ما إن عمّت الاحتجاجات شوارع عديد من مدن إيران حتى هُرعت الحكومة الإيرانيَّة إلى قطع خدمة الإنترنت. إن تحرُّك الحكومة في طهران لمنع الوصول إلى الإنترنت، والتضييق على الاتصالات اللا سلكية، يعكس جدية الموقف الذي وجد فيه نظام الملالي في إيران نفسه.

ففي عالَم باتت فيه الفضاءات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية متشابكة ومتداخلة بشكل كبير بواسطة وسائل الإعلام الرقمية، بات فصل هذه الفضاءات بعضها عن بعض أمراً مستحيلاً، وهو ما ترتب عليه سرعة في التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية جعلت السيطرة عليها بعيدة المنال بغضّ النظر عن مدى قوة الحكومة وقدرتها على فرض الرقابة والسيطرة.

ففي إيران، كغيرها من بلدان الشرق الأوسط التي تضربها عاصفة من الاحتجاجات الشعبية الكبيرة، كان للصورة وسرعة انتقالها ولحظيتها الأثر الكبير في الانتشار السريع للتظاهرات التي عمّت أكثر من مئة مدينة وبلدة، تم خلالها إحراق عديد من المؤسَّسات الحكومة والبنوك والمقار المحسوبة على القوات الأمنية التابعة للنظام.

إن الأنظمة الدكتاتورية على غرار النِّظام الإيرانيّ تدرك بشكل جيّد معنى هذا الانتشار السريع للمعلومات والصور الذي توفّره شبكات الاتصال الرقمي. لذلك لا غرابة في أن تتجه فوراً إلى قطع هذه الخدمة عن المواطنين بطريقة تنافي أبسط قواعد الحرية وحقوق الإنسان، مع أن الحديث عن مبادئ حقوق الإنسان في ظل نظام قمعي كالنِّظام الإيرانيّ يُعَدّ ترفاً طوباويّاً، فالنِّظام الذي لا يتورع عن قتل المواطنين بدم بارد، لا يعنيه أبداً قطع خدمة الإنترنت عن عموم البلاد، وحرمان الملايين من حقّ الوصول إلى المعلومة، وممارسة أشغالهم بالشكل المعتاد.

نعم، لقد تَجرَّأ النِّظام الإيرانيّ وقطع خدمة الإنترنت بشكل شبه كامل بُعَيد اندلاع الاحتجاجات. هذا ما كشف عنه موقع NETBLOCKS المعنيّ برصد الهجمات السايبرانية على المستوى العالَمي. فحسب الموقع، قد أبلغ المستخدمون عن انقطاع الخدمة أولاً في مدينة مشهد (ثانية أكبر مدينة في البلاد، والمدينة المقدسة لدى الشيعة)، التي شهدت تدنِّياً في مستوى الاتصال ابتداءً من مساء يوم الجمعة15نوفمبر/تشرين الثاني.

كما توقف تشغيل أكبر مشغلي شبكات الهواتف المحمولة في إيران بما في ذلك MCI وRightel وIranCell في وقت لاحق حتى الساعة 6:00 مساءً بالتوقيت المحلي (14:30 بالتوقيت العالَمي) يوم السبت وسط تفاقم إغلاق شبكة الإنترنت مع اشتداد الاحتجاجات. وما إن قارب يوم السبت على الانتهاء حتى كانت نسبة اتصال إيران بالشبكة العالَمية تقدر بـ5بالمئة فقط، وهو حدّ من الإغلاق يعني أن النِّظام الإيرانيّ يريد عزل إيران عن العالَم بشكل كامل لكي يمارس قمعه بعيداً عن الأضواء. لقد كان هذا أقل مستوى من الاتصال بالشبكة العنكبوتية وصلت إليه إيران منذ تَسَلُّم الرئيس حسن روحاني مهامَّه.

إن الأنظمة الشمولية مثل إيران تعي جيداً أهمِّيَّة شبكة الإنترنت في عملية نشر المعلومات، وتحشيد الجموع، وفضح الروايات الحكومية وتحدِّيها من قبل الناشطين، لذلك قاموا على مدار أعوام طويلة بتطوير آليات من أجل الحدّ من تأثير شبكة الإنترنت في الاحتجاجات الشعبية.

تتراوح هذه الآليات بين الأكثر صرامة تقنيّاً مثل النموذج الصيني الذي يقوم على مبدأ "جدار الحماية العظيم في الصين" والذي هو عبارة عن مزيج من الإجراءات التشريعية والتقنيات التكنولوجية التي تطبقها الصين بغرض تنظيم الإنترنت على الصعيد المحلي. ويتمثل هذا النهج بفرض رقابة صارمة على محتوى الإنترنت في الصين ومنع الوصول إلى أي مواقع أجنبية مختارة قد تتضمن انتقادات إلى السلطات الحاكمة، هذا فضلاً عن اللجوء إلى إبطاء حركة المرور عبر الإنترنت إذا لزم الأمر.

وهناك أيضاً النموذج الروسي الذي بات يتعامل مع شبكة الإنترنت في بعدها السياسي أو ما يسمى بأقلمة الإنترنت، وهو إنشاء شبكة إنترنت محلية تكون بديلة عن الشبكة العالَمية، وذات خصائص تسمح للسلطات بالتحكُّم المطلق فيها. ففي بداية هذا الشهر قام الرئيس فلاديمير بوتين بتأمين قدرته على وقف الإنترنت، عبر ما يسمى "الإنترنت السيادي" الذي يمكّن حكومته من فصل البلاد عن بقية العالَم، ونقلها إلى شبكة محلية فقط وقطع الروابط مع المواقع والخدمات غير الروسية. تم التوقيع على بدء هذا المشروع الذي أُطلِقَ عليه RuNet في شهر مايو/أيار الماضي، وبدأ نشر هذه التقنية على نقاط الوصول إلى الإنترنت في البلد من بداية شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي. ومنذ ذلك الوقت والسلطات الروسية تختبر تجربة: اقتل الإنترنت بضغطة زر.

إذا نجحت هذه التجربة فلا شك أنها سوف تنتشر إلى العديد من الدول العالَم خصوصاً تلك التي تخاف أنظمتها القمعية من النموذج الليبرالي للإنترنت الذي يجدون فيها خطراً على سلطاتهم. إلى ذلك الحين سوف تستمرّ هذه الحكومات بالسيطرة على الإنترنت بالطرق التقنية التقليدية وهي السيطرة على نقاط الوصول وشلّها عن العمل، أو تلك الطرق المغرقة في التقليدية والتي تقوم على اقتناص الناشطين والتنكيل بهم، وفرض غرامات كبيرة تصل إلى السجن لسنوات عديدة عليهم، واستخدام الطرق الوحشية في تفريق المتظاهرين والتنكيل بهم أيضاً.

إن ما يحدث للإنترنت في إيران والكثير من الدول الدكتاتورية إنما هو جزء من الصراع الدائر على المستوى العالَمي حول حوكمة الإنترنت والفلسفة الناظمة لها، وإن التضارب بين النموذجين: النموذج الليبرالي الغربي، والنموذج السيادي الشرقي، إنما يبعث على الاعتقاد أننا في خضمّ حرب إلكترونية باردة تُدار رحاها على شبكة الإنترنت، ونتيجتها سوف تحدد مستقبل الشبكة على مدار العقود التالية. ولكن حتى ذلك الحين علينا أن لا ننسى أن قمع الإنترنت هو جزء من قمع الحريات العامَّة، وإن التنكيل بها هو جزء من التنكيل بالشعوب المطالبة بالحرية والكرامة والديمقراطية.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي