باستقالة حكومة الرئيس حسان دياب طويت صفحة حكومة أخرى في تاريخ لبنان، كان من المفترض أن توصل البلاد إلى التعافي، وإذا بكارثة بيروت تقلب الأوضاع، فما مستقبل لبنان بعد استقالة الحكومة؟ ومن المرشح الأوفر حظاً في ظل هذه المرحلة الحساسة؟

استقالة حكومة حسان دياب تفجر قنبلة سياسية في لبنان وتضع البلاد في دوامة الفر اغ
استقالة حكومة حسان دياب تفجر قنبلة سياسية في لبنان وتضع البلاد في دوامة الفر اغ (Reuters)

عاد لبنان ليصبح دون حكومة من جديد، ولتُسجل مرحلة جديدة وغامضة في تاريخ البلاد، بعد استقالة حكومة حسان دياب الأحد، على وقع تفجير مرفأ بيروت الذي حدث الثلاثاء الماضي، والذي راح ضحيته 163 قتيلاً وأكثر من 6 آلاف جريح، وعشرات المفقودين، بحسب أرقام رسمية غير نهائية.

ويزيد انفجار بيروت أوجاع بلد يعاني منذ أشهر أزمة اقتصادية قاسية واستقطاباً سياسياً حاداً، في مشهد تتداخل فيه أطراف إقليمية ودولية، فما إن رأت حكومة حسان دياب النور بعد ولادة عسيرة لها واعتذار عدة مسؤولين عن رئاستها، بعد رفض شعبي لهم إثر احتجاجات اللبنانيين في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019، حتى وقع الانفجار الأول في عنبر 12 من مرفأ بيروت، الذي يحوي نحو 2750 طناً من "نترات الأمونيوم" شديدة الانفجار، في حين فجرت حكومة دياب قنبلتها الثانية السياسية باستقالتها، لتترك البلاد في مصير مجهول.

"وتجذرت منظومة الفساد بكل مفاصل لبنان، وهي أكبر من الدولة"، على حد تعبير حسان دياب في أثناء إعلانه استقالة حكومته التي قررت "التراجع خطوة إلى الوراء لإفساح المجال أمام الإنقاذ الوطني، بعد فشلها بتفكيك منظومة الفساد التي تكبل الدولة والتي انفجر جزء منها في مرفأ بيروت".

وبينما سعى دياب من خلال الخطوة التي اتخذها إلى الاستجابة للغضب الشعبي إزاء الانفجار، فقد جرّت السياسة في لبنان إلى مزيد من الفوضى وقد تزيد الوضع سوءاً بالنسبة إلى المحادثات المتوقفة بالفعل مع صندوق النقد الدولي بخصوص خطة إنقاذ مالي، بسبب التقاعس عن تنفيذ الإصلاحات وبسبب خلاف بين الحكومة والبنوك والسياسيين بشأن حجم الخسائر المالية الجسيمة.

وبينما ستستمر حكومة دياب في تصريف الأعمال بناءً على طلب الرئيس ميشال عون، تستمر المظاهرات وسط بيروت وتتطور لمواجهات بين المحتجين وقوى الأمن التي ردت على إلقائهم الحجارة بإطلاق الغاز المسيل للدموع، فقد كان الانفجار القشة التي قصمت ظهر البعير في أزمة طويلة الأمد ناجمة عن الانهيار الاقتصادي والفساد والهدر وسوء الإدارة.

الاستقالة.. هروب من المحاكمة

ومع إعلان حكومة دياب استقالتها، اعتبرت "صحيفة الأنباء اللبنانية" الاستقالة "هروباً من سقوطها ‏المحتّم في محاكمةٍ كانت تنتظرها الخميس في المجلس النيابي، بعد أن رجمها الشارع ‏المنتفض".

وقالت الصحيفة: "إن الأنظار باتت متجهةً إلى تشكيل ‏حكومة حيادية تشرف على انتخابات نيابية مبكرة وفق قانون لا طائفي، وتحقيقٍ دولي في ‏جريمة المرفأ‎."‎

وتحدثت مصادر للصحيفة عن "ثلاثة عناوين رئيسية أدّت إلى استقالة الحكومة التي ولدت عرجاء، أولها تعثّر ‏رئيسها وفشله في انتهاج سياسة إنقاذية تنتشل البلاد من الأزمات الاقتصادية، والنقدية، ‏والمعيشية، ما ضاعف من حجم المخاطر التي يتعرّض لها اللبنانيون منذ بداية تشكيلها، ‏والثاني انفجار المرفأ، والثالث هو الضغط السياسي المحلي، كما الخارجي، والذي ازداد حجمه بشكلٍ ‏كبير في الأيام الماضية، وتحديداً مع لحظة وصول رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون إلى لبنان‎".

ولم تستبعد المصادر المراقِبة الذهاب إلى تقصير ولاية مجلس النواب، ‏والدعوة إلى انتخابات مبكّرة، بعد تشكيل حكومة حيادية تشرف على إعادة إنتاج سلطة ‏جديدة تساعد على انتشال لبنان من أزماته.

وأفادت الصحيفة أن الاتصالات السياسية ستتمحور في ‏الساعات المقبلة على شكل الحكومة المقبلة، ودورها الذي يجب أن لا يتعدى إطار الإصلاح ‏الفعلي لوقف الأزمة الاقتصادية، والعمل على انتخابات جديدة‎، و"ما إذا كانت القوى المعنية مستعدة ‏للسير في سلة واحدة تكفل حصول انتخاباتٍ مبكرة، وتحديداً في ظل خشية واضحة لدى ‏بعض فرقاء السلطة من خوض انتخابات حالية لاعتبارات تتعلق بوضعهم الشعبي".

في السياق ذاته، اعتبرت صحيفة الجمهورية إعلان دياب "عبوة تنفجر بالحكومة"، قائلة إن الاستقالة كانت "تجنباً للبهدلة، قبل أن تتمّ إقالتهم "ويتبهدلون" في جلسة المحاسبة‎"، واصفة السلطة بأنها "مشوّهة فاقدة أصلاً لعلّة وجودها".

رحلت الحكومة بعدما قدّمت أسوأ نموذج ‏في الحكم وإدارة الدولة مع شركائها في جريمة إفلاس البلد وانهياره، وإخضاعه لمحميّات المكاسب والمصالح ‏والصفقات والفساد، التي أشعلت فتيل زلزال المرفأ

صحيفة الجمهورية اللبنانية
حكومة دياب.. هل هُزمت أمام الفساد؟

وبينما قالت صحيفة الديار اللبنانية: إن "إسقاط الحكومة من الداخل كان كبش فداء يضع البلاد أمام المجهول، بعد إقرار دياب بالهزيمة أمام الفساد"، معتبرة أنه "تم التضحية بالحكومة التي حملت أكثر ممَّا ‏تحتمل"، وكان "دود الخل منها وفيها"، اعتبر الكاتب والباحث السياسي مكرم رباح في حديث لـTRT عربي، أن حسان دياب لا يعترف بالمسؤولية عن الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت من خلال تقديمه الاستقالة، بل يحاول القول إن محاولاته لإصلاح الدولة باءت بالفشل بسبب الصراعات السياسية.

ويضيف: "لم يعترف دياب بأنه كان دمية أو واجهة لهذه الطبقة الحاكمة التي يقف على رأسها كل من جبران باسيل وحزب الله".

ويضيف: "قبول دياب من الأساس بأن يكون غطاءً وشماعة لهذه الطبقة الحاكمة، هو ما جعل منه ضحية، لقد كان ضحية الذين قبل أن يكون غطاءً لهم، حلفاؤه هم الذين ضحوا به بعد أن استعملوه وقرروا إعدامه سياسياً".

ويرى الباحث السياسي أن دياب كان كبش فداء "لأنه قبل وضع نفسه في هذا المكان"، ويشير إلى أنه كان بإمكانه القول إنه مستقل وأن يجمع شمل اللبنانيين حوله، "لكنه كان يظهر بالخطابات بأسلوب إنشائي ويقول إنه أنجز الكثير من مشروعه وإنه يسمع للشعب، في الوقت الذي لم يسمع فيه للشعب منذ توليه، والآن يدفع ثمن ذلك".

الاستقالة.. فرحة للشعب

ويعتقد الباحث السياسي أن الشعب احتفل باستقالة الحكومة لأنه تخلص من شخص دياب نفسه، "أما ما يتعلق بالمواجهة فهي طويلة لأن الطبقة السياسية تتحضر لإعادة تشكيل نفسها عبر حكومة وحدة وطنية يتصدرها سعد الحريري الذي استقال تحت ضغط الشارع سابقاً".

ويشير إلى أن "الثورة الحقيقية والانفجار الذي وقع في بيروت، كل ذلك وقع كي يتم اقتلاع الطبقة الحاكمة والنظام السياسي".

ويلفت إلى أن مطلب الشعب واضح "فهو يريد أن يعرف حقيقة ما وقع في المرفأ أولاً، ويريد أن يحظى بحياة رغيدة ووضع اقتصادي قوي ثانياً".

ويضيف: أن "الشعب وصل إلى قناعة مفادها أنه لا يمكن الوصول إلى الاقتصاد القوي بدون الحكومة، وما يمنع ذلك هو سلاح حزب الله والفساد معاً، هذه الأمور مجتمعة تعزل لبنان دولياً وعربياً".

ضربة لحزب الله

ووصفت مصادر سياسية استقالة حكومة حسان دياب بأنها ضربة قوية لحزب الله وحليفه الرئيس عون اللذين ‏حاولا تجاوز التوازانات السياسية في البلاد، وإحكام قبضتهما وإلحاق لبنان قسراً بسياسة المحاور ‏والتحالفات، بحسب صحيفة اللواء اللبنانية التي كتبت "دياب يخرج من السراي مكرهاً".

‎اعتبرت الصحيفة "أن حزب الله يتحمل مسؤولية تأليف حكومة دياب أكثر من غيره من القوى المتحالفة معه، لأنه يعلم سلفاً ‏أنها لن تستطيع القيام بالمهام الجسيمة المطلوبة منها، ولا في مقاربة الحلول للأزمة المالية والاقتصادية التي ‏يواجهها لبنان، أولاً لافتقارها للحد الادنى من الخبرة التقنية والممارسة السياسية من جهة، وثانياً لاستمرار الحزب ‏في سياسة استعمال لبنان كساحة من ساحات الصراع الأمريكي الإيراني، الأمر الذي زاد من صعوبة مهمة ‏الحكومة للقيام بمهماتها وعدم قدرتها على مواجهة تداعيات هذه المواجهة، ما زاد في حدة الأزمة بدلاً من المباشرة ‏بوضع الحلول الممكنة لها".

وأشارت مصادر للصحيفة اللبنانية إلى أن الحكومة لم تستطع تقديم أي مؤشر إيجابي ناجح منذ تأليفها، وقد أظهرت فشلاً ذريعاً في ‏مقاربة أبسط الملفات والمواضيع والمشاكل بالملف المالي والاقتصادي والكهرباء والطاقة وغيرها، ‏فضلاً عن التدهور المريع في صرف ‏سعر الليرة اللبنانية، في حين كان حزب الله يدعم هذه الحكومة ويفرض وجودها خلافاً لإرادة معظم اللبنانيين، ما ‏أدى الى انحدار مريع للوضع الاقتصادي والمعيشي للبنانيين لم يسبق له مثيل من قبل.

من جانبها، عنونت صحيفة الشرق قائلة: "سقطت حكومة حزب الله".

وأضافت: "‎انتظر حسان دياب استقالة عدد كبير من الوزراء حتى اقتنع أخيراً أن لا حل ينقذ لبنان بوجود حكومته، وقد كابر ‏وعاند كثيراً، متجاهلاً ثورة الشعب ضد "العصابة الحاكمة"، ولكنه رضخ في نهاية المطاف، فاستقال‎".

تاريخ الحكومات المتعثرة

ويتطلب نظام الحكم أن يتشاور ميشال عون مع الكتل البرلمانية بشأن من ينبغي أن يكون رئيس الوزراء المقبل، وهو ملزم بتعيين المرشح الذي يحظى بأكبر قدر من الدعم بين أعضاء البرلمان.

وكان تشكيل حكومة في خضم انقسامات بين الفصائل أمراً شاقاً في السابق، والآن مع تنامي السخط الشعبي من النخبة الحاكمة بسبب الانفجار والأزمة المالية الطاحنة، فقد يكون من الصعب العثور على مرشح مستعد لأن يصبح رئيساً للوزراء.

وبعد استقالة رئيس الوزراء السابق سعد الحريري في أكتوبر/تشرين الأول 2019 وسط احتجاجات مناهضة للحكومة بسبب الفساد وسوء الإدارة، استغرق تشكيل حكومة دياب أكثر من شهرين، كما هو الحال في الحكومات اللبنانية السابقة.

وفي السنوات العشر الأخيرة تطلبت الحكومات في لبنان أشهراً للتشكيل، فحكومة تمام سلام التي كانت الرابعة في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان تطلبت 11 شهراً لتبصر النور في فبراير/شباط 2014، في حين أن التي سبقتها وترأسها نجيب ميقاتي تشكلت بعد خمسة أشهر من تكليفه برئاسة الحكومة.

ولم تكن حكومة سعد الحريري الذي تم تكليفه بتشكيل الحكومة في 24 مايو/أيار 2018 أقل تعقيداً من الحكومات السابقة، لكن الفساد بقي مستشرياً في أركان الدولة، ما دفعه إلى الاستقالة في بداية ثورة اللبنانيين العام الماضي.

البديل

وتأجج الحديث عن مرحلة ما بعد الاستقالة، وهوية بديل رئيس الحكومة، وإن ‏كان هذا البديل جاهزاً، وهذا يعني تشكيلاً سريعاً لحكومة جديدة، أو لم يكن جاهزاً، وهذا معناه السقوط في أزمة ‏البحث عن البديل، والفراغ الحكومي الذي قد يكون طويلاً في ظل غياب هذا البديل‎.

وفي هذا الصدد رأت صحيفة الجمهورية ‎‎‎أنه "مع استقالة دياب تنعدم إمكانية إعادة تسميته لتشكيل الحكومة الجديدة، وهذا بات محسوماً، حتى في أجواء ‏الحاضنة السياسيّة لحكومته، إلّا أنّ نادي المرشحين لتشكيل الحكومة الجديدة يبدو خاوياً حتى الآن".

وتساءلت الصحيفة: ‎"ماذا بعد الاستقالة؟"،‎ مشيرة إلى أنه من "‎البديهي بعد تقديم رئيس الحكومة استقالته، وقبولها من قبل رئيس الجمهورية، أن يطلب رئيس الجمهورية من ‏رئيس الحكومة تصريف الأعمال، إلى حين تشكيل الحكومة الجديدة، وبالتالي يدعو إلى الاستشارات النيابية ‏الملزمة لتسمية رئيس الحكومة الجديد، إلا أنّ عدم توفّر اسم الشخصية البديلة حتى الآن، قد يفرض على رئيس ‏الجمهورية تأجيل دعوته إلى الاستشارات الملزمة إلى الأسبوع المقبل، أو ربما إلى الأسبوع الذي يليه، ريثما يتم ‏التوافق المُسبق على اسم هذه الشخصية‎".

وبحسب مصادر الصحيفة، فإنّ اسم الرئيس سعد الحريري هو الأكثر ترجيحاً، إلا أنّ الأمر غير محسوم ‏بصورة نهائية، حيث أكدت مصادر موثوقة أنّ هذا الأمر يحتاج إلى مشاورات جدية، خصوصاً أنّ للرئيس ‏الحريري شروطاً معيّنة سبق له أن أعلنها قبل تشكيل الحكومة الحالية.

وسيتبيّن كل ذلك مع حركة الاتصالات المكثفة التي ستحصل ‏بوتيرة سريعة، بحسب مصادر حاضنة الحكومة المستقيلة، خصوصاً أنّ وضع البلد لا يحتمل أيّ تأخير في تشكيل الحكومة الجديدة، فلبنان كله على الأرض.

وتقول مصادر سياسية إنه بعد استقالة دياب لن يتم الوقوع في الخطأ نفسه، الذي حصل قبل تكليف حسان ‏دياب، لا سيما بعد فشل تجربة حكومة التكنوقراط التي كانت عبئاً على البلد وعبئاً على نفسها أيضاً، بل إنّ ‏الاولوية هي لحكومة تتمتع بالمواصفات التالية: "حكومة لا حيادية ولا تكنوقراط‎، حكومة وحدة وطنية جامعة سياسية مطعّمة باختصاصيين، تتمثّل فيها كل الأطراف السياسية، والأفضلية ‏تبقى لحكومة أقطاب، وحكومة لها مجموعة وظائف‎".

المصدر: TRT عربي