إسقاط منظومة صواريخ الدفاع الجوي الإيرانية لطائرة عسكرية أمريكية بدون طيار عالية التقنية في جنوب الخليج العربي يوم الخميس الماضي 20 يونيو/حزيران يُعد أحدث مثالاً على التوترات المتزايدة بين واشنطن وطهران على مدار العام الماضي.

وكان الجيش الأمريكي قد نفى وقوع أي هجوم في الساعات الأولى عقب الحادث. لكن بعد وقت من ذلك، زعم أنَّ طائرته قد أُسقطت فوق المياه الدولية. وسرعان ما توالت ردود الفعل السياسية على هذا الحادث.

نشر وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، إحداثيات مُفصَّلة للطائرة الأمريكية، التي أُسقطت قرب منطقة كوه مبارك الإيرانية. وسارع مسؤولون إيرانيون آخرون إلى التأكيد على أنَّ انتهاك الحدود البرية والجوية والبحرية للبلاد خط أحمر، وسيجري حماية حدود بلادهم بغض النظر عن التكلفة.

على الجانب الآخر، كتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تغريدة على موقع تويتر يقول فيها إنَّ: "إيران ارتكبت خطأً كبيراً"، لكنَّ تقارير أفادت أنَّه عدل عن قراره بشأن توجيه ضربة انتقامية محدودة لإيران، وذلك بعد اجتماع مع قادة الكونغرس.

إيران والظرف الصعب

تواجه إيران موقفاً صعباً للغاية بسبب انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة، المعروفة باسم الاتفاق النووي مع إيران، في مايو/أيَّار 2018، فضلاً عن فرض عقوبات صارمة جديدة ضدها وتداعيات حروب التجارة العالمية، إلى جانب موقف ترامب العدواني والتزام شركاء إيران التجاريين الرئيسيين، الاتحاد الأوروبي والصين والهند، بنظام العقوبات الأمريكية.

ويتّضح ذلك في أحدث بيان لوزير النفط الإيراني، بيجان زنغنة، الذي قال فيه: "إنَّه كان من الصعب شرح المأزق الحالي، الذي تمر به البلاد، للناس لأنَّهم لا يرون انفجارات وجثث دامية في الشوارع"، مضيفًا إنَّ "الوضع الراهن أكثر خطورة حتى من فترة الحرب العراقية الإيرانية التي دامت 8 سنوات".

وعلى الرغم من أنَّ العقوبات الأمريكية على إيران قد دخلت حيز التنفيذ قبل فترة قصيرة، تتراجع جميع المؤشرات الاقتصادية الرئيسية للبلاد بسرعة كبيرة، ومن المتوقع أن تواجه طهران صعوبة حتى في توفير الإمدادات الأساسية.

فقد أعلنت السلطات الإيرانية في عددٍ من البيانات قبل دخول العقوبات حيز التنفيذ أنَّها إذا لم تتمكن إيران من بيع نفطها، لن تستطيع أي دولة بيع نفط من الخليج.

الرد الإيراني

لذا، لم يكن من المستغرب أنَّه بعد الهجمات التي وقعت قبالة سواحل الفجيرة الشهر الماضي واستهدفت ناقلتي نفط سعوديتين وواحدة نرويجية وأخرى إماراتية، تتبادر إيران إلى الذهن باعتبارها المشتبه به الأول وراء وقوع تلك الهجمات.

تواصلت الهجمات عندما كان رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في طهران لإجراء محادثات الوساطة بين طهران وواشنطن، وكان الزعيم الإيراني آية الله الخامنئي قد رد على ترامب على نحوٍ فعال دون أن ينطق بكلمة واحدة.

جنود إيرانيون يشاركون في
جنود إيرانيون يشاركون في "اليوم الوطني للخليج الفارسي" في مضيق هرمز ، في 30 أبريل 2019. - . (تصوير ATTA KENARE / AFP) (يجب قراءة رصيد الصورة ATTA KENARE / AFP / Getty Images) (Getty Images)

تتزايد أيضاً وتيرة الهجمات ضد الوجود الدبلوماسي الأمريكي وشركات النفط في العراق يوماً بعد يوم، ولم تُحقّق حتى الآن جهود الوساطة من جانب السياسيون العراقيون النتائج المرجوة.

وفي حين يتمثَّل مطلب إيران الرئيسي في التخفيف من وطأة العقوبات والحصول على إعفاءات لمبيعات النفط الإيراني على نحوٍ خاص، تقول الولايات المتحدة الأمريكية إنَّها لن تتّخذ مثل هذه الخطوة ما لم تبدأ مفاوضات ثنائية مباشرة.

لذا، تُعد الفجوة بين مطالب الجانبين أكبر عقبة أمام التوصل إلى تسوية مُرضية للطرفين.

فمنذ بدأت الأزمة، صرَّح العديد من المراقبين إن إيران لن تكتفي فقط بتجاهل وعدم قبول العقوبات الاقتصادية، بل تزيد حدة التوتر في المنطقة حيث تتمتع بالخبرة والنجاح.

إستراتيجية حافة الهاوية

فكرة أن إدارة ترامب لا يمكنها المخاطرة بإشعال حرب جديدة قبل الانتخابات الأمريكية تلقى قبولاً كبيراً في طهران.

ولهذا السبب، حدَّدت إيران إستراتيجيتها المركزية بزيادة الضغط على إدارة ترامب، التي شدَّدَت في أكثر من مناسبة على عدم رغبتها في خوض حرب جديدة، من أجل كسب تنازلات.

عقب هجمات الفجيرة، أوضحت الإدارة الأمريكية، من خلال إحالتها الأمر إلى لجنة تحقيق مستقلة، عدم سعيها إلى أي نزاع عسكري.

حتى خطاب الولايات المتحدة التالي للهجمات بدلاً من أن يذكر "مصالح الولايات المتحدة وحلفائها"، قال: "في حال تهديد الوجود الأمريكي"، مما يعني ضمنياً إمكانية استهداف إيران للعناصر الإقليمية المناهضة للمعسكر الإيراني، خاصة المملكة العربية السعودية والإمارات.

لذا، من المتوقع أن تتواصل أعمال إيران المماثلة ضد دول مثل السعودية والإمارات. وقد فرض ذلك ضغطاً كبيراً على أسعار النفط ووثائق التأمين البحري

ومن المهم كذلك الالتفات إلى آراء بعض الجهات الفاعلة والتي ترى أن الأزمة الإيرانية قد تخرج عن السيطرة وسوف تشعل صراعاً شاملاً.

وتحوَّلَت خطة ترامب تجاه إيران، والمتمثلة في "اتفاق نووي جديد وأفضل"، إلى مطالب تستهدف كافة السياسات الإقليمية والبنية التحتية الأمنية لإيران بسبب تأثير العناصر المتشددة من داخل المعسكر الأمريكي، وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون، إذ يفترضان إنه في حال استيفاء طهران لتلك المطالب، فإنها قد تعتبر دولة طبيعية.

إدراج الولايات المتحدة الأمريكية للحرس الثوري الإيراني ضمن قوائم المنظمات الإرهابية الأجنبية، بالرغم من أنها المنظمة الأمنية الأولى في البلاد وذات بصمات اقتصادية هامة، غذّى فكرة وجود رغبة فعلية لدى ترامب لتغيير النظام في إيران، ولكنه اتبع سياسة تقدمية حتى لا يخيف الشعب الإيراني.

عودة التيار المتشدد

ولقد عُبِّرَ عن ذلك مراراً وتكراراً، ليس فقط من قبل العناصر الأصولية داخل إيران بل من قبل الرئيس روحاني أيضاً، والذي يسعى لتأسيس علاقات أوثق مع الغرب من خلال الاتفاق النووي، والذي أُتهم روحاني بسببه بتجاهل روسيا والصين.

وخلال زيارة جواد ظريف وزير الخارجية إلى الولايات المتحدة، تحدث إلى محطة FOX TV التلفزيونية، والمعروفة بعلاقاتها الوثيقة مع ترامب، وطالب بمبادلة الأسرى، ولكنه عاد إلى طهران خاوي الوفاض. لتصبح السلطة في إيران الآن في أيدي المتشددين.

في الوقت الحالي، تفضل هذه المجموعات المتشددة مواجهة الولايات المتحدة وإيران في ذروة قوتها الإقليمية، بدلاً من مواجهة الولايات المتحدة بعد بضع سنوات عقب الركود والانهيار الاقتصادي المحتمل.

وعلى الجانب الآخر، اكتسب التيار المتشدد المناهض لإيران تأثيراً ضخماً داخل الإدارة الأمريكية مع استقالة القائم بأعمال وزير الدفاع، باتريك شاناهان، من منصبه، والذي كان الشخص الوحيد إلى جانب ترامب الذي يعارض وجود عملية عسكرية ضد إيران.

وحلَّ مارك إسبر بديلاً لشاناهان، ويعتبر إسبر شخصية بارزة في مجال صناعة وتجارة السلاح وزميل دراسة لمارك بومبيو، ويشاركه الرؤى والأفكار حول إيران، مما يشير إلى أن الإدارة قد لا تكون قادرة على كبح الزمام لأكثر من ذلك.

ومن الغريب أن تصر وزارة الدفاع الأمريكية على خوض حرب شاملة مع إيران، بالرغم من معرفتها الكاملة بكفاءة إيران وتعرف أنها سوف تتكبد خسائر كبيرة في هذا الصراع المحتمل.

وأخيراً، من المُرجَّح أن يخرج الأمر عن السيطرة بعد تصريحات خامنئي "لا حرب ولا تفاوض"، والتعدي على الولايات المتحدة وحلفائها.

من الواضح أن إيران حققت نجاحاً بارزاً خلال السنوات الأخيرة في مجال التقنيات الدفاعية، لا سيّما بعد إسقاط الطائرة الأمريكية بدون طيار، ولكن كما أشار الرئيس الروسي بوتين، إن أي صراع محتمل سوف يؤدي بلا شك إلى كارثة كبرى على المنطقة بأسرها.

هذا المقال مترجم عن موقع TRT WORLD

المصدر: TRT عربي