خلال بضع سنوات، وضعت تركيا نفسها في مرتبة ثاني أكبر مصدّر للمسلسلات التليفزيونية إلى إسبانيا. شيئاً فشيئاً بدأت الأعمال الدرامية التركية تهدّد بإزاحة نظيرتها الأمريكية من السوق الإسبانية.

دخلت القنوات التليفزيونية الإسبانية في سباق محموم لعرض أفضل المسلسلات التركية: Kadin ,Kizim , Sen Çal Kapımı ,Fatmagül، والقائمة تطول، هي عناوين المسلسلات التركية التي تبثها حالياً المحطات التليفزيونية الرئيسية المفتوحة في إسبانيا.

مسلسل إبنتي Kızım (Others)

ودخلت الأعمال الدرامية التركية المشهد السمعي البصري الإسباني، المتّسم بالتنافسية الشديدة، من خلال القنوات المتخصصة في عرض المسلسلات. تَعرَّف الجمهور الإسباني لأول مرة المسلسلات التركية من خلال قناة "نوفا" التي عرضت المسلسل التركي "Binbir Gece"، وبعد فترة وجيزة قفزت حصة المحطة من المشاهدة من 15% إلى 60%، وأضحت المسلسلات التركية اليوم بمثابة الروتين التليفزيوني اليومي لملايين المشاهدين الإسبان، وبذلك دخلت الدراما التركية عصرها الذهبي في إسبانيا.

على سبيل المثال لا الحصر، فازت القناة الإسبانية الثالثة بحصة الأسد من شاشات الإسبان لأربع ليالٍ متتالية، أيام الأحد، في وقت الذروة، بفضل المسلسل التركي "ابنتي" الذي حقّق 2.5 مليون مشاهدة في المتوسط، في حين أنه أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء مع عرض مسلسل "امرأة" التركي، أسرت القناة قلوب 2.3 مليون مشاهد، وهي أرقام غير مسبوقة للمحطة. أما على القناة الإسبانية الخامسة، فلم تسجل نتائج جيدة كمنافستها الرئيسية، إلّا أنه بعد بدء عرض المسلسل التركي "الحب في الهواء"، استطاعت تحقيق نحو 1.5 مليون مشاهد، بعد بثّه أيام الثلاثاء والأربعاء، يليه في المشاهدة المسلسل التركي الآخر "Doğduğun Ev Kaderindir".

وأغرت المسلسلات التركية المحطات التليفزيونية الإسبانية، لدرجة أن القناة الإسبانية الخامسة خصصت ليالي الثلاثاء والأربعاء لعرض المسلسل التركي "الحب في الهواء"، وفي ساعات متأخرة من ليالي الثلاثاء والأربعاء والخميس عرض المسلسل التركي الآخر "بيتي، مصيري".

ويبدو أن أهمّ المؤسسات الإعلامية في إسبانيا Atresmedia، المالكة لمحطات تليفزيونية، قد توقّعت ما هو آتٍ بعد النتائج الجيدة التي حقّقَتها عام 2018 مع المسلسل التركي "فاطمة غول"، وهو أول عمل درامي اشترته المؤسسة، لكن عرضه فاق كل التوقعات بعد اجتياحه قناة المسلسلات "نوفا". وحطّم المسلسل التركي كل الأرقام القياسية ليصبح بذلك العمل الدرامي الأكثر مشاهدة في تاريخالقناة.

ومع ذلك فإن هذه الظاهرة ليست مقتصرة على إسبانيا، إذ تُعد دول مثل روسيا والصين وكوريا الجنوبية وحتى بلدان بأمريكا اللاتينية، المعروفة تاريخياً بإنتاجها المسلسلات كالمكسيك والأرجنتين وتشيلي، من كبار المستهلكين للدراما التركية، وحتى رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو، أعلن على حسابه في تويتر أنه كان مدمناً على المسلسل التركي "Ertugrul".

قيامة أرطغرل (Wikipedia)

ولتفسير ظاهرة اكتساح المسلسلات التركية للقنوات الإسبانية، يقول نائب مدير المحتوى في مؤسسة Atresmedia الإعلامية خوسي أنطونيو أنطون، في مقابلة مع وكالة الأنباء الإسبانية، إن "النجاح قادنا إلى الاعتقاد بأن عرض المسلسلات التركية على قنواتنا الرئيسية قد يكون خياراً جيداً". ورغم أنه حينها لم تكُن الدراما التركية معروفة بما فيه الكفاية، فإن المحطة "خاطرت" بعرض المسلسل التركي "امرأة" على القناة الثالثة، وهي أهمّ محطة تملكها المؤسسة. ويقول أنطون إن ذلك العمل الدرامي هو "واحد من أكثر المسلسلات التركية شهرة وأفضلها إنتاجاً في السنوات الأخيرة، وقد حقّق نجاحاً باهراً".

ويرى النُّقاد الإسبان أن سبب انجذاب المُشاهِد في البلاد نحو الدراما التركية هو أنها ليست عبارة عن إنتاج منسجم وموحَّد، أي إنها ليست نوعاً سينمائياً واحداً، فكل عمل درامي مُنتَج في تركيا يختلف جذرياً عن الآخر، وهناك عديد من الأنواع. أما العنصر الثاني الذي تفرّدت به المسلسلات التركية، فيتمثل في العروض التي تقدمها شركات الإنتاج، فبعضها قصير ويصلح للبثّ اليومي وبتكاليف منخفضة. لكن المسلسلات التي استطاعت اكتساح أوقات الذروة الإسبانية هي إنتاجات درامية عالية الجودة، مع نصوص دقيقة للغاية وطاقم عمل ممتاز.

وللمسلسلات التركية عديد من الخصائص المميزة، حسب الخبراء الإسبان، فوتيرتها بطيئة للغاية ومدة كل حلقة من ساعتين إلى ثلاث ساعات وبتكاليف منخفضة نسبياً. لكن تكاليف عرض حلقة واحدة تدوم ساعتين من مسلسل تركي يُبَثّ في وقت الذروة في إسبانيا، تساوي تكاليف مسلسل كامل يُبَثّ في القنوات المفتوحة، وفق ما تراه باربورا سوستر، مديرة أمريكا اللاتينية وأيبيريا في مؤسسة Echo Rights، وهي شركة تسويق الموادّ السمعية والبصرية ومتخصصة في الدراما التركية.

وتُعَدّ هذه المؤسسة رائدة في إسبانيا لتسويق الأعمال الدرامية التركية، إذ ساهمت في وصول مسلسل "فاطمة غول"، الذي مهّد الطريق ووضع الأسس لاكتساح الدراما التركية الساحة الإسبانية. وتخلص باربورا إلى أنه "قبل ستة أعوام لم نكن نستطيع بيع أي عمل درامي تركي على الإطلاق في إسبانيا، واليوم يُباع كتالوغ المسلسلات التركية بالكامل تقريباً".

ولا تقتصر القوة الناعمة على السينما، بل ينطبق ذلك أيضاً على المسابقات الغنائية القارية الأوروبية، بخاصة "يوروفيجن" التي قررت تركيا العودة إليها سنة 2016، إذ طالما كانت الموسيقى التركية تحقق نتائج جيدة في المسابقة. ومنذ فوزها بالمسابقة بفضل أغنية الفنانةسيرتيب إيرنير (Serteb Erner) سنة 2003، حافظت أنقرة على وجودها في المراكز العشرة الأولى في ستّ مناسبات خلال مشاركاتها التسع، ولم تخرج من القائمة سوى مرة واحدة عام 2011.

وبالإضافة إلى الفوائد الاقتصادية الواضحة التي تحقّقها صناعة الدراما لتركيا من تنويع للصادرات وجلب للعملة الصعبة، يُسهم الإنتاج السينمائي عموماً في تحقيق أهداف أخرى غير مباشرة كعرض المعالم السياحية الثرية والمتنوعة في البلاد، وهو ما قد يشجّع ملايين السياح على زيارتها، لكن يمكن للمسلسلات التركية أيضاً أن تحقّق أهدافاً أبعد من ذلك بكثير على المديين المتوسط والبعيد، لعل أهمها تصحيح الصور النمطية التي رسّختها السينما الغربية وهوليود بشكل خاصّ عن المسلمين، تحديداً تركيا، كما تعكس الدراما التركية التطور والازدهار الذي وصلت إليه البلاد على مختلف الأصعدة، وهو ما سيُصحّح، لا محالة، الصوّر النمطية المترسخة لدى ملايين المشاهدين في العالم، ولا سيما في إسبانيا.

ولنضرب هنا مثالاً بسيطاً عن التأثير غير المباشر للسينما على عقول الجمهور: عند سماع كلمة تركيا في الحديث مثلاً عن انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، فإن أول ما سيتبادر إلى ذهن ملايين الإسبان والأوروبيين هو الصورة التي ترسخت في أذهانهم من مشاهدة المسلسلات التركية عن البلاد والمجتمع والثقافة وغيرها، وهي صورة حقيقة نقلها الأتراك بأنفسهم، أي إنها ليست مغلوطة كما قد تفعل السينما الغربية، وبالتالي، إذا عُرِض إجراء استفتاء شعبي أو سبر لآراء الشارع الأوروبي حول نظرته إلى تركيا، فمن دون شك ستكون المسلسلات هيأت الأرضية لتكوين تصورات إيجابية عن البلاد لدى المواطنين الأوروبيين.

TRT عربي