يُجري المسؤولون في لبنان مشاورات سياسية مستمرة للخروج من الأزمة الحالية، في الوقت الذي يستمر فيه الشعب اللبناني في الاعتصام بالشوارع مصرّاً على تحقيق مطالبه، ورافضاً التعديلات الطفيفة التي لن تنهي الفساد.

يأتي استمرار الاحتجاجات بسبب إصرار الشارع اللبناني على رحيل الطبقة الحاكمة
يأتي استمرار الاحتجاجات بسبب إصرار الشارع اللبناني على رحيل الطبقة الحاكمة (AP)

يستمر الحراك المطالب بإسقاط النظام وإنهاء الفساد في لبنان، ويتطور ليصل اعتصام المحتجين إلى المؤسسات الحكومية، متسببين بإغلاقها، في الوقت الذي يجري رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري والرئيس ميشال عون المشاورات وسط دعوات لإيجاد حل جذري للأزمة.

وبعد عقد لقاء بين رئيس الجمهورية اللبناني ميشال عون وسعد الحريري، اكتفى الأخير بالقول: "زرت فخامة الرئيس للتشاور في موضوع الحكومة، وسنكمل المشاورات مع باقي الأفرقاء"، بينما أكّدت أنه لن يقبل بحكومة تكون استنساخاً للسابقة.

ونقلت صحيفة الشرق الأوسط اللندنية عن مصادر مقربة من الحريري أنه"منفتح على كل الخيارات، وينطلق في مشاوراته من قاعدة أساسية تقول:إن ما بعد الاحتجاجات لا يمكن أن يكون كما قبلها، وإنه في حال كُلِّف بتشكيل الحكومة الجديدة، فسيفعل ذلك لكن وفق ضوابطه ورؤيته".

وكشفت الصحيفة أن الحريري أبلغ من يعنيهم الأمر أن بإمكانهم التوافق على اسم رئيس جديد للحكومة، لا يسميه هو في حال لم يُتجاوب مع رؤيته، إلا أن رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، يصر على ترشيح سعد الحريري لرئاسة الوزراء.

ويأتي استمرار الاحتجاجات بسبب إصرار الشارع اللبناني على رحيل الطبقة الحاكمة، وتسريع عملية تشكيل حكومة تكنوقراط مصغرة وانتخابات نيابية مبكرة ومحاسبة جميع الفاسدين في السلطة، فضلاً عن رفع السرية عن حسابات السياسيين المصرفية.

وبرر رئيس الجمهورية اللبناني ميشال عون التأخر في الاستشارات النيابية التي على أساسها يجري تكليف رئيس وزراء جديد، برغبته في استكمال ما وصفها بـ"الاتصالات الضرورية"، إذ لم يحدد بعد موعداً لبدء الاستشارات.

حل الأزمة الراهنة في لبنان يتطلب وجود حكومة من المستقلين ومن غير الحزبيين

رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع

أما حزب الله فقد حذر من ما سمّاهم سُرّاق الحراك الشعبي، وقال نائب الأمين العام للحزب نعيم قاسم:إن هؤلاء السرّاق من جماعة السفارة الأمريكية وبعض جماعة الأحزاب الطائفية الذين يريدون أخذ الحراك إلى مكان آخر.

وانتقد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط المشاورات السياسية التي تحدث، قائلاً: "في خضم انتهاك الدستور وفي أوج المخاطر الاقتصادية الاجتماعية وذروة الحراك، يتشاور السياسيون في كيفية تحسين التسوية السابقة التي خربت البلادوتجميلها".

اتساع الاحتجاجات

تطورت التظاهرات في لبنان باتجاه التوسع، وكان نزول طلاب المدارس والجامعات حدثاً مهماً ويشكل مؤشراً على اتساع حركة الاحتجاجات التي بدأها اللبنانيون في7أكتوبر/تشرين الأول الماضي والمستمرة حتى الآن، حسب مراسلTRT عربي وائل الحجار.

ولفت الحجار إلى وجود مشاركة نسائية لافتة، فدائماً ما كانت النساء تتقدم الصفوف في المظاهرات.

وأكد الحجار تصميم المتظاهرين حتى تحقيق مطالبهم، فعلى الرغم من قيام الأمن اللبناني باستخدام الشدة مع المتظاهرين وفتح الطرقات فإن المتظاهرين قطعوا الطرقات مجدداً، وحاصروا بعض المرافق العامة ومنازل السياسيين الذين يتهمونهم بالفساد.

وفي الجانب الاقتصادي، يقول مراسلTRT عربي: إنه من خلال رصد تصريحات المسؤولين الاقتصاديين في صفوف المعارضة، توجد صعوبة واضحة في الوضع، فقد صرح المدير الإقليمي للبنك الدولي أن ثلث اللبنانيين في عام2019أصبحوا فقراء مقارنة مع27% في السنوات الماضية، محذراً من أن نصف اللبنانيين سيصبحون فقراء في حال استمر هذا الوضع.

وأضاف: "أشار رياض سلامة حاكم المصرف المركزي إلى أن الوضع السيئ في لبنان والاحتجاجات تنذر بالأسوأ، في المقابل يحمّل المتظاهرين مسؤولية الوصول إلى هذا الوضع الاقتصادي المتردي".

واعتصم محتجون أمام أحد مداخل مرفأ بيروت وأغلقوه، ونددوا بما وصفوه بالفساد والهدر الذي يشهده المرفأ، وطالبوا بوقف التهرب الضريبي في كل المعابر البرية والبحرية،كما تجمعوا أمام مركز مؤسسة الضمان الاجتماعي في منطقة جونيه بمحافظة جبل لبنان، وتجمع آخرون أمام مبنى هيئة إدارة السير والسيارات في الضاحية الشرقية لبيروت.

وكذلك اعتصم عدد من طلاب المدارس في مناطق متفرقة للتنديد بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وذلك بعدما شهدت بيروت ومدن أخرى كثيرة أمس مظاهرات لطلاب الجامعات والمدارس.

وقال عضو كتلة التنمية والتحرير النائب الدكتور قاسم هاشم:إن"الحراك الشعبي كشف القناع عن بعض من الوجوه التي حاولت الاختباء وراء بعض الشعارات والعناوين لفترات طويلة وتأتي الأزمة اليوم لتضع الأمور في نصابها ولكن الحقيقة تبقى ساطعة مهما حاول البعض إخفاءها".

وأضاف في تغريدة له على تويتر: "الوضع الاقتصادي والاجتماعي الضاغط يتطلب وجود حكومة فاعلة قادرة على مقاربة الأزمة الراهنة بروحية وطنية لوضع الخطوات الإنقاذية لذلك فالمطلوب هو الإسراع بتأليف حكومة جامعة تحاكى التطورات المستجدة لتتحمل مسؤوليتها الوطنية بعيداً عن الحسابات والمكاسب السياسية الضيقة".

من جانب آخر، قالتمصادر دبلوماسية إن نصائح أوروبية قدّمت للأمريكيين لعدم الذهاب بالضغوط المالية والسياسية في لبنان إلى الأبعد خشية أن تذهب الأمور إلى خيارات دراماتيكية تنتهي بوحدة اقتصادية ونفطية وتجارية بين لبنان وسوريا والعراق وإيران برعاية روسية صينية، بما يعني تحوّلاً استراتيجياً في آسيا لغير مصلحة الغرب، حسب جريدة البناء اللبنانية.

المصدر: TRT عربي - وكالات