. ووصل الأمر إلى حد إذاعة الأغاني الوطنية التي كانت تذاع إبان فترة حرب الاستنزاف بين مصر وإسرائيل.

وما كان ذلك إلا من أجل صرف الأنظار عن إخفاقات النظام في تحقيق وعوده للمواطنين بإحداث نهضة اقتصادية وحل مشكلة الإرهاب مع حلول العام 2020، وهي الوعود التي يجددها نظام السيسي كل ستة أشهر منذ عام 2014. والتي كان آخرها وعود شخصية من السيسي بأن مصر ستصبح دولة مختلفة تماماً بحلول 30 يونيو/حزيران 2020.

وحالياً يستغل السيسي الوضع القائم للفت الأنظار عن إخفاقات نظامه في ملفي مكافحة الإرهاب في سيناء وسد النهضة بإثيوبيا الذي طالما أكد أنه "خط أحمر" ومسألة أمن قومي للبلاد.

وجاءت تهديدات السيسي بالتدخل في ليبيا عقب تصعيد من إثيوبيا وإعلانها عزمها ملء سد النهضة مع بدء موسم الأمطار، وإعلانها عدم اكتراثها لشكوى مصر لدى مجلس الأمن، ما يدعم فرضية أن تصريحات السيسي ما هي إلا وسيلة للفت الأنظار مؤقتاً عن ملف سد النهضة.

كما يستفيد السيسي من النزاعات والصراعات الدائرة في المنطقة دائماً لتأكيد أهمية دعم الجيش والالتفاف حول القيادة في تلك الفترة التي أصبحت فيها البلاد محاطة بحزام من نار، وإلا أصبح مصير البلاد مثل مصير بعض دول المنطقة، وذلك لإسكات أي أصوات يمكن أن تتحدث عن الامتيازات الممنوحة للجيش وتدخله الكبير في اقتصاد البلاد.

ويبدو أن السيسي سيواصل الاستفادة قدر الإمكان من الوضع القائم في ليبيا، سواء من ناحية الحصول على الدعم المادي من أبو ظبي، أو تحقيق مكاسب سياسية داخلية، أو على الأقل صرف الأنظار عن إخفاقات إدارته المستمرة منذ سنوات.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي