مع تصاعد التوترات بين تايبيه وبكين خلال الفترة الأخيرة، واختراق طائرات عسكرية صينية الأجواء التايوانية في مشهد استعراضي، تشتدّ مخاوف المجتمع الدولي من إمكانية نشوب حرب في المنطقة الآسيوية، قد تنخرط فيها القوى العالمية.

على الرغم من الهدوء النسبي الذي اتسمت به العلاقة بين الصين وتايوان منذ ثمانينيات القرن الماضي، فإن فتيل الخلاف بين الحكومتين ما فتئ يشتعل مجدداً، على خلفية القضية المحورية التي لا تزال محل صراع وجدال بينهما إلى اليوم. إذ تعتبر الصين أن تايوان جزيرة تابعة لها بناء على عقيدة "الصين الواحدة"، وتتمسك تايوان في المقابل بسيادتها واستقلاليتها، وتحظى في ذلك بدعم دولي، وإن كان في الغالب ضمن أطر غير رسمية تجنباً لأي توتر محتمل مع بكين.

وبعد أن كانت التوترات لا تتجاوز في الغالب مجرد التصريحات الدبلوماسية شديدة اللهجة والتحذيرات المتبادلة بين الجانبين، تفاجئ القوات الصينية تايوان بإرسال طائرات عسكرية وقاذفات إلى منطقة الدفاع الجوي التايواني، في خطوة اعتبرها خبراء ومحللون استعراضية للقوة العسكرية الصينية، وتحذيراً غير مباشر باحتمال شن حرب قوية إذا ما قررت تايوان فعلياً الانفصال عنها.

وبينما تايبيه وبكين على بعد خطوة من صراع حقيقي، أعربت قوى المجتمع الدولي وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية عن قلقها، ودعت إلى التهدئة والتزام معاهدة تايوان.

تايوان.. قلب الصراع الأمريكي الصيني

مع حلول الذكرى 72 لانتصار قوات الزعيم الصيني الشيوعي ماو تسي تونغ، خلال الحرب الأهلية في الصين، على قوات الزعيم اتشيانغ كاي شيك الذي انسحب لاحقاً إلى تايوان، أقيم احتفال ضخم في بكين باعتباره يوماً وطنياً، وأرسلت على أثره القوات العسكرية الصينية طوال أربعة أيام متتالية نحو 150 طائرة عسكرية، بينها قاذفات وطائرات مقاتلة وطائرات حربية مضادة للغواصات، إلى منطقة الدفاع الجوي لتايوان، لتُحيِي بذلك مخاوف الأخيرة وتذكرها بعقيدتها الراسخة التي تتمثل في إعادة توحيد الجزيرة مع الصين، "الوطن الأم".

وكان الرئيس الصيني أكّد ذلك في خطاب ألقاه عام 2019، بقوله إنه لن يتردد في استخدام أي وسيلة كانت، غير مستبعد تنفيذ عمل عسكري، لضمّ الجزيرة البركانية.

وإن كانت الخطوة الاستفزازية التي أقدمت عليها الصين بداية أكتوبر/تشرين الأول الجاري، تُعتبر بالأساس تهديداً لتايبيه، فإنها تحمل كذلك في طياتها تحذيراً لواشنطن وبلدان الاتحاد الأوروبي من تقديم أي دعم لتايوان.

من جانبها اعتبرت الولايات المتحدة أن النشاط العسكري للصين في منطقة الدفاع الجوي التايواني، عملاً مستفزاً "يقوّض السلام والاستقرار الإقليميين"، فيما صرّحت المتحدثة الرسمية باسم البيت الأبيض جين بساكي قائلة: "نحثّ بكين على وقف ضغطها العسكري والدبلوماسي والاقتصادي على تايوان"، وأضافت: "لدينا مصلحة ثابتة في السلام والاستقرار عبر مضيق تايوان، لهذا سنواصل مساعدة تايوان في الحفاظ على قدرة كافية للدفاع عن النفس".

ويعتبر خبراء ومحللون أن الأزمة التايوانية دخلت بذلك منعرجاً خطيراً، وأصبحت في عمق الصراع الصيني الأمريكي. وفي هذا السياق قال إيفان ميديروس، عضو مجلس الأمن القومي خلال فترة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما: "لقد توقفت قضية تايوان عن أن تكون شكلاً من أشكال من القضايا الضيقة، وأصبحت بالتالي مسرحاً مركزياً للمنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين" .

وتسعى الولايات المتحدة لكبح جماح الطموحات الإقليمية للصين، بتقديم الدعم العسكري والمحافظة على خيط رفيع في علاقتها مع تايوان المصنفة من بين الدول الأكثر ديمقراطية في شرق آسيا.

وبموجب قانون العلاقات مع تايوان لعام 1979، الذي أقرّه الكونغرس الأمريكي بعد أن غيرت واشنطن اعترافها الدبلوماسي الرسمي ببكين من تايبيه، فإن واشنطن مُلزَمةٌ الدعم العسكري لتايوان.

وحتى هذه اللحظة تزوّد الولايات المتحدة الدفاع التايواني بالمعدات العسكرية اللازمة، وهو ما أثار غضب بكين واعتبرته ازدواجية وتحدياً لها، وسبباً كافياً لاندلاع صراع محتمَل في أي وقت.

وإن كان بعض الآراء يرجّح أن التحركات الصينية الأخيرة قد لا تكون بالضرورة مقدمة حرب في مضيق تايوان، بل مجرد ضغط سياسي، فإن خبراء ومسؤولين أكدوا أن ذلك غير مستبعد، ووجب على تايبيه رفع درجة الحيطة بالتعاون مع حلفائها.

وصرح في هذا الإطار وزير الدفاع التايواني بأن الصين ستكون قادرة على شن غزو واسع النطاق للجزيرة بحلول عام 2025.

أصل الصراع

بعد أن هدأت الحرب الأهلية في الصين عام 1949، انسحب القوميون "الكومينتانغ" بقيادة تشيانغ كاي تشيك إلى تايوان التي تبعد نحو 160 كيلومتراً على الصين، وأسّسوا فيها حكومتهم، بعيداً عن حكومة ماو تسي تونغ الشيوعية، وادعى كلا الطرفين تمثيله الصين.

ولم يهدأ الخلاف بين الجانبين منذ ذلك الحين، على الرغم من الهدوء النسبي الذي شهدته العلاقات بينهما في بعض محطاتها وأطوارها.

ورغم أن بكين تمكنت من إلزام المجتمع الدولي بعد ذلك الاعتراف الدبلوماسي الرسمي بها، فإن بعضها حافظ على علاقات دبلوماسية غير رسمية مع تايوان ضمن أطر مختلفة، بينها التجاري والثقافي والعسكري، دعماً لحكومة تايبيه التي تُعتبر من بين أكثر الدول ديمقراطية في شرق آسيا، والتي يعيش على أرضها اليوم أكثر من 23 مليون ساكن، وحفاظاً على موازين القوى التي حدّدتها الخريطة الإقليمية الاستراتيجية للمنطقة.

بذلك تبقى المسألة التايوانية التي تهدّد باندلاع وشيك لحرب كبرى، من أكثر قضايا السلم والأمن الدولي حساسية في منطقة جنوب شرقي آسيا.

TRT عربي