مثّلت ليلة 15 يوليو/تموز 2016 بداية تحول عميق في الجيش التركي ودوره في الداخل والخارج (TRT Arabi)

ليلة الخامس عشر من يوليو/تموز عام 2016، رسمت بداية تحول عميق في الجيش التركي وهيكليته ودوره في الداخل والخارج، فبعد فشل تحركات عناصر محدودة من الجيش تتبع تنظيم كولن الإرهابي في السيطرة على البلاد والتخلص من رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، شهد الجيش التركي تحولات كبيرة ساهمت في تعزيز دوره الأساسي في حماية حدود البلاد ومواجهة تهديدات التنظيمات الإرهابية.

تغييرات جوهرية

بعد انتصار الشعب التركي على المحاولة الانقلابية الفاشلة وتورط تنظيم كولن الإرهابي في ذلك، بدأت ملاحقة عناصر التنظيم في هيكلية الجيش، بهدف إبعادهم عن المفاصل الحيوية التي كانوا يسيطرون عليها، ومن خلالها استطاعوا تخطيط وتنفيذ المحاولة الانقلابية الفاشلة.

كما مثل فشل المحاولة الانقلابية دافعاً أساسياً لتنظيم العلاقات والأدوار داخل الجيش و"مجلس الشورى العسكري الأعلى" وإعادة ضبطها، بحيث يتولى وزير الدفاع المسؤولية الأولى للمؤسسة العسكرية، بعد أن كان دوره تنسيقياً دون سلطة فعليه على المؤسسة، لتصبح تبعية رئيس الأركان لوزارة الدفاع.

فبعد أسابيع من محاولة الانقلاب الفاشلة، نشرت الجريدة الرسمية التركية قراراً يقضي بإعادة هيكلة "مجلس الشورى العسكري الأعلى"، وهو المجلس الذي يمتلك صلاحيات واسعة في ما يتعلق بإقرار الترقيات العليا في الجيش وإحالة الرتب العليا للتقاعد أو التمديد لها.

ونص القرار على أن يتكون المجلس من رئيس الوزراء (قبل الانتقال إلى النظام الرئاسي)، ونوابه، ووزراء العدل، والخارجية، والداخلية، والدفاع، ورئيس هيئة الأركان العامة، وقادة القوات العسكرية، في خطوة نحو خلق توازن في المجلس بين المدنيين والعسكريين، بعد أن كان يتكون من رئيسَي الوزراء وهيئة الأركان العامة، ووزير الدفاع، وقادة قوات الجيش، والقائد العامّ لقوات الدرك، وقائد الأسطول، وجنرالات وأدميرالات في القوات المسلحة.

وبعد الانتقال إلى النظام الرئاسي، أصبح مجلس الشورى العسكري الأعلى يُعقد برئاسة رئيس الجمهورية وحضور مساعده ووزير الدفاع والخارجية والداخلية والمالية والعدالة والتعليم، بالإضافة إلى رئيس الأركان وقادة القوات البرية والبحرية والجوية، كما نُقلت الأمانة العامة من رئاسة الأركان إلى وزارة الدفاع.

كما أُلحقت قيادات القوات البرّية والبحريّة والجوّية بوزارة الدفاع وأُلحقت القيادة العامة لقوات الدرك وقيادة خفر السواحل بوزارة الداخلية، ضمن قرارات متتابعة خلال السنوات الأخيرة في إطار إعادة هيكلة الجيش.

أول اجتماع لمجلس الشورى العسكري الأعلى ضمن النظام الرئاسي برئاسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أغسطس/آب 2018 (AA)

درع الفرات.. بداية الانطلاقة

بفضل إجراءات تركيا لإعادة هيكلة الجيش وتنظيمه داخلياً، تمكنت القوات المسلحة التركية من تنفيذ عمليات ناجعة وفعَّالة ضد التنظيمات الإرهابية والتهديدات المحدقة بالبلاد في الداخل والخارج.

فبعد أسابيع من التغلب على الانقلابيين داخل البلاد، أطلق الجيش التركي عملية درع الفرات في أغسطس/آب 2016، التي هدفت إلى تأمين الحدود الجنوبية للبلاد مع سوريا، ومنع سيطرة تنظيم PKK/PYD الإرهابي على المنطقة، واستطاعت القوات التركية تحرير مناطق كالباب وجرابلس في شمالي سوريا من التنظيمات الإرهابية، وفرض الأمن والسلام فيها.

بعد ذلك تتباعت العمليات العسكرية للجيش التركي في الشمال السوري بالتعاون مع الجيش الوطني السوري، من غصن الزيتون التي حررت مدينة عفرين من الإرهابيين، إلى نبع السلام التي أجهضت مخطط إقامة كيان انفصالي على حدود تركيا الجنوبية.

كما أطلقت القوات المسلحة التركية في منتصف يونيو/حزيران من العام 2020 عملياتها ضد العناصر الإرهابية في شمالي العراق، في إطار عملية "المخلب النسر" ثم "المخلب النمر"، التي حققت نجاحات كبيرة ودمرت عشرات من مواقع الإرهابيين وحيّدت كثيراً من عناصرهم.

وفي 23 أبريل/نيسان الماضي، أطلقت تركيا بالتزامن عمليتي "مخلب البرق" و"مخلب الصاعقة" ضد "PKK" الإرهابي، في مناطق "متينا" و"أفشين ـ باسيان" شمالي العراق.

ما ميز العمليات التركية الأخيرة هو استكمال أهدافها بكفاءة عالية دون ثغرات، والقدرة على التقدم واستهداف مواقع ومخابئ الإرهابيين وتحييدهم، وتجنب وقوع إصابات في صفوف المدنيين.

كما شهدت العمليات تنسيقاً عالياً بين القوات المتقدمة على الأرض والمقاتلات والطائرات التي تستهدف بغاراتها المتلاحقة أوكار التنظيمات الإرهابية.

ترسانة بأيدٍ تركية

يعتمد الجيش التركي في عملياته العسكرية بشكل كبير على ترسانة عسكرية واسعة من الأسلحة والصواريخ والمدرعات والطائرات والأنظمة العسكرية محلية الصنع، التي استطاعت تركيا إنتاجها وتطويرها خلال السنوات الأخيرة، وهو ما بدا جلياً في انخفاض واردات تركيا من الأسلحة بين عامَي 2015 و 2019 بنسبة 48%، مقارنة بالسنوات الخمس السابقة، حسب تقرير لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) عام 2019.

وتمتلك تركيا عديداً من الشركات الخاصة والمؤسسات العامة التي تعمل على إنتاج معدات عسكرية عالية التقنية مثل ASELSAN وTurkish Aerospace Industries وHavelsan وRoketsan وTUBITAK وBaykar وTusas وFNSS Defense Systems، التي مكّنت البلاد من التقدم في مشروع الاكتفاء الذاتي من الأسلحة الذي تطمح تركيا إلى تحقيقه ضمن رؤية عام 2023.

السيطرة الجوية

تقدم الطائرة التكتيكية المسيَّرة "بيراكتار تي بي 2" الدعم الاستخباراتي والهجومي للعمليات العسكرية والأمنية بفضل حمولتها التي تصل إلى 150 كجم.

وبفضل ذلك كان لهذه الطائرة دور حاسم خلال عملية غصن الزيتون في منطقة عفرين شمالي سوريا، كما تمكنت من تكبيد مليشيات الانقلابي خليفة حفتر في ليبيا خسائر كبيرة، وساهمت في تقدم قوات الحكومة الشرعية الليبية.

كما يستخدم الجيش التركي مروحيات T-129 ATAK، بصواريخ CIRIT جو-أرض الموجهة، لضرب الأهداف على الأرض، وتمتلك المروحية القدرة على حمل ثمانية صواريخ مضادة للدبابات في وقت واحد، و12 صاروخًا موجهًا، و500 طلقة للذخيرة الآلية.

وتتميز القوات البرية التركية بامتلاكها للمدفعية T-155 Firtina، وعديد من المدرعات والآليات المحلية وصواريخ T-300، والصاروخ المتعدد (T-122 CNRA) الذي يُعد النسخة التركية من صواريخ غراد الروسية الشهيرة.

T-155 Firtina لعبت دوراً فاعلاً في عملية غصن الزيتون (AA)

بالإضافة إلى كل ذلك، تعمل تركيا منذ فترة على إنتاج نظام دفاع جوي محلي بعيد المدى وطائرات مقاتلة محلية ضمن رؤيتها الاستراتيجية للصناعات الدفاعية المحلية.

وبفضل هذه الإمكانيات والترسانة الواسعة من الأسلحة المتطورة، وبعد إعادة الهيكلة والتنظيم الداخلي في صفوفه، تمكن الجيش التركي من أن يصبح حامياً حقيقياً لتركيا ومصالحها، وشوكة في حلق الأعداء والتنظيمات الإرهابية.

TRT عربي - وكالات