منذ ظهوره على الساحة لعب خليفة حفتر على أسطورة الجيش الليبي الوطني، والتي مكنته من السيطرة على الشرق. لكن تركيبة هذا الجيش الإيديولوجية والعسكرية اتسمت بالتناقضات في مكوناته من التيار السلفي المدخلي إلى الميليشيات الإفريقية المتحالفة معه.

يعد التيار السلفي المدخلي والميليشيات الإفريقية أهم مكونات القوات التابعة لخليفة حفتر
يعد التيار السلفي المدخلي والميليشيات الإفريقية أهم مكونات القوات التابعة لخليفة حفتر (Reuters)

منذ إعلانه العملية العسكرية ضد ما أسماها "الميليشيات الإرهابية التي تختطف العاصمة" في الرابع من إبريل/نيسان الجاري، سارعت وسائل إعلام عديدة وحكومات دول بإطلاق شعار "استعادة الجيش الوطني الليبي" للعاصمة طرابلس.

"الجيش الوطني" الكلمة المفتاح في الصراع الليبي حالياً، تبدو وكأنها خالية من كل الشرعيات في هذا السياق، حيث إن الاعتراف الدولي يعطي حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج الشرعية الدولية، واتفاق الصخيرات لا يعطي الحق لحفتر بإنشاء جيش موازٍ للدولة.

لكن بالذهاب أبعد من ذلك، ومع تمعن في كلمة "الجيش الوطني" والتي تحمل في طياتها معاني الوطنية والمدنية والانتماء لليبيا فقط، تظهر تساؤلات عدة عن ماهية هذا الجيش، إن صحت التسمية، ومكوناته الرئيسية.

السلفية وحفتر.. تحالف الضد

اعتمد اللواء المتقاعد خليفة حفتر على عدة عناصر وعوامل استخدمها في حراكه العسكري في شرق البلاد، كان من أبرزها استثمار العامل القبلي المترابط، والمؤثر في الجزء الذي يسيطر على أغلبه، غير أن بعض القبائل قد عادته، وحاول بعضها دعم ضباط ومسلحين لتنفيذ انقلاب عليه في بنغازي، قبل أن يتمكن حفتر من إفشاله.

وحسب موقع ميدل إيست أي، فإن حفتر يبدو أنه تفطّن مسبقاً لإمكانية انقلاب القبائل عليه، فعوّل على عنصر آخر بدت مظاهره بالانتشار، متمثلاً في التيار المدخلي السلفي المدعوم من حلفائه في المملكة العربية السعودية، التي تؤوي الشيخ ربيع المدخلي أكبر شيوخ هذا التيار، والذي سبق وأن أفتى لأتباعه بضرورة القتال في صفوف قوات حفتر باعتباره "قائد قوات مجلس النواب الشرعي" في البلاد، على حد وصف المدخلي.

وأفاد التقرير الذي نشره الموقع، أن حفتر أتاح سريعاً المجال لأتباع هذا التيار ومكّنهم من السيطرة على المنابر والمساجد، وكوّن لهم هيئة للفتوى، بعد أن شرّع وجودهم المسلح ضمن كتيبة اشتهرت باسم "كتيبة التوحيد" في بنغازي.

ورغم مضي سنوات على ظهور هذا التيار في شرق البلاد، وتمكنه من حمل السلاح، إلا أن قادته وكتائبه لم يظهروا إلى العلن، لكنهم يبدون القوة الأكبر تأثيراً في مجريات الأحداث، خاصة مع تزايد تعويل حفتر عليهم. ويُعتبر التيار المدخلي من أبرز التيارات الدينية في البلاد وأكثرها انتشاراً، ويبدو أن حفتر عوّل على هذا التيار لاستخدامه من أجل مد نفوذه إلى مناطق أخرى في غرب البلاد كالعاصمة طرابلس.

وحسب معهد الشرق الأدنى للدراسات، فإن الملازم عبد الرؤوف كاره، قائد قوة الردع الخاصة التي تسيطر على أجزاء من طرابلس، لا يُخفي انتماءه للتيار المدخلي ولا مقاتليه، كما أن قائد ميليشيات منطقة بوسليم في طرابلس، غنيوة الكللي، التي تسيطر على أجزاء واسعة أيضا في الغرب، من أتباع هذا التيار أيضاً، ولديه خلافات عميقة مع الزنتان، المدينة القوية غرب البلاد، والتي تعارض حفتر.

وربما هذا الذي يفسر تحرك حفتر نحو الغرب بهذه الثقة التي فاجأت الجميع، معولاً على امتداد هذا التيار، والذي يتقلد رموزه أهم المناصب داخل قواته.

ومن أبرز هذه الرموز الشيخ قجّة الفاخري، والذي يعتبر مفتي قوات حفتر، ومحمود الورفلي الضابط والقيادي في القوات الخاصة والمطلوب دولياً من قبل محكمة الجنايات الدولية، بعد تورطه في جرائم حرب وقتل وتصفيات لم يُخفها، إذ كان يقوم بتصويرها ونشرها على صفحات التواصل الاجتماعي، والملازم أحمد عبد الرزاق غرور الحاسي، آمر فرقة القبض الخاصة، المشكّلة من قبل قيادة حفتر.

القبائل والمرتزقة.. واجهة المعارك

يزخر الجنوب الليبي بمجموعات أفريقية مسلحة تنتمي لقبائل عديدة شاركت في الاقتتال الداخلي الذي تشهده المنطقة منذ سنوات، من أبرزها مجموعات تشادية، وأخرى من النيجر والسودان.

وكان تقرير الخبراء تابعين للأمم المتحدة في يناير/كانون الثاني 2018، تحدث عن وجود مجموعات مرتزقة تعمل في تهريب السلاح والوقود والهجرة، وتقاتل مع اللواء المتقاعد خليفة حفتر، في محاولة سيطرته على قبائل التبو، الذين يعرفون بأمراء الصحراء.

وحسب التقرير فإن المجموعات التشادية تتمثل في الحركة من أجل الديمقراطية والعدالة والتي تعرف باسم "MDJT"، والتي تأسست في جبال التبو، وتتكون من قوميي التبو، انتقلت غالبية كوادرها للعمل في جنوب ليبيا كناشطين من التبو، وكانت الحكومة التشادية قد طالبت نظيرتها الليبية بتسليم عناصر الحركة في فترة التسعينيات.

كما تعتبر جبهة الوفاق من أجل التغيير في تشاد، من أهم المجموعات المتحالفة مع حفتر والتي تتواجد في بلدة أم الأرانب والجبال السوداء في الجفرة وسط ليبيا، يقودهم الدكتور المهدي علي محمد، من الكريدة أحد فروع شعب الدازقرا، والجنرال محمد نوري، وهو من كاد يستولي على العاصمة التشادية أنجامينا عام 2008.

فيما يضم المجلس العسكري لإنقاذ الجمهورية التشادية والذي يعرف باسم "CCMSR "، أكثر من 4 ألاف مقاتل، حسب ادعاء المجلس، ولديه نشاط مكثف في الجنوب الليبي، حيث يدرب عناصر تابعة له، ويشهد انضمام العديد من الضباط وكبار العسكر التشاديين الذين ينشقون حديثاً عن نظام الرئيس إدريس دبي خصوصاً من قومية الدازقرا.

ويتواجد في القوات التي تقاتل مع حفتر كذلك، تجمع القوى من أجل التغيير في تشاد المعروف بـ"RFC"، وهو من الحركات المسيطرة على الجنوب الليبي، ويغلب عليها الانتماء القبلي من خارج قومية الدازقرا، وتحديداً القوميات المنتشرة في شرق تشاد مثل الزغاوة.

وشاركت هذه المجموعة كمرتزقة في الهجوم على منطقة قصر بن غشير جنوب طرابلس عام 2017، وتلقت هذه الحركة ضربة موجعة إثر الاقتتال الداخلي في مدينة سبها في ديسمبر/كانون الأول 2017، ونتج عن ذلك مقتل عشرة من قادة الحركة. وهذه الحركة على صلة وثيقة بحركة العدل والمساواة الدارفورية، بحكم العلاقات القبلية، حسب تقرير الأمم المتحدة.

إضافة إلى المجموعات التشادية، وحسب ذات التقرير، فإن حركة العدل والمساواة السودانية المتمردة تعتبر أهم حلفاء حفتر، وتنتمي الحركة إلى قومية الزغاوة التي انتقلت إلى ليبيا عام 2011، ومنذ ذلك الحين شاركت كمرتزقة في العديد من الحروب الليبية. كما تتمركز الحركة في منطقة الجفرة وسط ليبيا.

وكانت مجموعة من خمسة خبراء قدمت تقارير إلى مجلس الأمن الدولي، منتصف يناير/كانون الثاني 2018، كشفت فيها أن مجموعات مسلحة من دارفور تعمل "مرتزقة"، وتقاتل إلى جانب قوات حفتر، حيث يتلقى المقاتل من هذه المجموعات أجراً شهرياً يتراوح بين 250 و500 دولار أمريكي إضافة إلى الأسلحة والذخيرة، وفق تقرير الخبراء.

وبالإضافة لذلك، تعتبر القوات الثورية من أجل الصحراء والمعرفة باسم "FARS"، المكونة من قومية التبو والتي تنتمي إلى النيجر، مكوناً رئيساً في المعارك التي خاضها حفتر، وانتقلت عام 2011 إلى جنوب ليبيا، وأبرز زعمائها بركة وردكو المهدي، الذي استعان به العقيد الليبي معمر القذافي في بداية ثورة فبراير/شباط 2011.

المصدر: TRT عربي