شكّل التصعيد الإيراني الأخير في الذكرى الأولى لانسحاب ترمب من الاتفاق النووي مرحلة جديدة من الصراع الإيراني الأمريكي. فتح ذلك مجموعة من الإشكاليات حول مستقبل الصراع بين البلدين والسيناريوهات العديدة.

بارجة بحرية أمريكية في المنطقة المجاورة لمضيق هرمز
بارجة بحرية أمريكية في المنطقة المجاورة لمضيق هرمز (AFP)

عندما انتقل مستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتون إلى مكتبه المحاذي لمكتب الرئيس دونالد ترمب، كانت أول معلقاته في مقره الجديد، نسخة مؤطرة من الأمر التنفيذي الذي يبطل الاتفاق النووي مع إيران، الذي مضاه ترمب يوم 8 مايو/أيار من العام الماضي،والذي طالما كان المادة الدسمة التي ينتقدها بولتن في حقبة الرئيس السابق باراك أوباما.

بعد سنة تقريباً من هذا الإعلان الذي وُصف بالتاريخي، خرج بولتن بلهجة تهديد ووعيد لإيران عقب معلومات تلقّاها بانسحاب الأخيرة من الاتفاق بدورها، أعلن فيه نقل بوارج بحرية وحاملات طائرات لمنطقة الشرق الأوسط تحسّباً لأي خطر متوقع.

المعطيات التي نقلتها وول ستريت جورنال، كان مصدرها اجتماع دار في البيت الأبيض بين وفد إسرائيلي برئاسة رئيس المجلس الأمن القومي الإسرائيلي مئير بن شبات وفريق أمريكي بقيادة بولتون، تحدث عن مؤامرة إيرانية مزعومة لمهاجمة المصالح الأمريكية في الخليج.

الأربعاء 8 من مايو/أيار2019، لم يخيّب الإيرانيون ظن أعدائهم، بعد إعلانهم الانسحاب من بعض بنود الاتفاق النووي التي لا تزال تلتزم به مع الدول الأوروبية، وهو ما يعني مباشرة عودة الحياة إلى النشاطات النووية، مع إمهال 60 يوماً للدول الموقعة على الاتفاق النووي بالالتزام بجانبها من الاتفاق وخصوصاً فيما يتعلق بالقطاعين النفطي والمصرفي.

مرحلة جديدة

بموجب الاتفاق النووي، الذي استغرق سنوات عدة للتفاوض، وافقت إيران على الحد من أنشطتها النووية مقابل الفوائد الاقتصادية بعد رفع العقوبات عنها، ولكن مع اشتداد الخناق الأمريكي عليها لم يعد الأمر محتملاً، وهو الذي دعا الرئيس الإيراني حسن روحاني إعلان أن بلاده ستتوقف خلال الشهرين المقبلين عن نقل كميات كبيرة من المواد المنتجة لليورانيوم إلى أوروبا.

روحاني خرج مهدداً هذه المرة أصدقائه الأوروبيين، مطالباً إياهم إيجاد آلية لإيران لبيع النفط والتعامل مع المعاملات المالية خلال الشهرين المقبلين، وإلا فستلجأ إيران إلى الخطوة التالية، حيث لا تلتزم بالقيود المفروضة على تخصيب اليورانيوم بنسبة 3.67%.

لم يكن صدى هذه القرارات في أوروبا هادئاً كما كان متوقعاً، بل شنت الدول الأوروبية هجوماً حاداً على طهران عادّة هذا الانسحاب الجزئي غير مرحب به لديها، مهددة بسلسلة من العقوبات إذا لم تتراجع إيران عنها.

لكن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف كان له رأي آخر، عندما أكد أن بلاده "ترى أن الأنسب لمصالحها عدم الإيفاء ببعض التعهدات التي تقوم بها طواعية بموجب الاتفاق النووي"، وذلك كرد على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق.

ولفت ظريف إلى عدم اتخاذ أطراف الاتفاق النووي أيّ خطوات من شأنها حماية المصالح الإيرانية، على الرغم من مرور عام على الانسحاب الأمريكي.

وشدد وزير الخارجية الإيراني على أن الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي لم يكونا بالقوة التي تمكنهما من التصدي للضغوط الأمريكية، عادّاً أنه "لهذا السبب، فإن إيران ترى أن الأنسب لمصالحها هو عدم الإيفاء ببعض التعهدات التي تقوم بها بشكل طوعي بموجب الاتفاق". وبيّن ظريف أن المادتين 26 و36 من الاتفاق النووي تعطيان طهران هذا الحق، مضيفاً "نحن نتحرك في إطار الاتفاق النووي وليس خارجه".

دبلوماسية الزوارق

"لا يزال من غير الواضح لنا ما الذي يحاول الإيرانيون القيام به وكيف يخططون للقيام بذلك، لكن من الواضح لنا أن درجة الحرارة الإيرانية في ارتفاع نتيجة لتزايد حملة الضغط الأمريكية ضدهم، وإنهم يفكرون في الانتقام من المصالح الأمريكية في الخليج".

كانت هذه الكلمات الأولى التي نطق بها بولتن أثناء إعلانه ما وصفته صحيفة بوليتيكو بأنه دبلوماسية الزوارق، والتي تم بموجبها إرسال بوارج بحرية أمريكية إلى الشرق الأوسط لغرض الحماية، تباينت الآراء حول سياسة إدارة ترمب القادمة تجاه إيران، بخاصة حول ثنائية الحرب والسلم.

مجلة فورين بوليسي، فصّلت هذا الأخذ والرد بين إيران إلى خيارات عديدة ممكنة في ظل التصعيد بين الطرفين، أولها أن يكون هذا "العرض مجرد مسرح كابوكي وهو أحد أنواع المسارح اليابانية التقليدية".

فالصحيفة رأت أنه من المحتمل أن تكون الدراما الأوسع حول إيران هي في معظمها مواقف تهدف إلى إبقاء السعوديين والإسرائيليين ودول الخليج والمانحين الجمهوريين الأثرياء مثل شيلدون وأدلسون سعداء.

فترمب وبومبو وبولتون قد يكونون في أعماقهم مدركين أن النظام في إيران لن يسقط وأنه لن يعيد التفاوض بشأن صفقة أفضل لكن بعد انتقاد طريقة تعامل الرئيس السابق باراك أوباما مع إيران، وتحت ضغط من الحلفاء واللوبيات المحلية على حد سواء، كان من المحتم أن يعود ترمب وبومبيو وبولتون إلى الضغط القسري، على الرغم من أن هذا النهج لم ينجح أبداً في الماضي على الأقل، ولكن الصحيفة ترى أن هذه خطوة لن تحقق فوائد أكبر على المستوى الدبلوماسي، لهذا السبب استبعدت أن يكون هذا الخيار هو الواقع.

الرضوخ أو السقوط

الخيار الثاني، حسب الصحيفة، هو الضغط على إيران للتوقيع على صفقة جديدة، ووفقاً لهذا الرأي، فإن الهدف من "الضغط الأقصى" هو إجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات وإقناع الرئيس حسن روحاني والزعيم الأعلى علي خامنئي بقبول المطالب الـ12 التي وضعها بومبيو قبل عام.

في هذا السيناريو، ستنهي إيران دعمها لحزب الله وبشار الأسد والحوثيين في اليمن؛ وتوقف محاولة التأثير على السياسة في العراق، وقبول قيود أكثر صرامة على قدراتها النووية.

المشكلة في هذه الرؤية الجميلة، حسب الصحيفة ذاتها، هي أنها لن تنجح، فمن غير المرجح أن تقنعها عقوبات أشد على إيران بقبول جميع مطالب أمريكا، بخاصةً عندما لا تتمتع الولايات المتحدة بالدعم المتعدد الأطراف الذي تتمتع به أثناء التفاوض على خطة العمل المشتركة. حتى الدول الأضعف لا تحب الاستسلام للابتزاز، لأن القيام بذلك يدعو فقط لمطالب جديدة.

هناك مشكلة أخرى في هذا السيناريو الوردي؛ لماذا توافق إيران على أي نوع من التعامل مع الرئيس نفسه الذي مزق الاتفاق النووي والذي طالما قدم الوعود للعديد من الشركاء التجاريين وتفاخر بالكذب عليهم، وهو ما يعني أن تصاب إدارة ترمب بخيبة أمل من هذا الخيار.

الخيار الأخير يبدو الأشد تعقيداً، وهو تغيير النظام، بدلاً من صفقة جديدة وأفضل، ربما يكون ترمب وبومبو وبولتون مهتمين حقاً بالإطاحة بالنظام الإيراني، وقد يكونون قد أقنعوا أنفسهم بأن إلحاق كميات متزايدة من الألم بالشعب الإيراني سيؤدي بهم في النهاية إلى الانتفاضة و إسقاط "نظام الملالي".

لقد كرر كل من بولتون وبومبيو ذلك في العديد من المناسبات، كذلك فإن ارتباط بولتون مع جماعة مجاهدي خلق يتفق مع هذا الهدف أيضاً.

لكن الصحيفة ترى أن ذلك ليس ضرورياً حصوله، إذ فرضت الولايات المتحدة حظراً على كوبا منذ عقود، لكن نظام فيدل كاسترو لا يزال قائماً على الرغم من وفاته في عام 2016. أما في ليبيا فقد أقنعت العقوبات معمر القذافي بالتخلي عن برامج أسلحة الدمار الشامل الليبية، لكن ذلك لم يكفِ؛ فقد تطلب الأمر تدخلاً عسكرياً خارجياً لإسقاطه من السلطة.

علاوة على ذلك، فإن تغيير النظام ليس بالكاد إجابة موثوقة على الخلافات الأمريكية مع إيران، فالصحيفة ترى أنه ليس هناك ما يضمن حصول الموالين لأمريكا على السلطة في حالة انهيار النظام الإيراني بسبب ندرة الأصوات المؤيدة لأمريكا في إيران إذ تسببت واشنطن في المزيد والمزيد من المعاناة هناك.

المصدر: TRT عربي