وصل التطور في التصوير الدماغي والدراسات الفسيولوجية الحديثة إلى الإجابة عن سؤال لماذا يتذكر بعض الناس أحلامهم أكثر من غيرهم، ويوجد عدد من العوامل التي تسهم في ذلك من بينها الجنس والشخصية والعمر.

النساء في المتوسط يتذكرن الأحلام بدرجة أعلى من الرجال
النساء في المتوسط يتذكرن الأحلام بدرجة أعلى من الرجال ()

شغلت الأحلام حيزاً في الفلسفة والتاريخ كما العلم، ولا تزال تتسم داخل المحيط العلمي بشيءٍ من الغموض. ومما يزيد الأمر تعقيداً حقيقة أن الجميع يحلم، ولكن بعض الناس لا يتذكرون أبداً ما يحلمون به ليلاً. والسؤال لماذا يتذكر بعض الناس أحلامهم أكثر من غيرهم؟

رمزية الأحلام

ارتبط تصور الأحلام لدى المصريين القدماء بالعرافين الذين يساهمون في عمليات التخطيط للمعارك واتخاذ قرارات الدولة، في حين كانت الأحلام بالنسبة للإغريق والرومان عبارة عن توقعات للأحداث المستقبلية، ورسائل يهديها الموتى للأحياء.

واعتبر سيغموند فرويد، مؤسس التحليل النفسي في علم النفس، الحلم تعبيراً عن الرغبات المقموعة كالرغبات الجنسية.

وفسّر كارل يونغ، عالم النفس السويسري، الأحلام بأنها طاقة تتخذ شكلاً معيناً كالمشاعر، أو أفكار اللا وعي العميق التي يحولها الدماغ إلى روايات.

وتتوافق فكرة أن الحلم تطهير للدوافع المكبوتة في حال اليقظة كما يراه أفلاطون، مع ما كتبه فرانسيس كريك الحاصل على جائزة نوبل عام 1984 في أننا "نحلم لننسى".

الأحلام بين التذكر والنسيان

وصل التطور في التصوير الدماغي والدراسات الفسيولوجية الحديثة إلى الإجابة عن سؤال لماذا يتذكر بعض الناس أحلامهم أكثر من غيرهم، رغم أنه لا يوجد تفسير بسيط ونهائي لذلك، وفق ما ورد في الموقع الإلكتروني الأميركي "مينتال فلوس".

ويورد الموقع ذاته عدداً من العوامل التي تجعل البعض يتذكر أحلامه والآخر ينساها، بحسب عالمة النفس في جامعة هارفارد ومؤلفة كتاب هيئة النوم، ديردري باريت.

الجنس

يعد الجنس من العوامل التي تحدد درجة تذكر الأحلام لدى الناس، وتقول عالمة النفس باريت بأن النساء في المتوسط يتذكرن الأحلام بدرجة أعلى من الرجال، نظراً إلى الاختلافات البيولوجية أو الهرمونية بينهم. كما أن المرأة قد تكون أكثر إدراكاً لأحلامها لأنها تميل بشكل عام إلى أن تكون أكثر اهتماماً بالأحلام. إلا أن هذا لا ينفي حقيقة أن هناك الكثير من النساء ذوات درجة متدنية في تذكر الأحلام قياساً إلى الرجال الذين يتذكرون الأحلام.

العمر

وتقول باريت بأن تذكُّر الأحلام يصبح صعباً مع التقدم في العمر. إذ إن القدرة على تذكر الأحلام تتحسن في أواخر الطفولة والمراهقة، وتميل إلى الذروة في العشرينيات من العمر، وبعد ذلك يعاني الأشخاص في الغالب انخفاضاً تدريجيّاً في استدعاء الأحلام.

الشخصية

وتؤثر شخصية الفرد في درجة استرجاع الحلم، لكنها ليست قاعدة فرضية كما تقول باريت. مشيرةً إلى أن الأشخاص الذين يتسمون بالتفكير النفسي يميلون إلى استرجاع الحلم بدرجة أعلى من الأشخاص العمليين.

معدل النوم

ويُعد مقدار النوم الذي يحصل عليه المرء في المتوسط ​​أحد أهم العوامل المتعلقة بتذكر الحلم. تقول باريت إن الناس يحلمون كل 90 دقيقة أثناء دورة نوم حركة العين السريعة rapid eye movement أو ما يعرف بـREM. ومع ذلك فإن فترات حركة العين السريعة REM هذه تستغرق وقتاً أطول في الليل، وهذا يعني أن الإنسان يحقق أعلى درجة من الأحلام في الصباح تماماً قبل أن يستيقظ.

بمعنى أنه إذا كان الإنسان ينام أربع ساعات فقط بدلاً من ثمانٍ، فإنه يحصل على 20% فقط من وقت أحلامه. لهذا السبب يتذكر بعض الأشخاص المزيد من أحلامهم في عطلة نهاية الأسبوع، عندما تتاح لهم ساعات أكثر للنوم.

نشاط الدماغ

وتذكر باريت أنه بفضل التصوير الدماغي أصبح لدى العلماء فكرة أفضل عن أجزاء الدماغ المرتبطة بالحلم. ووفقاً لدراسة أجريت عام 2014 فإن جزءاً من الدماغ الذي يعالج المعلومات والعواطف يكون أكثر نشاطاً في الأشخاص الذين يتذكرون أحلامهم بدرجة أعلى.

وقال الدكتور بيرين روبي لصحيفة بيزنس تايمز "قد يفسر هذا السبب أن المتذكرين للحلم بدرجة أعلى، يكونون أكثر تفاعلاً مع المحفزات البيئية، ويستيقظون أكثر أثناء النوم، وبالتالي يحسنون اختزان الأحلام في الذاكرة بشكل أفضل من المتذكرين للأحلام بدرجة منخفضة". إذ لا يستطيع الدماغ النائم حفظ معلومات جديدة، بل يحتاج إلى الاستيقاظ ليتمكن من القيام بذلك.

ويميل الأشخاص الذين يتذكرون أحلامهم بشكل متكرر إلى إظهار المزيد من النشاط الدماغي بعد سماع أسمائهم منطوقة بصوت عالٍ أثناء عملية استيقاظهم، وذلك وفقاً لدراسة أعدت عام 2013.

الاستجابة للمحفّز الخارجي

ولفتت عالمة النفس باريت إلى أنه من المحتمل أن يسبّب هذا الانخفاض في موجات ألفا زيادة في نشاط الدماغ عند سماع الناس لأسمائهم، في دلالة على أن الاستجابة للمحفّز الخارجي تعدُّ عاملاً يحدد مدى تذكر الناس لأحلامهم.

هل يمكن أن يكون تذكُّر الأحلام أمراً مكتسباً؟

وتقول عالمة النفس باريت إن التفكير في الأحلام يمكن أن يُحدث فرقاً كبيراً في درجة تذكُّرها، مضيفة أن "الأشخاص الذين يأخذون دروساً في الأحلام أو يقرؤون كتاباً عن الأحلام يميلون إلى إنشاء لقطة قصيرة الأجل في استدعاء الأحلام".

وتشير باريت وهي مؤلفة العديد من الكتب حول علم الأحلام وكيفية استخدامها في فتح الإمكانات الفردية إلى الدور الذي تسهم به الأحلام في حل المشكلات.

وتنصح باريت بعدم فعل أي شيء عند الاستيقاظ من النوم باستثناء الاستلقاء في الفراش ومحاولة تذكُّر الفرد لأي حلم لديه، مع محاولة تسجيله من أجل تذكره، إذ تبقى الأحلام في الذاكرة على المدى القصير عند الاستيقاظ، فهي هشة وسهلة النسيان على حدّ وصفها.

وتدعو باريت الأشخاص الذين لا يتذكرون أحلامهم رغم محاولاتهم المستمرة في ذلك إلى عدم اليأس بقولها "إذا كنت لا تتذكر أي شيء من أحلامك عند الاستيقاظ من النوم، فإنه لا يزال من المفيد تقييم أول شيء تشعر به عند الاستيقاظ، هل أنت سعيد؟ أم حزين؟ أم قلِق؟".

المصدر: TRT عربي - وكالات