محمود أحمد عبده شاب سوداني يروي لوكالة الأناضول بعد نجاته من محاولات تجنيده إجبارياً للقتال في ليبيا، كيف تقوم الإمارات بخداع الشباب السوداني الباحث عن فرص عمل في الخارج، بتحويل عقد عمل في شركة أمنية إلى معسكرات تدريب عسكرية.

جانب من تظاهرات أسر ضحايا الارتزاق أمام وزارة الخارجية بالخرطوم
جانب من تظاهرات أسر ضحايا الارتزاق أمام وزارة الخارجية بالخرطوم (AFP)

ما بين غمضة عين وانتباهتها، وجد عشرات الشباب السودانيين، الحالمون بلقمة عيش لهم ولأسرهم، أنفسهم في معسكرات للجيش الإماراتي يتدربون على أسلحة مختلفة، تمهيداً للزجّ بهم في أتون الحرب في ليبيا، والقتال إلى جانب مليشيات خليفة حفتر.

يقول الشاب محمود أحمد عبده، أحد الناجين من "الارتزاق" في ليبيا إن نحو 400 شاب سوداني، تعاقدوا في 3 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي مع وكالة "أماندا" للسفر والسياحة في العاصمة الخرطوم، لإرسالهم للعمل في شركة أمن في الإمارات.

وأضاف محمود، في حديث لوكالة الأناضول عبر الهاتف، عقب عودته من الإمارات بعد رفضه السفر إلى ليبيا، أن وكالة السفريات حصلت من كل شاب على 15 ألف جنيه سوداني (نحو 335 دولاراً) كرسوم إجراءات، لكن اتضح لاحقاً بعد وصولهم إلى أبو ظبي، أن الإجراءات مجانية.

وأردف أن المجموعة غادرت إلى الإمارات على دفعات عبر مطار الخرطوم، وهناك جرى ترحيل الشباب على الفور إلى معسكر "غياثي" التابع للقوات المسلحة الإماراتية جنوبي العاصمة أبو ظبي، وكان في استقبالهم ضابط سوداني برتبة رائد، يُدعى الرشيد التيجاني دفع الله.

تدريب مفاجئ

يوضح محمود أن هناك بصورة مفاجئة تم توزيع الشباب على 12 دفعة، غير أنهم بدأوا في السؤال عن سبب وجودهم في معسكر تدريبي يتبع الجيش الإماراتي، رغم تعاقدهم مع شركة "بلاك شيلد" للخدمات الأمنية، لكن الضابط السوداني أبلغهم بأن التدريب سيكون لفترة مؤقتة.

وأشار إلى أن ضابطاً إماراتياً برتبة نقيب يُدعى الظاهر، أخبرهم أن التدريب سيستمر لمدة 10 أسابيع فقط، وعند سؤاله عن أسباب التدريب، برر الأمر بأنه برنامج تدريبي خاص بالشركة الأمنية.

ولفت الشاب السوداني إلى أن عملية التدريب تختلف تماماً عن أنواع التدريبات المتعلقة بالشركات الأمنية التي تعمل في حراسة المنشآت الحيوية.

وكشف عبده عن إخضاعهم لتدريب على الأسلحة، من طراز "كلاشنكوف، وآر بي جي، والهاون" إلى جانب قنابل مختلفة.

وأوضح أن عملية التدريب انتهت بإطلاق النار في ميادين الرماية، لكن مدربين آخرين يحملون الجنسيات التونسية والأردنية والإماراتية، أصروا على ضرورة زيادة الفترة التدريبية إلى أسبوعين آخرين، بحجة أن التدريب لـ10 أسابيع ليس كافياً.

خديعة وإجبار.. هكذا حوّلت الإمارات عمالاً سودانيين لمرتزقة في ليبيا واليمن

"ليس من حقكم السؤال"!

يوضح محمود أنه بعد انتهاء فترة التدريب التقى الشباب بنائب مدير الشركة الأمنية (بلاك شيلد)، و"اتضح لنا أنه ضابط برتبة لواء تابع للجيش الإمارا تي، وبدأ يتحدث عن بسالة السودانيين وحماسهم".

وأضاف أن اللواء الإماراتي أبلغ الشباب بأن الشركة تحتاج إليهم في مهمة خارجية، وعند سؤاله عن طبيعة المهمة الخارجية، قال لهم بلغة حاسمة: "ليس من حقكم السؤال".

غير أن الشباب سألوه مرة أخرى: هل المهمة الخارجية في اليمن؟ فأجاب: "لا"، فكرروا السؤال، هل المهمة الخارجية في ليبيا؟ لكنه تهرب من الجواب، بحسب عبده.

وأضاف أن 112 شاباً على الأقل من المجموعة رفضوا بشكل قاطع الذهاب في المهمة الخارجية مهما كانت، لكن آخرين وافقوا على الذهاب، واستكشاف المسألة على أرض الواقع.

ولفت عبده إلى أن الشباب الذين غادروا في المهمة الخارجية سألوا قائد الطائرة عن الوجهة، فأخبرهم بأنهم في طريقهم إلى جنوب إفريقيا، لكن اتضح لهم لاحقاً أنهم في لييبا، وتحديداً في مدينة "راس لانوف" في معسكرات خليفة حفتر.

وأشار الشاب السوداني أن المجموعة التي ذهبت إلى ليبيا، قررت العودة بالتزامن مع انتشار أخبار المؤامرة الإماراتية في وسائل الإعلام، وهو ما تتولى تنفيذه السلطات السودانية حالياً.

والثلاثاء، تظاهر مئات السودانيين، أمام مقر وزارة الخارجية في العاصمة الخرطوم، احتجاجاً على إرسال أبنائهم للقتال في ليبيا، بدلاً من العمل في خدمات أمنية، حسب عقود مبرمة معهم من قبل شركة إماراتية.

ولاحقاً، كشف المتحدث باسم الحكومة فيصل محمد صالح، عقب اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة عبد الله حمدوك، عن تكوين غرفة عمليات ضمّت ممثلين للجهات ذات الصلة بهذه القضية.

وقال صالح إن المتعاقدين (دون تحديد عددهم) مع شركة "بلاك شيلد" الإماراتية، تم تخييرهم بين عقد عمل كحراس أمن في الداخل وآخر للعمل في مناطق بترولية خارج الإمارات.

يشار أن نشطاء بمواقع التواصل الاجتماعي، نشروا مؤخراً صوراً لسودانيين وهم يستعدون لمغادرة مدينة "راس لانوف" في ليبيا، على متن طائرة تحمل 275 سودانياً في طريق عودتهم إلى العاصمة الخرطوم، بعد زيادة حدّة الاحتجاجات على إرسالهم.

و"رأس لانوف" مدينة سكنية صناعية شمالي ليبيا، تعد مقراً لمصفاة "راس لانوف" النفطية، وتضم ميناء ومطاراً نفطيين، وتخضع لسيطرة مليشيات خليفة حفتر.

ومؤخراً، قالت شركة "بلاك شيلد" الإماراتية، في بيان، اطلعت عليه الأناضول، إنها شركة حراسات أمنية خاصة، وتنفي كافة الادعاءات المتعلقة بخداع العاملين لديها بخصوص طبيعة العمل أو نظامه أو موقعه أو العاملين لديها.

وفي 25 ديسمبر/كانون الأول 2019، نشرت صحيفة "الغارديان" البريطانية تقريراً عن "تورط" أبوظبي، في تمويل نقل مرتزقة للقتال في ليبيا إلى جانب مليشيات حفتر.

وتشن مليشيات حفتر التي تدعمها الإمارات بالسلاح والمرتزقة منذ 4 أبريل/نيسان الماضي، هجوماً متعثراً للسيطرة على العاصمة طرابلس، مقر حكومة الوفاق الليبية.

وأجهض هذا الهجوم، جهوداً كانت تبذلها الأمم المتحدة لعقد مؤتمر حوار بين الليبيين، ضمن خريطة طريق أممية لمعالجة النزاع الليبي.

المصدر: TRT عربي - وكالات